اختتام فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب.. احتفاء بالثقافة وتعزيز للهوية وجسر بين الشعوب
هيئة تحرير دنا بريس
أسدل الستار اليوم، 27 أبريل 2025، على فعاليات الدورة الثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب في عاصمة الانوار “الرباط”، التي استمرت طيلة عشرة أيام حافلة بالأنشطة الثقافية والفكرية المتميزة. المعرض الذي يُعد واحدًا من أبرز التظاهرات الثقافية، جذب الآلاف من الزوار والمثقفين من مختلف أنحاء العالم، ليجمع بين مختلف الفئات والاهتمامات من عساق القراءة عموما، والناشرين، والكتاب، والمفكرين.
المعرض الذي انطلق يوم 18 أبريل بمشاركة 51 دولة، تحت الرعاية الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وأعطى انطلاق فعالياته الأمير مولاي رشيد، قد عرف حضور ضيف شرف خاص هو إمارة الشارقة، التي تحتفل بكونها عاصمة للكتاب لعام 2024. هذا الحضور الإماراتي، الذي تجسد في عرض الثقافة والفنون الإماراتية، أضاف طابعًا خاصًا لهاته النسخة.
وقد شهد المعرض في دورته الثلاثين العديد من الفعاليات المميزة، حيث تم تكريم العديد من أعلام الثقافة المغربية مثل ليلى أبوزيد، وعمر أمرير، ومحمد برادة، إضافة إلى الاحتفاء بنجوم الثقافة العالمية. من أبرز المحطات الثقافية هذا العام، هو تكريم الراحل إدمون عمران المليح عبر “فضاء متحفي” خصص له في المعرض، والاحتفاء بأدب إدريس الشرايبي، الذي يعتبر من أعمدة الأدب المغربي.
كما تميز المعرض بحضور لافت للفعاليات المرتبطة بحقوق الإنسان، حيث كان المجلس الوطني لحقوق الإنسان حاضرا برواقه الذي شهد تنظيم أكثر من 70 نشاطًا، تطرقت مواضيعها إلى حقوق الإنسان، الثقافة، والفن، وسلطت الضوء على قضية التعددية الثقافية وحقوق الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة. وقد لاقت ورشات المعرض التي استهدفت الأطفال حضورًا جماهيريًا واسعًا، حيث شارك فيها مئات التلاميذ من مختلف أنحاء المغرب.
وقد أشار وزير الثقافة والشباب والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، في ندوة صحافية إلى أن هذه الدورة كانت فرصة لإبراز دور الثقافة في تعزيز العلاقات الدولية، خاصة في ظل الاستقبال الكريم لإمارة الشارقة. كما أكد على أهمية “مغاربة العالم” في تعزيز الهوية المغربية، حيث تم تخصيص فعاليات متنوعة للاحتفاء بهم ودورهم في نشر الثقافة المغربية في الخارج.
فيما أشار أحمد العامري، الرئيس التنفيذي لهيئة الشارقة للكتاب، إلى شراكة المغرب والإمارة في تعزيز الثقافة العربية والكتاب، مؤكدًا على الدور المهم للمعارض في بناء جسور ثقافية بين الشعوب.
هذا واختتمت الدورة بإشادة هامة بتنظيم المعرض وبالأنشطة التي احتضنتها مختلف أروقته، حيث عبرت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، آمنة بوعياش، عن فخرها بنجاح هذا المعرض الذي جمع بين الثقافة، الفكر، وحقوق الإنسان في عرض واحد، ما يترجم التزام المملكة المغربية بمواصلة الترافع من أجل نشر ثقافة الحقوق والحريات.
يشار أن هذه الدورة بمثابة نقطة مضيئة في تاريخ المعرض، الذي يظل واحدة من أرقى المنابر الثقافية التي تُبرز غنى الهوية المغربية وتفتح آفاق التعاون الثقافي مع العالم. وبذلك، تستمر الرباط في كونها قبلة للمثقفين والمبدعين، بفضل هذا الحدث الذي يُعد أكثر من مجرد معرض، بل هو تظاهرة ثقافية وفكرية تفتح أفقًا جديدًا لكل محبي الكتاب والفكر في العالم.
المعرض الدولي للنشر والكتاب.. البدلية والمنطلقات
المعرض الدولي للنشر والكتاب، الذي انطلقت نسخته الأولى في عام 1987، أصبح واحدًا من أبرز الملتقيات الثقافية في المغرب والعالم العربي. أسس المعرض لتكون مدينة الدار البيضاء، قبلة للكتاب والقراء والمثقفين من مختلف أنحاء العالم، مع اهتمام خاص بكل ما يتعلق بالنشر والكتابة، سواء من حيث تعزيز الثقافة المحلية أو استقطاب الفكر العالمي.
منذ انطلاقته، عمل المعرض على تعزيز مكانة المغرب كأحد أهم مراكز النشر في المنطقة، وجعل من أراضيه مكانًا يتجمع فيه العارضون من مختلف البلدان. وتُشارك في المعرض كل عام نحو 700 دار نشر ومؤسسة ثقافية قادمة من أكثر من 40 دولة حول العالم، وتغطي فعالياته كافة جوانب الثقافة والفكر من خلال معارض الكتب، الندوات، الورش، وعروض ثقافية وفنية. إلى جانب ذلك، يُعد المعرض ملتقى للتبادل الفكري، حيث يلتقي الكتاب والمفكرون والصحفيون مع القراء لمناقشة قضايا الفكر والأدب والسياسة.
لقد شهد المعرض تطورًا كبيرًا بمرور السنوات، حيث أصبح واحدًا من أكبر المعارض على مستوى العالم العربي والإفريقي. وقد تعزز هذا التوسع مع كل دورة، حيث تُحسن التنظيمات وتضاف الأنشطة، ليواكب المعرض التحديات الثقافية والاقتصادية الجديدة، ويواكب التحولات الرقمية في عالم النشر.
وقد استضاف المعرض على مر السنين عددًا كبيرًا من الشخصيات الثقافية والفكرية البارزة من مختلف أنحاء العالم. كما أصبح يشكل نافذة مهمة للكتاب المغاربة للتعريف بإبداعاتهم، إلى جانب تسليط الضوء على الأدب والفكر العربي والدولي.
ومع كل دورة، أصبح المعرض يكرس فكرة الاحتفاء بالثقافة كجسر للسلام والتفاهم بين الشعوب، حيث تم اختيار العديد من الدول ضيوف شرف للمعرض في السنوات الماضية. أبرز هذه الدول كان الإمارات العربية المتحدة في دورة 2024، حيث كانت الشارقة ضيف شرف، ما ساهم في تعزيز التعاون الثقافي بين المغرب والإمارات.
المعرض لم يقتصر على تقديم الكتب والنشر فقط، بل أصبح منصة للحديث عن قضايا حقوق الإنسان، الترجمة، الأدب النسائي، الثقافة الإفريقية، والأدب العربي المعاصر، وغيرها من القضايا التي تهم المثقفين والقراء على حد سواء.
من البيضاء إلى الرباط: المعرض الدولي للنشر والكتاب يكتب فصلاً جديدًا في تاريخه الثقافي
مر المعرض الدولي للنشر والكتاب بتغيير مهم في مكان انعقاده من مدينة الدار البيضاء إلى الرباط، وهو تحول أثار الكثير من الجدل والممانعة في البداية. كانت البداية في الدار البيضاء تمثل جزءًا من هوية المعرض الثقافية، حيث كانت العاصمة الاقتصادية تحتضن هذا الحدث الكبير في فضاءات قاعات “مركز المعارض” والتي شهدت أعدادًا كبيرة من الزوار على مر السنين.
لكن مع مرور الوقت، بدأ التفكير في نقل المعرض إلى العاصمة السياسية، الرباط، لأسباب متعددة منها تحسين التنظيم، وتحقيق التوازن بين الفعاليات الثقافية في المغرب، وكذلك زيادة الحضور الدولي، باعتبار أن الرباط هي المدينة التي تمثل الوجه الثقافي والسياسي للمغرب.
وعلى الرغم من الفوائد المتوقعة من هذا النقل، إلا أن انتقال المعرض من الدار البيضاء إلى الرباط كان محل مقاومة من بعض الأطراف. كانت هناك تخوفات من أن الانتقال قد يؤدي إلى تراجع مستوى الحضور الجماهيري. فالبعض كان يرى أن الدار البيضاء تحتفظ بجاذبية كبيرة للزوار والمشاركين، وذلك بسبب كونها المدينة التجارية الأكثر حركة ووجودًا للعديد من الفعاليات الكبرى.
الممانعة كانت واضحة في السنوات الأولى من الانتقال، حيث عانت الرباط من تحديات في استيعاب هذا الحدث الثقافي الضخم بنفس مستوى مدينة الدار البيضاء، سواء على مستوى البنية التحتية أو في جذب العارضين والزوار. وكانت بعض الأصوات تعتقد أن الرباط لم تكن جاهزة بعد لتكون مكانًا ينافس الدار البيضاء على مستوى الحجم والتنظيم.
لكن مع مرور الوقت، استطاع المعرض أن يثبت نفسه في الرباط ويحقق مكانته على المستوى الوطني والدولي. ساهمت البنية التحتية الجديدة التي توافرت في العاصمة، مثل فضاء “مركز المؤتمرات” في مدينة العرفان، في تعزيز تنظيم المعرض وتسهيل الوصول إليه. كما أن الرباط، التي تحولت إلى مدينة ثقافية أكثر تنوعًا، ساعدت في توفير بيئة مثالية لتعزيز التفاعل بين الجمهور المحلي والدولي.
النجاح الذي تحقق بعد هذا التغيير جاء أيضًا من خلال استراتيجيات تنظيمية مبتكرة، مثل توفير نشاطات ثقافية موازية، وتنظيم ورش عمل، وندوات فكرية، وعروض ترفيهية. بالإضافة إلى ذلك، حافظ المعرض على تقاليده الخاصة مثل تكريم الكتاب والمبدعين، وجذب دور النشر الكبرى من مختلف أنحاء العالم.
كما أن الرباط نجحت في استقطاب “دول ضيف الشرف” التي ساعدت على تعزيز مستوى المعرض، حيث استفاد من هذه الشراكات الثقافية في جذب المشاركين على المستويين الإقليمي والدولي.
بذلك، على الرغم من التحديات التي واجهها في البداية، استطاع المعرض الدولي للنشر والكتاب في الرباط أن يؤكد مكانته الثقافية ويحقق حضورًا قويًا، محولًا الممانعة إلى فرصة لتعزيز الهوية الثقافية للمغرب وتعميق الانفتاح على الثقافات العالمية.