نادية الصبار تكتب: “الصحافة المتأنية إبحار في عمق الحدث بعيدًا عن ضجيج السبق”.. دليل إلى تحليل وتطور الأخبار
دليل إلى تحليل وتطور الأخبار
“الصحافة المتأنية.. إبحار في عمق الحدث بعيدًا عن ضجيج السبق”.. (الفصل الثالث)
توطئة
في عصر يكتظ بالأخبار الفورية ويتطلب متابعة عاجلة من الصحفيين، ومع تغير احتياجات الجمهور نتيجة ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، فرضت معادلة جديدة على الصحافة، تقوم على ضرورة إنجاز المواد الصحفية – سواء كانت إخبارية أو تحليلية – في وقت قصير جدًا. فقد تفقد المادة أهميتها إذا تأخرت يومًا أو يومين بعد وقوع الحدث. هذا الضغط المستمر على غرف الأخبار حول العالم أبقى المواد الصحفية بعيدة عن العمق المطلوب لوصف الحدث بكل أركانه، عمق يحتاج إلى أن “تُطبخ على نار هادئة” دون الخوف من فقدان أهميتها لدى الجمهور.
ردًا على هذا الواقع، ظهر مفهوم الصحافة المتأنية (Slow Journalism)، الذي يقوم على فكرة أن الفهم الكامل والمعمّق للأحداث يتطلب من الصحفي التأني والتأمل، ليكوّن رؤية أكثر نضجًا تمكنه من معالجة الموضوعات بشكل أعمق. ويمكن القول إن المصطلح “جديد قديم”، إذ إن الاهتمام بتأثير السرعة على العمق الإعلامي سبق أن تناوله عدد من علماء الاجتماع في نهايات القرن الماضي، وإن لم يُصطلح على هذا التعبير آنذاك. من أبرز هؤلاء المفكرين بيير بورديو (1930–2002)، الذي تناول في كتابه “التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول” تأثير الإعلام السريع على وعي الجمهور، وجيل دولوز (1920–1995)، الذي انتقد التلفزيون لدوره في تسطيح المعلومات، حتى امتنع عن الظهور في مقابلات تلفزيونية، اعتقادًا منه أن الإطار الزمني يفرض معالجة سطحية لأفكاره.
1_ الصحافة المتأنية استلهمت فكرتها الجوهرية من حركة الوجبات البطيئة
تستند الصحافة المتأنية إلى نفس القاعدة التي ألهمتها حركة الوجبات البطيئة (Slow-Food): ضرورة التأنّي وإعطاء الوقت للمواد الصحفية للنضوج قبل طرحها للجمهور. وتهدف إلى الحفاظ على قيم الصحافة الأصيلة، مثل العمق والرصانة والفهم الشامل للأحداث، ومكافحة السأم الناتج عن تسارع الأخبار وسهولة وصولها للناس، ما يقلل اهتمام الجمهور بالقضايا المهمة ويجعل الصحفيين أقل قدرة على جذب التعاطف مع القضايا العادلة.
ظهرت فكرة الصحافة المتأنية عمليًا على يد سوزان غرينبرغ في مقال لها بمجلة Prospect البريطانية عام 2007، حيث ربطت بين نهاية احتكار الصحافة التقليدية وسعيها لإحياء الكتابة الطويلة غير الخيالية (Long-form nonfiction). وعرّفتها بأنها «السرد القصصي المعني بالحقائق والمعلومات»، مع إعطاء الوقت الكافي لجمع المعلومات وتحليلها بدقة، بعيدًا عن السبق الصحفي والإنتاج السريع، مع التركيز على الجودة والمصداقية والالتزام بالمعايير المهنية.
في بريطانيا، تأسست الصحافة البطيئة كثقافة فرعية إخبارية خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، متأثرة بدخول منصات التواصل الاجتماعي وتغير دور الجمهور من متلقٍ سلبي إلى مشارك نشط. هذه البيئة دفعت المؤسسات الإعلامية للتركيز على السبق الصحفي، وأتاحت للصحافة المتأنية الظهور كنهج بديل يمنح الصحفي الوقت لتحليل الأحداث بعمق وتقديم سرد قصصي قائم على الحقائق والمصادر الموثوقة. وهي تركز على كبح جماح المواد الفورية والعاجلة، وتقديم موضوعات رصينة ومعمقة مثل التحقيقات والتقارير، وتعزيز الشفافية في المصادر والأدلة المستخدمة، ومنح الجمهور فرصة فهم الأحداث بشكل أوسع وأكثر دقة.
2_ الصحافة المتأنية.. من الفكرة إلى التطبيق
أول تطبيق عملي للصحافة البطيئة كان مع مجلة Delayed Gratification البريطانية في يناير 2011، التي تبنّت شعار Last to Breaking News، وركزت على تقديم محتوى سردي عميق بعد مرور فترة على وقوع الأحداث. على الصعيد الأكاديمي، ساهم الباحث Peter Laufer منذ 2011 في التأصيل العلمي لهذا النهج، وتواصل الاهتمام لاحقًا بدراسات مثل Jennifer Rauch (2018) التي درست أسباب استدامة الإعلام البطيء وميزاته في الذكاء والتحليل العميق، وحازت على جائزة Silver Nautilus للكتاب. وقد أثبتت هذه التجارب أن الصحافة المتأنية تمنح الصحفيين فرصة سرد قصص معقدة بشكل ممتع وموضوعي، بعيدًا عن السطحية والاستعجال.
تهدف الصحافة البطيئة إلى كبح جماح المادة الفورية، ومواجهة المخاوف الناتجة عن ضعف مصداقية الأخبار تحت ضغط الوقت، ومنح الجمهور وضوحًا حول مصادر المعلومات والوثائق والأدلة المستخدمة في المواد الصحفية. كما تعمل على تقديم محتوى إعلامي ناضج وموثوق، مع الالتزام بالمعايير المهنية، بعيدًا عن الانشغال بالسبق الصحفي أو التسطيح الإعلامي.
على الرغم من انتشارها في بريطانيا والولايات المتحدة، لا يزال الاهتمام بالصحافة البطيئة في العالم العربي محدودًا، حيث لم تُنشر إلا ورقة بحثية واحدة على الأكثر. ومع ازدياد الحمل المعلوماتي (Information Overload)، وتوسع البيانات الضخمة (Big Data)، وارتفاع الأخطاء المهنية الناتجة عن السبق الصحفي، تتجلى الحاجة لتعزيز البحث العلمي والمهني في هذا النوع من الصحافة لضمان تقديم محتوى دقيق وعميق للجمهور، بعيدًا عن السطحية
والاستعجال.
3_ قيمة الصحافة المتأنية في عصر المعلومات
يُعد الصحفي بول سالوبيك مثالاً حيًّا للصحافة المتأنية. بعد أكثر من عشرين عامًا من تغطية الأخبار الدولية والصراعات حول العالم، قرر سالوبيك إبطاء وتيرته، قائلاً: “كنت مراسلاً دوليًا تقليديًا أكتب الأخبار من مناطق ساخنة”. خلال عمله في “شيكاغو تريبيون”، أنجز تقارير مميزة أكسبته إشادة عالمية وجوائز بوليتزر، لكنه شعر برغبة في الانخراط أكثر في الميدان بدل الكتابة عن تجربته.
بحث سالوبيك عن “أروع قصة يمكن متابعتها”، فقرر تتبع انتشار البشر الأوائل خارج إفريقيا، بدءًا من إثيوبيا مرورًا بالشرق الأوسط وآسيا وصولًا إلى الأميركيتين وأقصى الطرف الجنوبي للأرجنتين، مستخدمًا أقدامه كما فعل أجدادنا القدامى. وُلد مشروعه “رحلة الخروج من عدن”، رحلة سير حول العالم لمدة سبع سنوات يغطّي خلالها كل خطوة في الطريق. وقد كتب تقارير مطولة لـ”ناشيونال جيوغرافيك” وقصصًا أقصر لمدوّنته الخاصة، متابعًا أحداثًا إنسانية عميقة مثل رحلة لاجئين سوريين في تركيا، مكتسبًا بُعدًا وجدانياً جديدًا في تغطية الأزمات.
يقول سالوبيك: “الجميع يسرعون أكثر فأكثر ويزدادون سطحية، إذًا لماذا لا نتمهّل قليلاً ونذهب في الاتجاه المعاكس؟”، مؤكداً أن الصحافة المتأنية تمنح الصحفي شعورًا بالعمق المهني والشخصي، وتتيح سرد قصص مترابطة تتجاوز الأخبار اليومية السريعة.
4_ الصحافة المتأنية كممارسة جديدة
تجلّت هذه الظاهرة في أمثلة أخرى، مثل أندرو سوليفان، صاحب المدونة السياسية “الطبق اليومي”، الذي توقف عن التدوين بعد 15 عامًا، مفضّلًا كتابة مقالات أطول تمنح إجابات أعمق. كذلك أطلقت جيل أبرامسون وستيفان بريل شركة إعلامية ناشئة تمنح الكتّاب حتى مئة ألف دولار لكتابة قصص أطول من مقالة وأقصر من كتاب، فيما قضت سارة كوينغ وجولي سنايدر عامًا كاملًا في التحقيق بجريمة قتل عام 1999، لتقديم برنامج “سيريال” الذي أصبح الأكثر شعبية في تاريخ الإذاعة، بفضل الكشف البطيء والممنهج عن القصة وتطور أحداثها تدريجيًا.
يشترك جميع هؤلاء الصحفيون في قياس تغطيتهم بالأشهر والسنوات، وليس الأيام، معتبرين أن عملهم أكثر من مجرد سرد قصصي، ومشابهًا في فلسفته لتيار “الطعام البطيء” الذي يُعنى بالاستغراق في الجودة والعمق.
5_ من العمل الميداني إلى السرد العميق
الصحفيون تيد كونوفر، أدريان نيكول لوبلان، كاثرين بو، وروبرت كارو أمضوا سنوات في البحث الميداني وكتابة كتب استقصائية دقيقة، ما يوضح ارتباط الصحافة المتأنية بالوقت الطويل، والملاحظة الدقيقة، والغوص في التفاصيل. كذلك أطلق روب أوركارد وماركوس ويب مجلة “الإرضاء المتأخّر” (Delayed Gratification) في المملكة المتحدة عام 2011، لتقديم أخبار الأشهر السابقة بأسلوب معمّق يوازن بين الشفافية والتحليل، ويُعطي القارئ صورة أوضح لما يحدث بعد اختفاء “الضوضاء” الإعلامية.
في السياق نفسه، ركّز المراسل الهولندي آرنولد فان بروغن والمصوّر روب هورنسترا على مناطق النزاعات في أبخازيا، جورجيا، وشمال القوقاز، ضمن مشروع “سوتشي”، حيث أمضوا سنوات لإنتاج قصص عميقة عن حياة السكان في مناطق الحروب، مع إبراز الأبعاد الإنسانية خلف النزاعات السياسية والرياضية، مثل الأولمبياد الشتوي في سوتشي عام 2014.
6_ الشفافية والتحديات الاقتصادية
الصحافة المتأنية غالبًا ما تتميز بالشفافية في عملية الإعداد، كما ظهر في برنامج “سيريال” الذي كشف عن منهجية التحقيق وتردد المراسلين على الهواء، مع مواجهة انتقادات وسخرية، ما يعكس الصعوبة في تقديم محتوى دقيق ومتأنٍ للجمهور.
أما الجانب الاقتصادي، فهو أحد أبرز التحديات، حيث يعتمد الكثير من الصحفيين على التمويل الخارجي أو الجماعي. فبول سالوبيك حصل على منحة من مؤسسة “جون أس. وجيمس أل. نايت”، وفان بروغن وهورنسترا اعتمدوا على التمويل الجماعي وعائدات الكتب، فيما توفر منصات مثل “أمازون كيندل سينغل” و”أتافيست ماغازين” دعماً مالياً للكتّاب، ما يتيح لهم الاستمرار في مشاريع طويلة الأمد رغم محدودية الأرباح مقارنة بالصحافة التقليدية.
7_ استدامة الصحافة المتأنية
رغم التحديات، أظهرت مشاريع مثل “الإرضاء المتأخّر”، “أتافيست”، و”بيلت” أن القارئ المستعد للدفع مقابل محتوى متأنٍ هو العامل الحاسم في استدامة هذا النوع من الصحافة، تمامًا كما يتحمل المستهلك مسؤولية الجودة في حركة “الطعام البطيء”. وفقًا لما تقول أستاذة الإعلام ميغان لوماسورييه، فإن الصحافة المتأنية تعكس التزامًا بالعمق والتحليل، وتقدم تصحيحًا للأخبار العاجلة، وتُمكّن الجمهور من فهم التطورات بشكل أعمق وأوضح.
المصادر: جملة من المقالات والكتب والمنشورات وخبرة في الميدان
نادية الصبار
كاتبة صحافية
مديرة موقع danapress.ma
أستاذة مكونة بمعهد epag