من “قمر في المنفى” إلى المسيرة الخضراء.. الحسن الثاني والحدث الخالد
من “قمر في المنفى” إلى المسيرة الخضراء، تتواصل سيرة ملوك المغرب في ترسيخ السيادة وصيانة وحدة الوطن. وإذا كان محمد الخامس قد أضاء الوجدان الوطني من منفاه، فإن الحسن الثاني، وريث عبقريته السياسية، أطلق واحدة من أعظم المحطات التحريرية في القرن العشرين: المسيرة الخضراء، التي لم تكن مجرد حدث، بل لحظة فارقة جمعت الملك بالشعب على درب استكمال الاستقلال.
بقلم: نادية الصبار
إذا كان جلالة المغفور له محمد الخامس، طيّب الله ثراه، قد خُلد في الوجدان الوطني بصفته “قمرًا في المنفى وشمسًا عند الاستقلال”، فإن جلالة الملك الحسن الثاني، رحمه الله، قد ارتبط اسمه بأعظم محطة في تاريخ المغرب الحديث: المسيرة الخضراء. حدثٌ خالد لم يغيّر فقط ملامح الخارطة الجغرافية، بل أعاد ترسيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الملكية والشعب، على قاعدة الإجماع والسيادة.
إن الحديث عن المسيرة الخضراء لا ينفصل عن شخصية الحسن الثاني بصفته صاحب المبادرة، ومهندس الحدث، وقائد اللحظة، إذ استطاع أن يحوّل قضية الصحراء من ملف استعماري معقّد إلى ملحمة وطنية جامعة، استندت إلى الشرعية الدولية، وعبّرت عن إرادة شعبية واسعة النطاق، سلاحها القرآن والعلم الوطني، ووقودها الإيمان العميق بالحق التاريخي للمغرب في صحرائه.
في 16 أكتوبر 1975، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا يؤكد وجود روابط بيعة قانونية وتاريخية بين المغرب وسكان الأقاليم الصحراوية. وهو الرأي الذي التقطه الحسن الثاني ببصيرته السياسية، ليعلن في خطاب تاريخي مساء نفس اليوم عن تنظيم مسيرة شعبية سلمية نحو الصحراء المغربية، بمشاركة 350 ألف مواطن ومواطنة.
وقد قال جلالته في خطاب المسيرة: “غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة، غدا إن شاء الله ستطؤون أرضا من أراضيكم وستلمسون رملا من رمالكم وستُقَبّلون أرضا من وطنكم العزيز”… كانت هذه كلمات الملك الراحل الحسن الثاني في خطاب تاريخي دعا فيه الشعب المغربي للمشاركة في مسيرة سلمية نحو الصحراء المغربية لاستعادة الأراضي من المستعمر الإسباني.
وم يكن ذلك النداء مجرد إعلان تعبئة، بل كان لحظة تعبئة وجدانية قصوى، أذابت الفوارق الطبقية والمجالية، وأعادت صياغة المفهوم المغربي للوطنية في إطارها العملي، المتجسّد في الفعل، لا في الشعار.
ويُجمع المؤرخون، ومنهم الفرنسي برنار لوغان، أن الحسن الثاني قدّم في المسيرة الخضراء درسًا استراتيجيًا للعالم في كيفية إدارة قضية سيادية شائكة، دون لجوء إلى العنف أو الحرب، بل عبر حشد رمزي سلمي هائل، أعاد المغرب به إلى عمقه الترابي، وأكد سلطته الشرعية على أقاليمه الجنوبية.
كتب الصحفي إيريك رولو في جريدة لوموند أن “المغرب بقيادة الحسن الثاني، فجّر مفاجأة دبلوماسية عالمية، بتحريك مئات الآلاف بطريقة منظمة وغير عنيفة، جعلت من النزاع الصحراوي لحظة تحوّل لا يمكن تجاهلها”.
وقد خلّدت المسيرة الخضراء كشعار دائم في الهوية الوطنية، لا فقط لاسترجاع الأرض، بل باعتبارها صورة نادرة لما يُمكن أن يُحقّقه الإجماع الداخلي في لحظة مصيرية. لقد مثّل الحسن الثاني فيها القائد الذي لا يكتفي بالحكم من أعلى، بل يُنزل العرش إلى الشارع، ويجعل من الشعب درعه، وسنده، ومعقله.
وهكذا، إذا كانت صورة محمد الخامس قد ارتبطت في المخيال الشعبي بالقمر، رمزًا للانتظار والوفاء، فإن صورة الحسن الثاني ارتبطت بالمسيرة، رمزًا للسيادة والالتحام. ومن المنفى إلى المسيرة، يمتد الخيط الذهبي للملكية المغربية، التي جعلت من القضايا الوطنية الكبرى مسؤولية مشتركة بين العرش والشعب، وكتبت بذلك فصولًا خالدة في سجل الأمة.