حين تتحول ضغوطات الحياة إلى عنف صامت!
دنا بريس – آية محمود رزق
لم تعد القسوة سلوكًا فرديًا معزولًا، بل أصبحت ملمحًا عامًا يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المجتمع. في الشارع، في المواصلات، في أماكن العمل، وحتى داخل البيوت، تتكرر مشاهد الغضب والانفعال الحاد، وكأن المجتمع بأكمله يعيش على حافة توتر دائم. هذا التحول لا يمكن فصله عن واقع اجتماعي ضاغط أعاد تشكيل سلوك الأفراد، وحوّل الضغوط المتراكمة إلى عنف صامت يتخذ أشكالًا متعددة، بعضها ظاهر، وأكثرها خفي.
فالضغوط المعيشية المستمرة، وتراجع الشعور بالأمان، وانسداد الأفق لدى قطاعات واسعة من المواطنين، خلق حالة عامة من الإنهاك النفسي. والذي لا يجد في كثير من الأحيان منفذًا صحيًا للتعبير، فيتحول إلى انفعال سريع، وعدوانية لفظية، واحتقان يومي قابل للاشتعال عند أبسط الاحتكاكات. ومع الوقت، يصبح العنف جزءًا من المشهد المعتاد، لا كحدث استثنائي، بل كطريقة تعامل فرضها الواقع.
في هذا السياق، لا يظهر العنف دائمًا في صورته الجسدية المباشرة، بل يتجسد في التهميش، والتجاهل، وغياب الاحترام المتبادل. المواطن الذي يشعر بالعجز والضغط، يبحث عن مساحة يستعيد فيها إحساسه بالقوة، ولو مؤقتًا، وغالبًا ما تكون هذه المساحة على حساب الأضعف داخل المجتمع. وهنا تتقاطع الأزمة الاجتماعية مع البنية النفسية، لينتج سلوكًا عدائيًا لا ينبع من طبيعة الإنسان، بل من ظروف تحاصره.
وتأتي المرأة في قلب هذا المشهد بوصفها إحدى أكثر الفئات تأثرًا بهذه التحولات. صورة المرأة في المجتمع تتعرض لتشوه متزايد، حيث تصبح هدفًا مباشرًا للعنف اللفظي، والتحرش، واللوم الاجتماعي، وكأنها الحلقة الأسهل لتفريغ الغضب العام. في الشارع، تُحاسَب على وجودها، وفي العمل تُطالب بإثبات مضاعف لكفاءتها، وفي الخطاب العام تُختزل أدوارها بين اتهام وتحميل مسؤوليات لا تُفرض على غيرها.
ولا يمكن عزل هذا العنف الموجّه ضد المرأة عن السياق الاجتماعي العام، فهو انعكاس لثقافة ضغط تُعيد إنتاج علاقات غير متكافئة، وتبحث عن طرف أضعف لتحميله كلفة الأزمة. ومع تصاعد التوتر داخل المجتمع، تتراجع مساحة الأمان للمرأة، ليس فقط جسديًا، بل نفسيًا ومعنويًا، ما يؤثر على مشاركتها، وثقتها بذاتها، ودورها في المجال العام.
هذا وأن كثيرًا من هذه الممارسات يتم التطبيع معها، وكأنها جزء طبيعي من الواقع، لا مؤشرات خلل تستدعي التوقف. ومع غياب خطاب اجتماعي جاد يعالج جذور العنف، يُترك الفرد فريسة لظروفه، وتُترك المرأة في مواجهة مزدوجة مع الضغوط المجتمعية والأحكام المسبقة. هكذا، تتآكل فكرة الاحترام المتبادل، ويضعف النسيج الاجتماعي، لصالح علاقات قائمة على القوة لا التفاهم.
في ظل هذا المشهد، يصبح من الصعب الحديث عن مجتمع متماسك دون معالجة حقيقية للأسباب التي أنتجت هذا العنف. فالقضية لا تتعلق بتغيير سلوكيات سطحية، بل بإعادة النظر في السياسات الاجتماعية والثقافية التي تجاهلت الأثر النفسي طويل المدى للأزمات المتراكمة. مجتمع مُنهك نفسيًا هو مجتمع أكثر قابلية للعنف، وأقل قدرة على الاحتواء.
ويمكن القول أن إعادة الاعتبار للإنسان، رجلًا وامرأة، تبدأ بالاعتراف بأن الضغط المستمر لا يمر دون ثمن، وأن تجاهل هذا الثمن يُعمّق الفجوة بين الناس، ويزيد من حدة التوتر داخل المجتمع. لا يمكن مواجهة العنف بمجرد الإدانة، بل عبر بناء بيئة اجتماعية أكثر عدالة، تحمي الأفراد من السقوط في دوائر الغضب والعدوان.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم ليس لماذا أصبح المجتمع أكثر قسوة، بل إلى أي مدى يمكن الاستمرار في تجاهل آثار هذا التآكل قبل أن يتحول العنف الصامت إلى انفجار علني يصعب احتواؤه. فالمجتمع الذي لا يحمي إنسانه، ولا يصون صورة المرأة داخله، إنما يفرّط في أحد أهم مقومات استقراره.