الرائدة في صحافة الموبايل

نادية الصبار تكتب: “من الإسلاموفوبيا إلى صورة المرأة.. آليات تكريس الصورة النمطية في الخطاب الإعلامي”

المبحث الثاني من الفصل الرابع: “الصورة النمطية في الخطاب الإعلامي ومتلازمة التكسير والتكريس”

لا تُنتج الصورة النمطية في الخطاب الإعلامي عبر أحكام مباشرة أو خطابات صريحة، بل تتشكّل غالبًا من خلال تكرار زوايا جاهزة، ولغة مألوفة، وسرديات تُقدَّم باعتبارها بديهية. في هذا السياق، تتحوّل الهوية – الدينية أو الجندرية – من معطى تعريفي إلى إطار تفسيري مسبق، يُستدعى قبل السياق، ويحلّ محل التحليل. يعالج هذا النص نماذج حيّة من تمثيل الإسلام والمرأة في الإعلام، كاشفًا كيف تعمل آليات الاختزال، والتعميم، ونزع الفاعلية على تكريس صور نمطية تُغلق أفق الفهم، وتُعيد إنتاج المعنى الجاهز بدل مساءلته.

1- االإسلام والإسلاموفوبيا: حين تتحوّل الهوية إلى إطار تفسيري

يُستعمل مصطلح الإسلاموفوبيا للدلالة على مجموعة من التمثلات والخطابات التي تُنتج الخوف من الإسلام أو من المسلمين، وتربطهم، بشكل اختزالي، بالعنف أو التهديد أو الرفض الثقافي. ولا يُقصد به هنا موقفًا فرديًا معزولًا، بقدر ما يُفهم بوصفه بناءً إعلاميًا وثقافيًا يُعاد إنتاجه عبر التغطيات، واللغة، وزوايا المعالجة، بما يحوّل الهوية الدينية إلى إطار تفسيري مسبق للأحداث.

ففي عدد كبير من التغطيات الإعلامية الدولية، يُلاحظ تكرار السيناريو نفسه عند تناول قضايا مرتبطة بالمسلمين أو بالإسلام. فعند وقوع حادث عنيف، يُستدعى تلقائيًا:

1_ التركيز على الانتماء قبل السياق: يظهر هذا الأسلوب عندما يُقدَّم الانتماء الديني منذ السطر الأول بوصفه المدخل الأساسي لفهم الحدث، قبل عرض الوقائع أو تحديد السياق الزمني والاجتماعي والسياسي. هذا التقديم لا يكون بريئًا، لأنه يوجّه المتلقي منذ البداية إلى قراءة الحدث من زاوية واحدة، ويجعل الهوية إطارًا تفسيريًا مسبقًا يسبق التحليل.

مع تكرار هذا النمط، تتحول الهوية الدينية من معطى تعريفي إلى أداة تأطير، فيُختزل الحدث في بعده الديني حتى وإن لم يكن الدين عنصرًا حاسمًا في تفسيره. هنا يفقد الخبر توازنه، لأن زاوية المعالجة تُفرض قبل اكتمال المعطيات.

2_ الربط الآلي بين الدين وسلوك المتدين: يتمثل هذا الربط في تقديم السلوك أو الفعل وكأنه نابع مباشرة من المرجعية الدينية، دون مساءلة الدوافع الفردية أو السياقات الاجتماعية والسياسية المحيطة. في هذا المنطق، لا يُطرح السؤال: لماذا حدث الفعل؟ بل يُستبدل بسؤال ضمني: إلى أي دين ينتمي الفاعل؟

هذا الربط الآلي يُحوّل الدين إلى تفسير جاهز، ويُعفي التحليل من البحث في الأسباب البنيوية، ما يؤدي إلى تكريس صورة نمطية تُحمِّل جماعة كاملة مسؤولية أفعال فردية.

3_ استعمال مفردات ذات حمولة: تُستعمل في هذا السياق مفردات مثل “التطرف”، “التهديد”، “الخطر” “رجل ملتحي” “امرأة محجبة”  الدواعش” “جماعة إرهابية” “جهاد “..بوصفها نعوتًا تلقائية، لا نتيجة تحليل دقيق. هذه اللغة لا تشرح الحدث بقدر ما تشحنه دلاليًا، وتزرع لدى المتلقي شعورًا بالخوف أو الريبة قبل فهم الوقائع.

ومع التكرار، تفقد هذه المفردات طابعها الوصفي، وتتحول إلى أدوات تطبيع مع الحكم المسبق، حيث يتلقاها الجمهور بوصفها حقائق لا تحتاج إلى نقاش أو تدقيق.

4_ استضافة الأصوات ذاتها التي تعيد الخطاب نفسه: يحدث هذا الشكل من التكريس عندما تعتمد التغطيات الإعلامية على المتدخلين أنفسهم، بالتحليل نفسه، والمفردات نفسها، والخلاصات نفسها. هنا لا تُقدَّم الخبرة بوصفها تنوّعًا في الرأي، بل تُستعمل لتأكيد سردية جاهزة.

هذا التكرار يخلق وهم الإجماع، ويُقصي الأصوات المخالفة أو التحليلية، والرأي والرأي الآخر، ما يُغلق أفق النقاش ويحوّل التغطية الإعلامية إلى إعادة إنتاج لرواية واحدة بدل مساءلتها.

وبهذا الإيقاع المتكرر في الصياغة والمعالجة، لا يعود الحدث هو من يفرض زاويته، بل تصبح الزاوية واللغة والسيناريو هي التي تفرض على الحدث معنى جاهزًا، وهو ما يشكّل أحد أبرز مظاهر تكريس الصورة النمطية في الخطاب الإعلامي.

فحتى عندما لا يكون الدين عنصرًا حاسمًا في فهم الحدث، يتم إدخاله ضمن السرد الإعلامي، فيتحول الإسلام من معطى ثقافي متنوع إلى إطار تفسيري وحيد. بهذا التكرار، لا يُقدَّم الحدث بوصفه واقعة معقّدة، بل يُدرج داخل سيناريو جاهز او قالب معين يُكرّس صورة نمطية قائمة، ويغذّي خطاب الخوف والريبة، دون تصريح مباشر أو حكم معلن.

2- هكذا تُقدَّم المرأة في الخطاب الإعلامي!

يتكرر المنطق نفسه في تمثيل المرأة داخل التغطيات الإعلامية. ففي قضايا اجتماعية أو إنسانية أو أمنية، غالبًا ما تُقدَّم المرأة وفق سيناريو واحد:

أ- صورة مكررة

تُقدَّم المرأة في هذا النمط بوصفها متلقّية للأذى، مع التركيز على معاناتها الجسدية أو النفسية، مقابل تغييب روايتها الخاصة وإقصاء أفعالها أو محاولاتها للتعبير والمبادرة. يتم اختزال حضورها في صور ولقطات تُثير التعاطف، دون فتح أفق للفهم أو التحليل، فيتحول السرد الإعلامي إلى خطاب يتحدث عنها بدل أن ينقل صوتها.

ومع تكرار هذا التمثيل، لا يُعاد إنتاج المعاناة فقط، بل يُعاد إنتاج تصور ضمني يعتبر المرأة غير فاعلة في الحدث، حتى حين تكون كذلك في الواقع. هنا لا يصف الإعلام وضعية، بل يُطبّع مع إقصاء الفاعلية، ويحوّل المرأة إلى موضوع سردي لا فاعلًا فيه.

ويتعمّق هذا المنطق حين تُقدَّم المرأة بوصفها ضحية في وضعية إنسانية معزولة، مفصولة عن السياق الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي الذي أنتج هذه الوضعية. يُسلَّط الضوء على الألم في حد ذاته، دون ربطه بالبنى التي تسببت فيه، فيتحول الحدث من قضية قابلة للتحليل والمساءلة إلى حالة إنسانية مجردة.

هذا العزل لا يُنكر وجود العنف أو الظلم، لكنه ينزعهما من شروطهما، ويُفرغهما من إمكانيات الفهم والتغيير. وفي هذه الحالة، لا يُساء تمثيل المرأة فقط، بل يُختزل الحدث نفسه في بعد عاطفي منفصل عن أسبابه.

ب- نزع الفاعلية

يتجلى هذا النمط حين تُقدَّم المرأة داخل التغطية الإعلامية باعتبارها متلقّية لما يحدث لها، دون إبراز أفعالها أو قراراتها أو محاولاتها للمقاومة والتغيير. يُسلَّط الضوء على ما تتعرض له، لا على ما تقوم به، فيُعاد بناء السرد من موقع أحادي.

نزع الفاعلية لا يعني غيابها في الواقع، بل هو نتيجة خيار تحريري يُقصيها سرديًا. ومع التكرار، يتحول هذا الإقصاء إلى تصور ثابت يُضعف حضور المرأة كفاعل اجتماعي وسياسي.

ج- خندقة المرأة في خانة “الهشاشة”

يتم هذا النمط من التمثيل حين يُختزل حضور المرأة إعلاميًا في بعد واحد ثابت، هو الهشاشة، وتُقدَّم هذه الأخيرة بوصفها سمة ملازمة لا وضعية ناتجة عن شروط اجتماعية أو قانونية أو اقتصادية محددة. في هذا السياق، لا تُفهم الهشاشة كنتاج لخلل بنيوي أو لعلاقات قوة غير متكافئة، بل تُحوَّل إلى خاصية تُلصق بالمرأة في ذاتها.

بهذا الخندقة، يُغلق الخطاب الإعلامي إمكانيات القراءة الأخرى، ويمنع إبراز أشكال الصمود أو الفعل أو التكيّف، حتى حين تكون حاضرة في الواقع. تصبح القوة استثناءً عارضًا، فيما تُقدَّم الهشاشة باعتبارها القاعدة، وهو ما لا يعكس تعقيد التجارب النسائية، بل يُعيد إنتاج تصور اختزالي يُسطّح الواقع بدل تفسيره.

ج- التمثيل القائم على “الشفقة”:

يظهر هذا النمط عندما تُبنى التغطية الإعلامية على منطق الاستدرار العاطفي، عبر التركيز المكثف على الألم والمعاناة، وتضخيم البعد الإنساني على حساب التحليل. تُنتقى الصور والعبارات التي تُحرّك التعاطف، دون مساءلة الأسباب البنيوية أو إبراز الحقوق أو فتح أفق للفهم.

ورغم ما يبدو عليه هذا التمثيل من حسّ إنساني، فإنه يُعيد تكريس المرأة في موقع التلقي، ويُبعدها عن موقع الفاعلية والمواطنة الكاملة. فالشفقة هنا لا تُنتج وعيًا نقديًا، بل تُهدّئ شعور المتلقي بالمسؤولية، وتُبقي البنية المولِّدة للمعاناة خارج السؤال.

3_ فاطمة منجي: حين يُنتج الخطاب الإعلامي الغربي صورة نمطية مزدوجة تضع المرأة المسلمة والإسلام في قفص الإتهام

تُعدّ تجربة الصحافية البريطانية فاطمة منجي، وهي مذيعة أخبار من أصول هندية مسلمة، مثالًا دالًا على كيفية اشتغال الصورة النمطية داخل الخطاب الإعلامي، ليس فقط من خلال التغطيات الإخبارية، بل أيضًا عبر الخطاب المهني نفسه، حين يتحول بعض الصحافيين أو الكتّاب إلى منتجي تنميط باسم “المهنية” أو “الحياد”.

برز اسم فاطمة منجي عقب ظهورها على شاشة قناة Channel 4 البريطانية أثناء تقديمها نشرة إخبارية تناولت أحداثًا أمنية شهدتها فرنسا سنة 2016. لم يكن الجدل الذي أُثير آنذاك مرتبطًا بمضمون التغطية، ولا بدقتها، ولا بالتزامها بالمعايير المهنية المعتمدة، بل انصبّ أساسًا على مظهرها الديني، باعتبارها ترتدي الحجاب أثناء أداء عملها الصحافي.

في هذا السياق، تعرّضت منجي لانتقادات من كاتب صحافي معروف في الصحافة البريطانية، اعتبر فيها أن ظهورها بالحجاب يجعلها غير مؤهلة مهنيًا لتغطية أحداث مرتبطة بما سمّاه “التطرف الإسلامي”. وهنا انتقل النقاش من تقييم العمل الصحافي إلى تأويل خارجي للهوية الدينية، أُسقط على الممارسة المهنية دون أن يكون جزءًا منها.

لم تُنتقد فاطمة منجي بوصفها صحافية ارتكبت خطأ مهنيًا، بل بوصفها امرأة مسلمة ظاهرة الهوية. وبهذا، جرى نزع الاعتراف بمهنيتها، واختُزل حضورها في رمز ديني، وكأن هذا الرمز يُلغي كفاءتها، وخبرتها، والتزامها بقواعد المهنة. في هذه اللحظة، لا تعود المسألة متعلقة بالخبر أو بالمعالجة، بل بطريقة تمثيل الصحافي نفسه داخل الخطاب العام.

تكشف هذه الحالة بوضوح آليتين متداخلتين من آليات التكريس:
أولًا، تكريس صورة الإسلام باعتباره إطارًا تفسيريًا جاهزًا يُستدعى تلقائيًا في سياقات العنف، دون تحليل سياقي أو تفكيك للعوامل السياسية والاجتماعية.
وثانيًا، تكريس صورة المرأة المسلمة بوصفها غير محايدة، وغير مستقلة في قرارها المهني، وغير قادرة على ممارسة الصحافة خارج محددات هويتها الدينية.

ما يمنح هذا المثال قيمة بيداغوجية خاصة هو أن هذا التنميط لم يصدر عن خطاب سياسي أو أيديولوجي مباشر، بل عن خطاب مهني يُفترض فيه الالتزام بالمسافة النقدية. وهو ما يُظهر كيف يمكن للصورة النمطية أن تتسلل إلى قلب الممارسة الصحافية نفسها، لا عبر الخبر، بل عبر التعليق عليه وتأطيره.

من هذا المنظور، لا تُستحضر تجربة فاطمة منجي باعتبارها حالة إقصاء أو جدل شخصي، ولا بوصف مظهرها الديني عنصرًا إشكاليًا في حد ذاته، بل باعتبارها مرآة لسياق إعلامي أوسع، تتقاطع فيه أسئلة التمثيل، والهوية، وحدود الموضوعية، وتُطرح فيه المهنية أحيانًا بوصفها معيارًا انتقائيًا لا مبدأً ثابتًا.

4_ الممارسة الإعلامية والخلط بين الخطاب السائد والممارسة المهنية المسؤولة

في الممارسة الإعلامية، قد يحدث خلط بين الخطاب السائد والممارسة المهنية المسؤولة، فيُنظر إلى إعادة إنتاج الزاوية نفسها أو السيناريو نفسه على أنها شكل من أشكال “الحياد” أو “الموضوعية”، بينما تُعدّ في الواقع آلية غير واعية من آليات التكريس. فالإعلامي لا يُساءل فقط عن مضمون ما يقدّمه، بل عن الكيفية التي يقدَّم بها الحدث، وعن القالب السردي الذي يُدرج فيه.

ولا يتعلّق الإشكال في هذه الأنماط بواقع المرأة في حد ذاته، بل بكيفية تمثيله داخل الخطاب الإعلامي. فما يُقدَّم بوصفه وصفًا محايدًا أو تعاطفًا إنسانيًا قد يتحول، عبر التكرار، إلى تكريس رمزي يُعيد إنتاج الصور النمطية ويُغلق أفق الفهم والتحليل.

ومن هنا، لا تنحصر مهمة الصحافي في نقل المعاناة، بل تمتد إلى تفكيك شروط تمثيلها، والتمييز بين ما يُظهر الواقع في تعقيده، وما يُعاد تشكيله وفق منطق جاهز يسبق الحدث ويؤطر قراءته.

الصحافي الذي يُكسّر لا يستبدل صورة جاهزة بأخرى، بل يفتح المعنى ويزعزع البديهيات، ويحوّل المتلقي من مستهلك للتفسير إلى شريك في التفكير

يتبع

المصادر: جملة من المقالات والكتب والمنشورات وخبرة في الميدان.

نادية الصبار
كاتبة صحافية
مديرة موقع danapress.ma
أستاذة مكونة بمعهد epag

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد