الاحتلال العثماني ثم الفرنسي.. جذور تفكك المنظومة الأخلاقية في الجزائر
هيئة تحرير دنا بريس
يظلّ السؤال الذي يفرض نفسه: كيف لمجتمعات ضاربة في الجذور، مثل شعوب شمال إفريقيا، أن تحافظ على بنيتها الفكرية والدينية والثقافية رغم عواصف الاستعمار، بينما تنهار أخرى أمام أول اختبار تاريخي؟
المغرب، على سبيل المثال، واجه الاستعمار وخاض حروباً ضارية، لكنه خرج محتفظاً بجوهر هويته، وبقدر من التراث الحضاري والثقافي الراسخ. في المقابل، عاش المجتمع الجزائري اهتزازاً عميقاً في وعيه الجمعي، نتيجة قرون من التدخلات الأجنبية التي اخترقت بنيته القيمية، بدءاً بالوجود العثماني وانتهاءً بالاستعمار الفرنسي.
ولئن كانت الجزائر، منذ دخول الإسلام، مجتمعا محافظا مثل سائر المجتمعات الإسلامية، فإن التحولات بدأت مع بروز القراصنة الأتراك الذين سيطروا على البلاد، ففرضوا أنماطاً جديدة من السلوكيات والممارسات. وتفيد مراجع تاريخية عديدة بأن تلك الفترة شهدت غرس بذور البغاء والشذوذ وتقنين الدعارة في المجتمع الجزائري، على نحو شبيه بما حدث في بعض مدن المشرق.
ويوثق المؤرخ وليام سبنسر، في كتابه الجزائر في عهد رياس البحر، هذه الظاهرة بقوله: “بالرغم مما كان يشاع من ولع أعضاء الأوجاق بالأطفال الصغار أكثر من ولعهم بالفتيات وتركهم لهن، فإن ما نملك عليه من الوثائق هو تواجد البغايا اللاتي احتُفظ بهن لإمتاع العزاب من اليولداش. وكان الأمر يتم تحت إشراف المزور، حيث تخضع النساء للمراقبة والتفتيش المنتظم، ويعشن في حي مغلق على الغرباء.”
ويضيف سبنسر موضحاً: “قبل زيارة الحي، كان الزبون ملزماً بتقديم طلب رسمي إلى المزور يحدد فيه السعر واليوم، ليُمنح بعد ذلك إذن الدخول. وهي إجراءات شبيهة بتلك المعمول بها في الأقفاص المنتشرة بالقسطنطينية.”
هذا المشهد المأساوي، الذي ترافق مع فساد سياسي وضعف اقتصادي وتفكك اجتماعي، جعل الجزائر مهيأة للسقوط السريع أمام الاحتلال الفرنسي سنة 1830، بعد أن تركها العثمانيون بلا مؤسسات قوية ولا حس وطني متماسك. بل إن كثيراً من الجزائريين آنذاك كانوا يتطلعون إلى الخلاص من الهيمنة التركية حتى وإن كان الثمن استبدال مستعمر بآخر.