نادية الصبار تكتب: “التكسير في الممارسة الإعلامية.. تفكيك للمعنى خارج القوالب النمطية”
دليل إلى تحليل وتطور الأخبار
المبحث الثالث من الفصل الرابع: “التكسير في الممارسة الإعلامية.. تفكيك للمعنى خارج القوالب النمطية”
إذا كان منطق التكريس في الممارسة الإعلامية يقوم على تثبيت الصور النمطية عبر التكرار، والاعتياد، وتحويل التمثلات الجزئية إلى قراءات عامة للواقع، فإن التكسير يأتي بوصفه لحظة وعي مهني ومنهجي، لا تهدف إلى إنكار هذه الصور أو القفز عليها، بل إلى مساءلتها من الداخل وكشف آليات اشتغالها.
فالتكسير، في هذا السياق، لا يُفهم باعتباره فعل رفض أو مواجهة مباشرة، ولا كخطاب دفاعي أو تصحيحي، بل بوصفه مقاربة تحريرية نقدية تنطلق من الإقرار بأن الإعلام لا ينقل الواقع كما هو، بل يُعيد تشكيله عبر السرد، والزوايا، واللغة، وترتيب المعطيات، واختيار الأصوات. ومن ثم، فإن تفكيك الصور النمطية لا يتم خارج الخطاب، بل داخله.
ينتقل التكسير بالإعلامي من موقع إعادة إنتاج التمثيل إلى موقع تفكيك المعنى، ومن التعامل مع الوقائع بوصفها معطيات جاهزة إلى مساءلتها باعتبارها بناءً دلاليًا. وهو بهذا المعنى ممارسة واعية تعيد فتح الأسئلة التي أُغلقت بفعل السرديات السائدة، وتزعزع ما استقر في الوعي العام باعتباره “طبيعيًا” أو “بديهيًا”.
ضمن هذا الأفق، لا يكون التكسير نقيضًا للموضوعية، بل تعبيرًا متقدمًا عنها، لأنه يرفض الاختزال، ويقاوم القراءة الأحادية، ويعيد الظواهر إلى تعقيدها الاجتماعي والثقافي والتاريخي. ومن هنا، يصبح التكسير مسارًا مهنيًا يقوم على الاختيار الواعي: اختيار السردية بدل تكرارها، اختيار الزاوية بدل الانسياق معها، واختيار الخطاب الذي يفتح المعنى بدل الخطاب الذي يُغلقه.
أ- التكسير بوصفه تفكيكًا للأفكار:
لا يُستعمل مفهوم التكسير هنا بمعناه الحرفي أو المادي، ولا يُقصد به الهدم أو القطيعة، بل يُفهم بوصفه عملية معرفية ومنهجية تستهدف التمثلات الجاهزة، والسرديات المستقرة، والخطابات التي تحوّلت بفعل التكرار إلى تفسيرات “طبيعية” للواقع.
فالتكسير لا ينطلق من إنكار وجود الصور النمطية داخل الإعلام أو المجتمع، بل من الاعتراف بأنها جزء من المخيال الجماعي. غير أنه يرفض تثبيتها بوصفها معاني نهائية، ويسعى إلى زعزعة ما يبدو بديهيًا، وكشف أن ما يُقدَّم على أنه واقع محايد هو في كثير من الأحيان بناء سردي وخطابي قابل للتفكيك.
من هذا المنطلق، يُعدّ التكسير منهج اشتغال صحافي يقوم على مساءلة العلاقة بين الحدث وتمثيله، وبين الوقائع والسرديات التي تُبنى حولها، لا على مستوى الموقف الأخلاقي، بل على مستوى الاختيارات التحريرية.
كسر السردية الجاهزة:
يتحقق التكسير حين يرفض الصحافي الخضوع للسردية المألوفة التي تُعاد إنتاجها مع كل حدث مشابه، ويُعيد النظر في بنية الحكاية الإعلامية نفسها. هنا لا يُكتب الخبر انطلاقًا من حبكة جاهزة أو نهاية متوقعة، بل يُمنح الحدث إمكانية أن يُروى خارج القالب السردي المفروض عليه مسبقًا.
وكسر السردية هنا لا يعني البتة؛ فقدان التماسك أو التشويش، بل تحرير المعالجة من التكرار الآلي، ومنع تحويل الوقائع إلى ذريعة لإعادة إنتاج الرواية نفسها. في هذه الحالة، يتحول الحدث من مجرد حلقة في سلسلة مغلقة إلى مادة مفتوحة على الفهم والتحليل.
ب- تغيير زاوية المعالجة
يُمارَس التكسير كذلك عبر تغيير زاوية المعالجة، أي الانتقال من الزاوية الأكثر تداولًا وسهولة إلى زاوية أقل استهلاكًا وأكثر قدرة على الكشف. فبدل الاكتفاء بالمظهر الخارجي للحدث أو بنتائجه المباشرة، يتم البحث في الخلفيات والأسئلة التي غالبًا ما تُهمَّش.
هذا التحوّل لا يُنكر الوقائع، بل يعيد ترتيبها داخل بنية دلالية مختلفة، ويمنع اختزال الظاهرة في بعد واحد. وبهذا المعنى، تتحول الزاوية من أداة تبسيط مخلّ إلى أداة لفهم التعقيد.
إعادة الظاهرة إلى سياقها الاجتماعي أو التاريخي
من آليات التكسير الأساسية إعادة ربط الظاهرة بالسياق بدل التعامل معها كحدث معزول أو حالة استثنائية. فالسلوك لا يُفهم خارج الشروط التي أنتجته، ولا يمكن تفسيره دون الإحاطة بالبنية التي نشأ داخلها.
إعادة السياق لا تعني التبرير، بل تمنع تحويل الظاهرة إلى صفة ملازمة لفئة أو هوية، وتنقل الخطاب الإعلامي من منطق الحكم والتصنيف إلى منطق الفهم والتفسير.
ج- إدخال أصوات وتجارب متنوّعة:
يُمارَس التكسير أيضًا عبر توسيع دائرة الأصوات داخل التغطية الإعلامية، وعدم الاكتفاء بالفاعلين أنفسهم أو بالرواية السائدة. فتنويع الأصوات يسمح بتفكيك الخطاب الأحادي، ويكشف التعدد داخل ما يُقدَّم عادة بوصفه كيانًا متجانسًا.
هذا التنويع لا يقوم على التوازن الشكلي، بل على الاعتراف بأن الظاهرة الواحدة تُعاش بطرق مختلفة، وأن إقصاء هذا التعدد هو أحد الشروط الأساسية لبناء الصورة النمطية.
تفكيك الخطاب قبل تفكيك الحدث.
لا يكتمل التكسير دون مساءلة الخطاب الإعلامي نفسه، بما يحمله من مفردات، ونعوت، وتراكيب، وإيحاءات. فالخطاب ليس مجرد لغة محايدة، بل منظومة دلالية تُمرَّر من خلالها أحكام وتمثلات دون تصريح مباشر.
وحين يُفكَّك الخطاب، يُعاد فتح المعنى، ويتحوّل النص الإعلامي من ناقل لتمثلات جاهزة إلى فضاء للتفكير النقدي، حيث لا تُفرض القراءة على المتلقي، بل تُبنى أمامه.
خلاصة منهجية
بهذا المعنى، يصبح التكسير منهجًا تحريريًا واعيًا يقوم على الاختيار: اختيار الزاوية، اختيار السردية، اختيار الخطاب، اختيار الأصوات، واختيار ترتيب المعطيات. وهي اختيارات تُخرج العمل الإعلامي من منطق التكرار إلى منطق الفهم، ومن إعادة التمثيل إلى تفكيك المعنى.
د- برنامج «قصص السحور» ل «نورا أكشار » وحين يتحوّل التكسير إلى ممارسة إعلامية واعية
قبل ساعة من بزوغ الفجر، في صباح من صباحات شهر رمضان سنة 2024، وفي مبنى إذاعي عادي بمدينة هيلفرسوم الهادئة جنوب أمستردام، تمسك نورا أكشار بالميكروفون، داهل استوديوهات متواضعة، وفي غياب اضواء صاخبة ودونما عناوين مثيرة. ومع ذلك، تصف الغارديان ما تقوم به نورا «حدث كبير». ليس لأن البرنامج استثنائي من حيث الشكل أو التقنية، بل لأن ما يُبثّ في تلك اللحظة يمثّل انطلاقة تجربة إعلامية جديدة في سياق أوروبي مشحون بالصور النمطية والخطابات الإقصائية.
كان ذلك مع إطلاق برنامج «قصص السحور» على الإذاعة والتلفزيون العموميين في هولندا، في لحظة سياسية وثقافية حساسة، أعقبت صعود خطاب اليمين المتطرف المعادي للإسلام، وجعلت من أي تمثيل إعلامي للمسلمين مسألة تتجاوز الترف الثقافي إلى سؤال الوجود داخل السردية الوطنية.
يُبثّ برنامج قصص السحور يوميًا خلال شهر رمضان على الإذاعة والتلفزيون العموميين في هولندا، وتقدّمه سبع نساء مسلمات هولنديات. يستضيف البرنامج مسلمين من خلفيات وتجارب مختلفة للحديث عن رمضان، والحياة اليومية، والطعام، والذكريات، والعمل، والشأن العام. ظاهريًا، يبدو المحتوى بسيطًا، وربما “عاديًا”. لكن الأمر في جوهره “تكسير نبيل ” للصور النمطية التي تشاع عن الإسلام والمسلمين.
في السياق الإعلامي الأوروبي، اعتاد المتلقي أن يُقدَّم الإسلام ضمن أطر جاهزة: أمنية، أو سياسية، أو إشكالية؛ تطرف، تهديد، اندماج، صدام ثقافات. هنا، لا يُنكر البرنامج وجود هذه القضايا، لكنه يرفض أن تكون المدخل الوحيد لفهم المسلمين. لا يبدأ السرد من الخوف، بل من تفاصيل الحياة اليومية. لا من سؤال: «ما المشكلة؟»، بل من سؤال أكثر بساطة وعمقًا: «كيف نعيش؟».
بهذا الاختيار التحريري، يكسر البرنامج أولى آليات التكريس: السردية الجاهزة. فلا وجود لبنية تقوم على حدث صادم يعقبه تفسير أيديولوجي، ثم تعليق خبير أمني، فخاتمة تحذيرية. عوض ذلك، يُبنى السرد حول قصص أفراد: رائد أعمال يصنع نقانق حلال، معلّم لغة هولندية تحوّل إلى مؤدّي شعر شفهي، نساء يستحضرن ذكريات السحور في بيوت العائلة. الحدث هنا ليس استثناءً، بل الحياة نفسها.
ومن هذا الانتقال من الحدث الاستثنائي إلى التجربة اليومية، يتحقق تكسير ثانٍ لا يقل أهمية: إعادة الظاهرة إلى سياقها الاجتماعي. فالإسلام لا يُقدَّم بوصفه «قضية» منفصلة، بل بوصفه جزءًا من نسيج اجتماعي متعدّد. وشهر رمضان لا يُعرض كطقس غريب أو ممارسة غير مفهومة، بل كتجربة إنسانية مشتركة يمكن لأي مستمع أن يتقاطع معها عبر الطعام، أو الحنين، أو إيقاع اليوم.
أما على مستوى تمثيل المرأة المسلمة، فيقدّم البرنامج نموذجًا واضحًا لتفكيك صورة نمطية مزدوجة. فالنساء هنا لسن موضوعًا للحديث، ولا رموزًا للهشاشة أو الضحية، بل صاحبات الصوت والسرد والمبادرة. اختيار تشكيلة نسائية بالكامل ليس قرارًا شكليًا، بل فعل تحريري واعٍ يعيد توزيع الأدوار داخل الخطاب الإعلامي. النساء لا يُستضفن للحديث عن أنفسهن، بل هن من يضعن الأسئلة، ويدرن الحوار، ويحددن زاوية المعالجة.
في مشهد إعلامي اعتاد تقديم المرأة المسلمة إما كضحية صامتة أو كموضوع جدل ثقافي، يعمل البرنامج على نزع هذا القالب من جذوره. الفاعلية هنا ليست شعارًا، بل ممارسة يومية: نساء يتحدثن، يضحكن، يختلفن، ينتقدن، ويتحكمن في السرد. وبهذا، يُعاد تمثيل المرأة لا بوصفها استثناءً ناجحًا، بل بوصفها حالة عادية. وهذه العادية، في حد ذاتها، هي أخطر ما في التكسير.
ولا يكتمل هذا المسار دون تفكيك الخطاب. فالبرنامج لا يسخر من “الأسئلة الساذجة” التي تُطرح على المسلمين خلال رمضان، مثل: «ولا حتى الماء؟»، لكنه لا يمرّ عليها مرور الكرام أيضًا. تُفهم هذه الأسئلة بوصفها نتيجة جهل لا خبث، وتُحوَّل إلى مدخل تفسيري هادئ. هنا، يتحول الخطاب من أداة تنميط إلى أداة شرح، ومن وسيلة إقصاء إلى وسيلة تواصل.
وتزداد دلالة هذا الخيار التحريري حين يوضع في سياقه السياسي. فقد جاء البرنامج في أعقاب صعود اليمين المتطرف المعادي للإسلام في هولندا، وفي مناخ عام مشحون بخطابات الشيطنة والوصم. في هذا السياق، لا يرفع «قصص السحور» شعار المقاومة، ولا يتبنّى خطابًا احتجاجيًا مباشرًا، لكنه يمارس مقاومة رمزية هادئة: إدراج أصوات المسلمين في قلب السردية الوطنية، لا على هامشها.
بهذا المعنى، لا يقدّم البرنامج “صورة إيجابية” جاهزة عن الإسلام أو المرأة المسلمة، بل يرفض منطق الصور الجاهزة أصلًا. لا يستبدل صورة نمطية سلبية بأخرى إيجابية، بل يُفكّك منطق التنميط نفسه عبر تغيير الزاوية، وكسر السردية، وتنويع الأصوات، وإعادة ترتيب المعنى.
وهكذا، يُظهر هذا المثال الحي أن التكسير في الممارسة الإعلامية لا يتحقق عبر الاندفاع أو الدفاع أو النفي، بل عبر إعادة بناء السرد. فالصحافي لا يغيّر الواقع، لكنه يغيّر طريقة قراءته. وحين تتغيّر القراءة، يتغيّر المعنى. هنا بالضبط، يصبح التكسير فعلًا مهنيًا واعيًا، لا شعارًا أخلاقيًا، وممارسة تحريرية دقيقة، لا موقفًا انفعاليًا.
2_ إدوارد سعيد والصورة النمطية كخطاب ثقافي وإعلامي
يُعدّ إدوارد سعيد نموذجًا للمثقف الذي فكّك الصورة النمطية بوصفها بناءً ثقافيًا وإعلاميًا لا مجرد سوء فهم عابر. انطلق سعيد من نقد الاستشراق باعتباره خطابًا أنتجته الثقافة الغربية لتصوير الشرق والعرب ككيان واحد متخلف، جامد، عاطفي، وغير قادر على تمثيل نفسه، وهو ما أسهم في شرعنة الهيمنة السياسية والاستعمارية، ثم لاحقًا التمييز الرمزي والإعلامي.
لم يكن الاستشراق، في تصور سعيد، مجرد دراسات أكاديمية، بل منظومة تمثيل تشارك فيها الأدب، الصحافة، السينما، والبحث العلمي، حيث يُعاد إنتاج صورة نمطية للآخر غير الغربي، تُقابَل بصورة ذاتية “نقية” للغرب بوصفه عقلانيًا، متحضرًا، ومتفوقًا.
وهنا تتقاطع أطروحة سعيد مباشرة مع الإعلام، الذي يتحول من ناقل للواقع إلى صانع للصور الذهنية. اعتمد سعيد ما سمّاه القراءة الطباقية، أي قراءة النصوص (الأدبية والإعلامية) مع استحضار سياقاتها السياسية والتاريخية، ليكشف كيف تسكن الأفكار الاستعمارية داخل روايات عظيمة وأعمال يُفترض أنها “محايدة”. هذه الفكرة أساسية لطلبة الإعلام، لأنها تطرح سؤالًا محوريًا: هل الصورة الإعلامية بريئة؟ أم أنها محمّلة بخلفيات ثقافية ومصالح مضمَرة؟
تُظهر تجربة سعيد الشخصية – كفلسطيني عاش بين الشرق والغرب – كيف يتكوّن الوعي بالصورة النمطية، وكيف يتحول “الاختلاف” إلى أداة إقصاء. فقد عاش حالة “الخارج عن المكان”، ما منحه موقعًا نقديًا مكّنه من مساءلة الخطابات الجاهزة، سواء الغربية أو العربية، ورفض التنميط من أي جهة كان.
كما نبّه سعيد إلى خطورة تمثيل الصامت، أي أن يتحدث الغرب (أو الإعلام المهيمن) باسم الشعوب الأخرى، ويصوغ سرديتها بدلها، وهو ما يؤدي إلى تغييب صوت الضحية الحقيقي. في الإعلام المعاصر، يظهر هذا بوضوح في تغطية قضايا العرب والمسلمين، حيث تُختزل مجتمعات كاملة في مشاهد العنف، الفقر، أو التطرف، دون سياق أو تعددية.
هذا وخلص مشروع إدوارد سعيد إلى أن مقاومة الصورة النمطية لا تكون بالانغلاق أو رفض الآخر، بل بإنتاج خطاب نقدي بديل، يملك أدوات السرد، ويفكك التنميط، ويعيد للذات حقها في تمثيل نفسها بنفسها. وهنا تتجلى مسؤولية الإعلامي: إما أن يكون جزءًا من إعادة إنتاج الصور الجاهزة، أو فاعلًا في كسرها.
فالصورة النمطية إذا؛ ليست خطأ تقنيًا، بل خيارًا ثقافيًا. والإعلامي الواعي هو من يدرك أن كل صورة، وكل عنوان، وكل توصيف، يساهم إما في تكريس التنميط أو في تفكيكه.
انتهى المبحث الثالث من الفصل الرابع ضمن دليل إلى تحليل وتطور الأخبار
المصادر: جملة من المقالات والكتب والمنشورات وخبرة في الميدان.
نادجية الصبار
كاتبة صحافية
مديرة موقع danapress.ma
أستاذة مكونة بمعهد epag