الرائدة في صحافة الموبايل

العنف ضد الرجال… معاناة في الظل!

يسلط الخطاب الحقوقي والإعلامي اهتمامًا واسعًا على العنف ضد النساء، غير أن أشكالًا أخرى من العنف، من بينها العنف الموجَّه ضد الرجال، تظل أقل حضورًا في النقاش العمومي.

وترتبط هذه المحدودية في التناول بصور نمطية راسخة تعتبر الرجل قويًا بطبعه، غير قابل لأن يكون في خانة الضعف والتعرض للعنف، ما يجعل العديد من الرجال يترددون في الإفصاح عن معاناتهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعنف النفسي أو الاقتصادي داخل الأسرة أو في المحيط الشخصي.

ولا يقتصر العنف ضد الرجال على الاعتداء الجسدي، بل يتخذ أشكالًا متعددة، من بينها الإهانة، المقايضة والابتزاز العاطفيين، الاستغلال الاقتصادي، والعزلة الاجتماعية كذلك. كما يتعرض بعضهم للحرمان من مواردهم المالية أو للتضييق على حرياتهم الشخصية، وهو ما يخلّف آثارًا نفسية عميقة تمتد إلى تراجع الثقة بالنفس واختلال العلاقات الاجتماعية، خصوصًا حين يتحول العنف النفسي من سلوك عابر إلى ممارسة مستمرة.

وتشير بعض المعطيات الإحصائية إلى وجود هذه الحالات بأشكال متفاوتة. ففي المغرب، وفق نتائج البحث الوطني حول العنف ضد النساء والرجال الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، صرّح عدد من الرجال بتعرضهم لأحد أشكال العنف، بما في ذلك العنف النفسي والاقتصادي، إضافة إلى حالات مرتبطة بالعنف الجسدي أو الطرد من بيت الزوجية. فيما أظهرت دراسات دولية أن العنف داخل العلاقات الأسرية لا يقتصر على سياق أو مجتمع بعينه، إذ تم تسجيل نسب متفاوتة في عدد من الدول الأوروبية، إلى جانب معطيات صادرة من مناطق أخرى مثل كردستان والعراق.

وغالبًا ما يبقى العنف ضد الرجال غير معلن بفعل الوصم الاجتماعي والخوف من التقليل من شأن الضحية أو التشكيك في مصداقيته. غير أن الاعتراف بوجود العنف لدى الرجال لا يقزم من حجم العنف الذي تتعرض له النساء، بل يندرج في إطار مقاربة شمولية تعتبر أن الحق في الحماية من العنف حق إنساني مشترك، بغض النظر عن الجنس. وفي بعض النزاعات الأسرية، قد يكون الرجال والفتيان عرضة لأشكال من الإيذاء النفسي أو الجسدي، ما يستدعي آليات إنصات ودعم أكثر توازنًا.

هذا ويُعد فتح النقاش العمومي حول العنف الموجَّه ضد الرجال خطوة أساسية نحو بناء مقاربة عادلة وشاملة لمناهضة العنف داخل المجتمع. كما يمكن للإعلام والمجتمع المدني أن يسهما في التوعية، وتوفير الدعم النفسي والقانوني، وتعزيز ثقافة تعتبر الأسرة فضاءً للحماية لا مصدرًا للأذى. فالاعتراف بالمعاناة والسعي إلى معالجتها يظل مدخلًا أساسيًا لترسيخ الكرامة الإنسانية كحق للجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد