القضاء المغربي يحسم في ملف ابتسام لشكر والنقاش متواصل حول جدلية الدين وحرية التعبير
هیئة تحریر دنا بریس
أصدر القضاء المغربي حكمه على ابتسام لشكر بالسجن لمدة 30 شهرًا، وغرامة مالية قدرها 50 ألف درهم (حوالي 5500 دولار)، بعد تورطها في قضية ازدراء وتطاول على الذات الإلهية، ما أثار جدلًا واسعًا في الرأي العام المغربي والعربي.
وجاء الحكم عقب انتشار صورة لها عبر منصة “إكس”، ظهرت فيها مرتدية قميصًا يحمل عبارة اعتبرتها السلطات مسيئة للذات الإلهية والدين الإسلامي، ما استدعى اعتقالها وتقديمها للمحاكمة على الفور.
وأكد محاميها، محمد الخطاب، أن المحكمة في الرباط أصدرت الحكم المذكور، مشيرًا إلى أن فريق الدفاع يعتزم استئناف القرار.
وعلى الصعيد الشخصي، تفاعل أقارب وأصدقاء ابتسام لشكر مع النطق بالحكم بعاطفة شديدة، حيث لوحظ بكاؤهم خارج قاعة المحكمة وفق ما نقلته وسائل إعلام غربية.
وفي المقابل، أعرب رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، حكيم سيكوك، عن استيائه من الحكم، واصفًا إياه بأنه “صادم” و”اعتداء على حرية التعبير”، فيما يرى مؤيدون أن القرار يعكس احترام القانون المغربي للمقدسات الدينية وحماية المجتمع من أي إساءة لها.
وتثير محاكمة ابتسام لشكر جدلًا واسعًا داخل الأوساط الإعلامية والحقوقية، لما تحمله من أبعاد تمس العلاقة بين حرية التعبير من جهة، واحترام المقدسات الدينية من جهة أخرى. ويعيد هذا الملف إلى الأذهان أحداثًا شهدتها دول مختلفة، مثل التظاهرات التي اندلعت في كابول أمام البرلمان، والتي جسدت حجم الاحتقان الشعبي حين يُنظر إلى الدين والذات الإلهية كثوابت لا يجوز المساس بها.
وبالمناسبة، يعكس التفاعل الإعلامي مع هذه القضية إشكالية قائمة منذ زمن: هل الحرية تعني الانفلات المطلق دون مراعاة لمشاعر الآخرين ومعتقداتهم، أم أنها تستدعي توازنًا يحفظ حق الفرد في التعبير وحق الآخرين في الاحترام وعدم جرح مشاعرهم الدينية؟
ويُشار إلى أن الدين يحتل مكانة مركزية في وجدان الشعوب، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالذات الإلهية، التي تُقدّس في جميع الأديان السماوية. ومن ثم، فإن أي إساءة أو تلميح يُفهم منه ازدراء أو تهكم يُقابل عادةً باستهجان واسع، قد يتجاوز حدود الجدل الفكري ليصل إلى توترات اجتماعية أو اضطرابات أمنية.
كما يبرز من متابعة التغطيات الإعلامية في مثل هذه القضايا أن الملفات المتعلقة بالمقدسات غالبًا ما تتحول إلى ساحات صراع بين المدافعين عن حرية التعبير والمطالبين بوضع قيود تحفظ الاحترام للرموز الدينية.
وبالنظر إلى محاكمة ابتسام لشكر، فإنها تعكس هذا الصراع المتجدد بين المرجعيات الحقوقية والدينية، وتعيد النقاش حول الكيفية التي يمكن بها التوفيق بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية في زمن تتضاعف فيه التوترات الدينية والسياسية على الساحة العالمية.
ويُشار إلى أن ما أقدمت عليه لشكر ليس الأول من نوعه؛ ففي حدث سابق أثار جدلاً واسعًا، نظمت بمشاركة عدد من الناشطين مظاهرة بعنوان “البوسة الحرة” أمام مقر البرلمان في الرباط، تضامنًا مع قاصرين اعتُقلا في الناظور بعد نشرهما صورة يظهران فيها وهما يعانقان بعضهما البعض. وقد تحول هذا الاعتصام بالقبلات، الذي شاركت فيه ابتسام مع أحد الناشطين، إلى رمز نقد اجتماعي حظي بتداول واسع على المستوى الأدبي والاجتماعي.