الرائدة في صحافة الموبايل

السلطان المولى إسماعيل.. خمسون عامًا من القوة والبناء والوحدة الوطنية

بعد أن رحل السلطان مولاي رشيد، تولى أخوه المولى إسماعيل بن الشريف مقاليد الحكم، ليترك بصمة لا تُمحى في تاريخ المغرب. حمل لقب “أبي النصر والمظفر بالله وأمير المؤمنين”، وحكم البلاد على مدى نحو خمسين عاماً، من 1672 إلى 1727، محققاً الاستقرار وتوسيع نفوذ الدولة العلوية الشريفة. في عهده، ترسخت دعائم السلطة، وامتدت أصداء إنجازاته لتصبح مرجعاً للفخر الوطني، وتاريخاً لا يُنسى في سجل ملوك المغرب.

وُلد السلطان المولى إسماعيل رحمه الله، وفق بعض المؤرخين في سوس، بينما يرى الأكثر أنه رأى النور في تافيلالت بقصر أمجار المشهور. نشأ في حضن ملكي، فتلقى تربية شاملة تجمع بين الدين والفروسية والعلم؛ حفظ القرآن الكريم، وتعلم العلوم العربية والفقهية والتاريخية على يد أكابر علماء مسقط رأسه، كما تدرب على ركوب الخيل وحمل السلاح والرماية، ما أرسى في نفسه القوة والمهارة، وبرزت نجاسته وكفاءته منذ صغره.

مع تقدمه في العمر، اختاره أخوه المولى الرشيد خليفة له، فأسهم في ضبط أحوال الأمة، ورفع مقام العدل، وعنى بالسنة وأعلى منارتها. وكان عارفاً بفلسفة التاريخ، وأيام العرب وأنسابها، وبالسيرة النبوية، مما أكسبه سمعة عظيمة ومكانة رفيعة بين الملوك والأمة، وجعل سيرته “حافلة بالأمجاد لفخر الملوك العلويين” كما وصفتها مجلة “دعوة الحق”.

استخلفه أخوه المولى رشيد في فاس ومكناس، وحسنت سيرته وسط العلماء والأعيان، ثم بويع بعد وفاة أخيه رحمه الله. وقد وفدت عليه جموع العلماء وأعيان المدن والقبائل المغربية لبيعه على السمع والطاعة، تأكيداً للوحدة الوطنية ومتانة الولاء لعرش الأسرة العلوية. وعرفت فترة حكمه الأمن والاستقرار، وبرزت فيه حسن الأخلاق وجميل الصفات، إلى جانب قيامه بالواجبات الدينية والوطنية، مما عزز مكانته بين الشعب وأرسى دعائم حكمه الراسخة.

وتُعَد فترةُ حكمِ المولى إسماعيلَ من أكثرِ الفترات أوجًا وازدهارًا وقوةً في تاريخ المغرب، إذ أنشأ جيشًا قويًّا من العبيدِ السُّود سُمي بجيش البخاري، لأن الجنود كانوا يقسمون على الولاء للسلطان على كتاب صحيح البخاري وكان المشايخ والعلماء يطلبون من القادة وضع قصاصات من الكتاب على مقدمة الخيل أو السفن.

وقد بلغ عدد جنود جيشالبخاري مائة وخمسين ألفًا، نجح بفضله في تحرير الثغور المغربية من قبضة الاحتلال الأيبيري، ففتح العرائش، وأصيلة، والمهدية، وطنجة، وكاد أن يفتح سبتة. إلى أن هُزِم المولى إسماعيلُ في معركة المشارع عام 1692م/1104هـ، حين حاول ضم تلمسان.

كما حاول فتح وهران التي كانت تحت الاحتلال الإسباني، لكنه أخفق في اقتحام حصونها المنيعة. وشارك في عدة حروب في الشرق، وصل فيها إلى حدود وادي الشلف، إلا أن جيشه هُزِمَ بجديوية عام 1701م/1113هـ، غير أنه نجح في ما بعد في بسط نفوذه، حتى عين الماضي والأغواط، إذ وصلت الدولة في عهده إلى نهر السنغال وما وراء نهر النيجر.

شيَّد المولى إسماعيلُ ستًا وسبعين قصبة في المغرب، جلها من أجل حماية السواحل، وشنَّ غاراتٍ في البحر الأبيض المتوسط وبحر الشمال في إطار الجهاد البحري، ثم إنه أقام علاقات دبلوماسية مع بعض القوى الأجنبية، مثل فرنسا وإنجلترا وإسبانيا.

هذا وأسس المولى إسماعيل مدينة مكناس، وجعلها عاصمةَ المغرب لأوَّل مرة، فشيَّد بها قصر مكناس الكبير، وخصَّها بحدائقَ وبوابات أثرية عديدة، وأكثر من أربعين كيلومترًا من الأسوار، والعديد من المساجد، بالإضافة إلى سجن قارة التحت أرضي، وصهريج السواني الذي كان يمدُّ العاصمة الإسماعيلية بالماء الشَّروبِ.

وبالمناسبة؛ يشار أن المولى إسماعيل أطول سلاطين المغرب حكمًا منذ أن عَرِف تاريخُه دولةً موحَّدة، بل وأطول سلاطين الإسلام حكما إن أُضيف لذلك سبع سنين قضاها خليفة لأخيه على فاس.

سلك السلطان المولى إسماعيل رحمه الله مسلكاً حكيمًا عندما لاحظ كثرة الأسرى وتنافس الرعية على اقتناء الرقيق، فأصدر قرارًا بمنع تملك الرعية للعبيد، وجعلهم تابعين للدولة. من هؤلاء أسس جيش البخاري، الذي اقتصرت مهمته على الخدمة العسكرية، فتم جمعهم على يد كاتب السلطان “عليلش”، وحملهم إلى حضرته في مكناس، حيث تم تدريبهم وتسليحهم، وتعيين قواد عليهم، مع توزيعهم في أماكن إقامتهم وتعيين قاضٍ للفصل فيما يقع بينهم من نزاعات، وكان أولهم الفقيه محمد بن العياشي المكناسي، الذي سُمّي قاضي القضاة.

كبر شأن جيش البخاري حتى أصبح السند الأساسي للمولى إسماعيل في حروبه وفتوحه، واعتمد عليه في تثبيت دعائم الدولة وتعيين الولاة والقواد. وذكر المؤرخ الناصري في كتابه “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” أن عدد الجنود وصل في بدايته إلى أربعة عشر ألفًا، عشرة آلاف في مشرع الرملة وأربعة آلاف بآدخسان، وعند وفاة السلطان بلغ عدد البخاريين مائة وخمسين ألفًا. كما اهتم الملك بهم اجتماعياً، فزوجهم من الإماء وقدم مهورهن، وعملت الإماء في الدور السلطانية لتتعلم الحرف اليدوية كالطهي والخياطة، بينما كلف بعض العبيد بأعمال عامة مثل الزراعة، وصيانة البساتين، وأعمال البناء ونقل الزليج المغربي، لتصبح هذه المؤسسة العسكرية والاجتماعية عنصراً محورياً في الدولة العلوية.

عرف عن السلطان المولى إسماعيل رحمه الله حرصه على الجمع بين الدين والجيش، حيث اجتمع مع الفقهاء والجنود وأحضر نسخة من كتاب “صحيح البخاري” قائلاً لهم: «أنا وأنتم عبيد لسنة رسول الله وشرعه المجموع في هذا الكتاب، فكل ما أمر به نفعله وكل ما نهى عنه نتركه وعليه نقاتل». واستحلف ضباط الجيش وجنوده على صحيح البخاري، حتى عرف الجيش كله باسم جيش البخاري ودُعي أفراده بـ«البواخر». وأمرهم بالاحتفاظ بالنسخة وحملها أثناء حروبهم، لتكون دليلهم ومرجعهم الشرعي، كما عُرضت أمامهم على غرار تابوت بني إسرائيل.

ظل هذا التابوت، الذي يحتوي على نسخة البخاري المزين بالحلل، يحمل في محفة على فرس مجهز بالكامل، يسير في الموكب السلطاني في الأسفار والرحلات، محاطاً بـ«العلم النبوي» وأعلام جيش البخاري كحراس له. كما حرص السلطان على نشر ثقافة البطولة والفروسية بين الجنود، فاستقدم العديد من الخطاطين لنسخ سيرة الأبطال التاريخيين مثل سيف بن ذي يزن والظاهر بيبرس، لتكون هذه الموروثات مثالاً يحتذى به في الشجاعة والانضباط

وكان أهل الحديث يأمرون بربط نسخ صغيرة من صحيح البخاري مع الأعلام التي ترفع على سفن الأسطول، ويضعون نسخا منه في أحسن قباب القصور فتعظم تلك القبة وتقدس وتدعى قبة سيدي البخاري.

اعتمد السلطان على جيش البخاري في القضاء على التمردات القبلية التقليدية، إذ استطاع تجريد القبائل من أسلحتها وخيولها، وحصر نشاطها في العمل الزراعي، وألزمها بأداء الضرائب التي ازدادت قيمتها نتيجة لتزايد عدد الجنود ونفقات كسوتهم وتسليحهم ومعيشتهم.

كما تمكن السلطان من تحرير عدد من المدن والمناطق المحتلة باستخدام أسلوب الحصار العسكري، وكان من أبرز إنجازاته تحرير مدينة المهدية سنة 1681 بعد احتلال إسباني دام 70 عاما وجعل منها قاعدة لمعاركه البحرية.

وفي سنة 1684، استعاد مدينة طنجة من الاحتلال الإنجليزي، كما استعاد العرائش وأصيلة في عامي 1689 و1691 على التوالي من الاحتلال الإسباني.

وفرض حصارا طويلا على مدينتي سبتة ومليلة دام 27 سنة من 1693 إلى 1720، غير أن التحصينات العسكرية الإسبانية المتقدمة حالت دون استرجاعهما.

وفي غضون أقل من ربع قرن على هذه الحملات العسكرية لاسترجاع المدن الشاطئية، أصبح المغرب موحدا سياسيا وعسكريا.

وأرسل السلطان جيش عبيد البخاري بقيادة أحد إخوته نحو السودان الغربي (السنغال ومالي)، ووصل إلى مدينة يطلق عليها “تكزال” وغنم منها كمية كبيرة من الذهب نقلت على ظهر 150 من الجمال، إضافة إلى قرابة 5 آلاف عبد تم توزيعهم على وحدات الجيش لتعزيز صفوفه.

وعلى الجبهة الشرقية تمكن السلطان من وقف زحف العثمانيين وأبعدهم عن بني يزناسن وتلمسان سنة 1683 بعد توقيع معاهدة صلح معهم، مما ساعد على توسيع رقعة الدولة وحدودها لتمتد إلى نهر السنغال جنوبا ونواحي تلمسان شرقا.

وتوفى السلطان، رحمه الله بعد سيرة جهادية حافلة وآداء تكليفه الشرعي والوطني، عام 1727، وذكر بعض الباحثين أن له مئات الأولاد، ويبقى أهم تأثير للسلطان رحمه الله هو تلك الصبغة الوطنية الوحدوية المستقلة للبلاد، فكما عمل على تحرير البلاد والحفاظ على وحدتها وائتلافها، حافظ على استقلالها حتى عن الدولة العثمانية فكان سلطنة المغرب الوحيدة المستقلة عن الدولة العثمانية مع وجود دول اخرى تتبع الدولة العثمانية ولو اسمياً، ودفن رحمه الله فيما يعرف اليوم بضريح المولى إسماعيل، الواقع في مكناس ويقع داخل قصبة مكناس القديمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد