نادية الصبار تكتب: “الصورة النمطية في الخطاب الإعلامي ومتلازمة التكسير والتكريس”.. دليل إلى تحليل وتطور الأخبار
دليل إلى تحليل وتطور الأخبار
الستريوتايب أو الصور النمطية في الإعلام بين التكريس والتكسير المبحث الأول من الفصل الرابع
لم تعد الصورة النمطية في الإعلام مسألة هامشية أو عرضًا جانبيًا يمكن تجاوزه باسم السرعة أو ضغط الخبر، بل أضحت إحدى القضايا المركزية المرتبطة بجودة العمل الصحافي، وبحدود مسؤوليته المهنية والأخلاقية في آن واحد. فالإعلام لا يكتفي بعكس الواقع أو نقله، بل يشارك في بنائه رمزيًا، عبر ما يختاره من زوايا، وما يستعمله من لغة، وما يكرّسه من تمثلات تتحول، بفعل التكرار، إلى معانٍ مستقرة في الوعي الجماعي.
وتكمن خطورة الصورة النمطية في كونها لا تُنتج غالبًا عبر الخطاب المباشر أو الأحكام الصريحة، بل من خلال آليات أكثر خفاءً: الاختزال، التعميم، السيناريو المتكرر، وربط السلوك بالهوية بدل السياق. وهي آليات قد يمارسها الإعلامي دون وعي، تحت غطاء الموضوعية أو الحياد، فتتحول الممارسة المهنية من نقل للوقائع إلى إعادة إنتاج لخطابات جاهزة.
ينطلق هذا المدخل من مقاربة نقدية للصورة النمطية في الإعلام، باعتبارها آلية تمثيل قبل أن تكون خطأ لغويًا أو مهنيًا. ويسعى إلى تفكيك شروط اشتغالها داخل الخطاب الإعلامي، ورصد مظاهر تكريسها في التغطيات الإخبارية، ثم الانتقال إلى استكشاف إمكانيات التكسير بوصفه ممارسة تحريرية واعية لا تلغي الموضوعية، بل تعيد تعريفها.
وفي هذا الأفق، تمّ تقسيم المدخل إلى ثلاثة مباحث: يتناول الأول الإطار المفاهيمي للصورة النمطية ومسؤولية الإعلامي في التعامل معها، بينما يرصد الثاني آليات التكريس داخل الخطاب الإعلامي من خلال نماذج حية، ليُخصص المبحث الثالث لمفهوم التكسير باعتباره أفقًا مهنيًا ومنهجيًا يفتح المعنى ويزعزع البديهيات بدل تثبيتها.
المبحث الأول: الصورة النمطية في الإعلام.. التمثيل وحدود المسؤولية المهنية
يطرح موضوع الصورة النمطية نفسه اليوم كأحد أكثر القضايا التصاقًا بالعمل الإعلامي، ليس باعتباره مفهومًا نظريًا معزولًا، بل كآلية اشتغال يومية تتسلل إلى العناوين، والصور، والنعوت، وزوايا المعالجة، أحيانًا دون وعي من الصحافي نفسه. فالصورة النمطية، في جوهرها، ليست سوى تمثيل مبسّط ومختزل لمجموعة بشرية، يُعاد إنتاجه باستمرار إلى أن يتحول إلى “حقيقة” مستقرة في الوعي الجماعي، مهما كانت مجانبة للواقع.
وتُظهر التجارب الكلاسيكية في تاريخ الإعلام والإعلان كيف تشكّلت هذه الصور عبر التكرار لا عبر التصريح. ففي إعلانات خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت المرأة تُقدَّم في صورة واحدة شبه ثابتة: ربة بيت سعيدة، أنيقة، تبتسم داخل المطبخ، مهمتها الأساسية العناية بالمنزل وإرضاء الزوج، في مقابل رجل يظهر باعتباره صاحب القرار، والعامل خارج البيت، والخبير الذي يُؤخذ برأيه. لم تكن هذه الإعلانات تقول صراحة إن هذا هو الدور “الطبيعي” للمرأة، لكنها كرّسته بصريًا ورمزيًا، حتى صار جزءًا من المخيال الاجتماعي.
وتكمن خطورة الصورة النمطية في كونها لا تكتفي بتشويه صورة الآخر، بل تؤثر أيضًا في سلوك الأفراد ونظرتهم إلى ذواتهم. فحين يُروَّج باستمرار، مثلًا، إلى أن الذكور أفضل في مجالات معينة كالعلم أو الرياضيات، وأن الإناث أكثر عاطفية وأقل ميلًا للمخاطرة، فإن هذه التصورات تتحول مع الوقت إلى نبوءات تحقق ذاتها، حيث تنخفض الثقة بالنفس، وتتحدد الطموحات، وتُرسم المسارات المهنية وفق ما يُنتظر اجتماعيًا، لا وفق القدرات الفعلية.
ولا يقتصر التنميط على النوع الاجتماعي، بل يمتد إلى التمثيل العرقي والثقافي، كما يظهر بوضوح في السينما الكلاسيكية، حيث غالبًا ما قُدّم العربي أو الإفريقي أو السكان الأصليون في أدوار ثانوية أو مشوهة، إما كضحايا دائمين، أو كشخصيات عنيفة، أو ككائنات تعيش خارج الزمن الحديث. ورغم أن بعض هذه الأعمال كانت تُقدَّم تحت غطاء إنساني أو فني، فإنها ساهمت في ترسيخ صور ذهنية ما تزال آثارها قائمة إلى اليوم.
وبالنسبة للصحافة، فإن الإشكال لا يكمن فقط في استحضار هذه الصور، بل في إعادة إنتاجها بشكل غير مباشر عبر اللغة المستعملة، أو اختيار الصور، أو التركيز على صفات بعينها وإغفال أخرى. فالصحافي، حين يربط حدثًا ما بانتماء اجتماعي أو ثقافي دون ضرورة مهنية، أو حين يختزل فئة كاملة في سلوك فردي، يكون قد ساهم، بقصد أو بدونه، في تكريس صورة نمطية جديدة أو قديمة.
وتزداد المسؤولية حين يتعلق الأمر بمحتوى موجَّه إلى الشباب أو الطلبة، حيث لا يزال الوعي في طور التشكّل، وتكون قدرة الصورة والخطاب على التأثير أكبر. من هنا، لا تصبح مهمة الصحافي مجرد نقل الوقائع، بل تفكيك البديهيات الزائفة، ومساءلة ما يبدو “طبيعيًا” أو “مألوفًا”، والتمييز بين ما هو واقع فعلي وما هو تمثيل إعلامي مكرَّس بالتكرار.
1_ الصورة النمطية بين المعالجة الموضوعية وإعادة إنتاج التنميط
وهنا يطرح سؤال بيداغوجي محوري: كيف نميّز بين عرضٍ محايد لظاهرة اجتماعية أو ثقافية، وبين الوقوع في التنميط أو الاختباء خلفه باسم “الموضوعية”؟
المعالجة الموضوعية تنطلق من الوقائع المتعددة، وتُبرز التنوع داخل الفئة الواحدة، وتُحيل السلوك إلى سياقه الاجتماعي أو الاقتصادي أو التاريخي، دون اختزاله في هوية ثابتة. أما الصورة النمطية، فتعتمد على التعميم، وعلى الربط الآلي بين الفعل والانتماء، وتُقدِّم المثال الفردي بوصفه ممثلًا للجماعة بأكملها.
الصحافي لا يقع في التنميط فقط حين يطلق أحكامًا جاهزة، بل أيضًا حين يختار زاوية واحدة متكررة لتناول الظاهرة نفسها، أو حين يستدعي دائمًا الصورة الأسهل والأكثر تداولًا لأنها “مفهومة” لدى الجمهور. هنا تتحول الموضوعية الظاهرة إلى إعادة إنتاج غير واعية لصورة نمطية قائمة.
ولتفادي ذلك، يحتاج الصحافي عموما والمتدرّب خصوصًا إلى طرح أسئلة مرافقة لكل موضوع: هل هذا الوصف ضروري لفهم الحدث؟ هل يضيف معلومة أم يعيد تكرار تصوّر مسبق؟ هل أقدّم أصواتًا متعددة أم أكتفي بالصورة الأكثر شيوعًا؟ بهذه الأسئلة، تتحول الموضوعية من حياد شكلي إلى ممارسة نقدية واعية.
2_ الصورة النمطية في الخطاب الإعلامي ومتلازمة التكسير والتكريس
حين لا يكون التمثيل بريئًا! فالصحافة لا تعمل في فراغ رمزي، ولا تنتج خطابها من نقطة الصفر. فكل ممارسة إعلامية تتحرك داخل مخزون سابق من الصور الذهنية، والنعوت المتداولة، وزوايا المعالجة الجاهزة التي تشكّلت عبر الزمن وأصبحت جزءًا من اللغة اليومية للإعلام. من هنا، لا تُطرح الصورة النمطية باعتبارها خطأ عرضيًا أو انزلاقًا لغويًا معزولًا، بل بوصفها آلية تمثيل تشتغل بصمت داخل النصوص والصور والعناوين.
وبناءً عليه، لا يكمن السؤال الحقيقي في ما إذا كان الصحافي يستعمل الصورة النمطية أم لا، بل في كيفية الاشتغال عليها: هل تتحول إلى أداة تكريس تُعيد تثبيت المعنى، أم إلى مدخل تكسير يُفكّك ما يبدو بديهيًا ويعيد فتح أفق الفهم؟
أ_ الصورة النمطية: من الاختزال إلى التطبيع
تقوم الصورة النمطية على منطق الاختزال؛ إذ يتم تقديم سلوك جزئي أو حالة فردية أو صفة معيّنة باعتبارها ممثّلة لفئة أوسع: جماعة، ثقافة، نوع اجتماعي أو ديني. وغالبًا لا تُبنى هذه الصورة على الكذب الصريح، بل على نصف حقيقة تُنتزع من سياقها، ما يمنحها قوة إقناع وانتشار أكبر.
ومع التكرار، تنتقل الصورة النمطية من مستوى التمثيل إلى مستوى التطبيع، فتُستهلك باعتبارها تفسيرًا جاهزًا للواقع لا يحتاج إلى مساءلة، وتتحول من أداة وصف إلى أداة حكم.
ب_ متلازمة التكريس: الزاوية الواحدة والسيناريو المتكرر
في الممارسة الإعلامية، يحدث التكريس عندما تُستعمل الصورة النمطية دون تفكيك أو مساءلة، وتُقدَّم باعتبارها انعكاسًا مباشرًا للواقع. ويتجلى ذلك عبر مجموعة من المؤشرات المهنية، من بينها: ربط السلوك بالانتماء بدل السياق وتعميم الحالات الفردية وتقديمها بوصفها قاعدة.
*ربط السلوك بالانتماء بدل السياق: اختزال الفعل في الهوية
يحدث هذا الشكل من التكريس عندما يُفسَّر سلوك معيّن انطلاقًا من هوية الفاعل (الدينية، الثقافية، الجندرية، الاجتماعية…) بدل تحليل الظروف التي أنتجت هذا السلوك. في هذه الحالة، لا يعود الفعل نتيجة سياق اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي، بل يُقدَّم كأنه نابع “طبيعيًا” من الانتماء ذاته، ما يحوّل الهوية إلى تفسير جاهز لكل تصرّف.
وربط هذا السلوك بالانتماء يُعفي البنى الاجتماعية والمؤسساتية من المساءلة، ويُحمّل الفئة المعنية المسؤولية الكاملة. وهنا يفقد العمل الصحافي بعده التحليلي، لأنه يكتفي بالوصف السطحي بدل مساءلة الأسباب العميقة، فيُكرّس صورة نمطية بدل تفكيك الظاهرة.
*تعميم الحالات الفردية وتقديمها بوصفها قاعدة: تحويل الاستثناء إلى نموذج
في هذا النوع من التكريس، تُؤخذ حالة فردية أو واقعة معزولة وتُقدَّم باعتبارها ممثّلة لسلوك جماعي. الخطر هنا أن المثال لا يُستعمل للتوضيح، بل ليحلّ محل التحليل، فيتحول الفرد إلى “دليل” يُستند إليه لتفسير جماعة كاملة.
النقطة التفسيرية الثانية: إلغاء التنوّع داخل الفئة الواحدة
وهذا التعتيم من خلال تعميم الحالات الفردية؛ يُغيّب الاختلافات داخل الفئة نفسها، ويُنتج صورة متجانسة ومغلقة. هذا الأسلوب يُسهّل الفهم السريع، لكنه يُفقِر المعرفة، لأن الإعلام هنا يختار السهل على حساب الدقيق، ويُفضّل القالب الجاهز على التعقيد الواقعي.
3_ اللغة وأحكام القيمة غير المعلنة في الخطاب الإعلامي
اللغة ليست بريئة وليست محايدة فاستعمال نعوت معيّنة، أو صفات متداولة، أو تراكيب لغوية مكرّسة، ينقل حمولة دلالية جاهزة إلى المتلقي دون تصريح مباشر. هنا لا يُقال الحكم صراحة، لكنه يُزرع داخل النص عبر مفردات مألوفة تُفهم تلقائيًا.
التطبيع مع الحكم بدل عرضه للنقاش
عندما تتكرر اللغة المحمّلة نفسها في التغطيات، تتحول من توصيف إلى تطبيع، ويكفّ المتلقي عن مساءلتها. في هذه الحالة، لا يقدّم الإعلام معلومة فقط، بل يوجّه التأويل مسبقًا، ويحدّ من إمكانيات القراءة النقدية.
4_ اختيار زاوية معالجة واحدة لأحداث متفرقة ومتشابهة
أ- اختزال الظاهرة في بعد واحد: من خلال اختيار الزاوية نفسها؛ يصبح النظر إلى الظاهرة من منظار واحد لا ثاني له مهما تغيّر السياق. وهنا تُختزل الوقائع المتعددة في تفسير واحد، يُعاد إنتاجه آليًا، ما يحوّل المعالجة الصحافية إلى ممارسة روتينية لا تحليلية.
ب- تحويل الزاوية إلى قالب جاهز: مع التكرار، لا تعود الزاوية اختيارًا تحريريًا واعيًا، بل تصبح قالبًا جاهزًا يُفرض على الحدث قبل فهمه. في هذه الحالة، يُكتب الخبر انطلاقًا من الزاوية، لا انطلاقًا من الوقائع، وهو ما يُعدّ شكلًا غير مباشر من التكريس.
5_ استعمال نفس السردية في كل تغطية
أ- تكرار البنية السردية لا الوقائع فقط: السيناريو السردي يشمل ترتيب الأحداث، اختيار المتدخلين، تسلسل المعطيات، والخلاصة النهائية. حين يُعاد السيناريو نفسه في كل تغطية، يصبح الحدث مجرد ذريعة لإعادة القصة ذاتها، لا مادة لفهم جديد.
ب- تثبيت المعنى عبر التكرار: يؤدي تكرار السردية إلى تثبيت معنى واحد في ذهن المتلقي، حتى وإن اختلفت الوقائع. وهنا لا يعود الإعلام يواكب الواقع، بل يعيد إنتاج رواية جاهزة، تُغلق أفق التأويل وتُضعف الحسّ النقدي.
يتبع
المصادر: جملة من المقالات والكتب والمنشورات وخبرة في الميدان
نادية الصبار
كاتبة صحافية
مديرة موقع danapress.ma
أستاذة مكونة بمعهد epag