الرائدة في صحافة الموبايل

اتصالات دبوماسية في الكواليس وإعادة ترتيب الحسابات داخل مثلث واشنطن–طهران–تل أبيب

كشفت مصادر مطلعة عن وجود تفاهمات أولية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تهدف إلى الدفع نحو تسوية دبلوماسية للخلافات القائمة بين الطرفين، في ظل تحركات سياسية متسارعة واتصالات غير معلنة تجري بعيدًا عن الأضواء.

وبحسب هذه المصادر، فإن المسار المطروح لا يرقى إلى اتفاق نهائي، لكنه يعكس رغبة متبادلة في تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، والبحث عن صيغ تهدئة قابلة للاستمرار، ولو بشكل مؤقت.

وتأتي هذه التطورات في سياق إقليمي ودولي بالغ الحساسية، تتداخل فيه الحسابات الأمنية بالضغوط الاقتصادية والاستحقاقات السياسية، ما يطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة هذا المسار وحدوده، ومدى قدرته على الصمود في ظل توازنات معقدة، لا سيما مع حضور أطراف إقليمية فاعلة تراقب هذا التقارب بحذر.

وتتقاطع هذه التحركات الدبلوماسية مع مسار طويل من التوتر المدروس بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، تخللته مراحل من التصعيد والاحتواء، وتبادل الرسائل غير المباشرة، دون أن يبلغ أيٌّ منها حدّ القطيعة الكاملة أو المواجهة الشاملة. فالعلاقة بين الطرفين ظلت، على امتداد السنوات الماضية، محكومة بمنطق “الضغط دون الانفجار”، حيث تُدار الخلافات عبر أدوات متعددة تجمع بين الردع العسكري، والعقوبات الاقتصادية، والانفتاح الدبلوماسي المشروط.


وفي هذا السياق المركّب، تبدو الاتصالات الجارية امتدادًا لمحاولات متكررة لإعادة ضبط الإيقاع، أكثر من كونها قطيعة مع المسارات السابقة. فهي تعكس إدراكًا متبادلًا بصعوبة الحسم، وبكلفة الاستمرار في إدارة الصراع بالوسائل التقليدية، في وقت تشهد فيه المنطقة تداخلًا في ساحات النفوذ، ما يجعل أي انزلاق غير محسوب قابلًا للتحول إلى أزمة أوسع.

ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن إعادة ترتيب أوسع للحسابات الاستراتيجية بين واشنطن وطهران، في ظل توازنات إقليمية معقدة يظل فيها العامل الإسرائيلي حاضرًا، وإن بشكل غير مباشر، في تحديد سقف أي تسوية محتملة.

التحول في الحسابات الاستراتيجية وفرضيات تحكم المشهد

تفيد الفرضية المركزية التي تحكم هذا المشهد بأن الأطراف الثلاثة تعيد تعريف خياراتها، ليس بحثًا عن تسوية تاريخية، بل هروبًا من سيناريو الحرب الشاملة. فالانتقال نحو المسار الدبلوماسي لا يعكس ثقة متبادلة، بل ضرورة استراتيجية فرضتها كلفة البدائل، وتحديدًا كلفة المواجهة المفتوحة التي لا يضمن أي طرف السيطرة على مآلاتها.

من الجانب الأمريكي، تعود إعادة الحساب إلى تراكم خيبات طويلة مع تدخلات عسكرية أنهكت الاقتصاد، وأضعفت الإجماع الداخلي حول جدوى استخدام القوة. وفي ظل ظغط الداخل الأمريكي، بات الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط خيارًا عالي المخاطر. هذا ما يفسر انتقال واشنطن من منطق “التدخل العسكري” إلى ما يمكن وصفه بـ“الدبلوماسية الواقعية او المفروضة”.

غير أن هذا التحول الأمريكي يصطدم مباشرة بحسابات إسرائيل. فـإسرائيل تنظر إلى أي تهدئة طويلة مع إيران على أنها نافذة زمنية خطرة قد تسمح لطهران بالاقتراب من عتبة القدرة النووية. من هذا المنظور، ترى تل أبيب أن الدبلوماسية الأمريكية، إذا لم تكن مقترنة بسقف صارم وضمانات حاسمة، تتحول إلى “ دبلوماسية التسويف” بدل “سياسة الحل الناجع”، وهو ما يفتح الباب أمام خيار التحرك المنفرد، حتى دون غطاء أمريكي كامل.

في المقابل، تبني إيران استراتيجيتها على “الصمود والامتصاص”، مدعومة بقدرات ردع غير متناظرة، تشمل البرنامج الصاروخي وشبكة الحلفاء الإقليميين. وقد أثبتت هذه المقاربة، من وجهة نظر طهران، أنها نجحت في تحييد خيار “الضربة المحدودة”، وتحويله إلى أداة فاقدة للتأثير الاستراتيجي. غير أن العامل الاقتصادي يفرض نفسه بقوة في الحسابات الإيرانية، إذ تواجه إدارة الرئيس مسعود بزشكيان ضغطًا داخليًا متزايدًا لتحقيق اختراق ملموس يخفف العقوبات، ويمنح خطابه الإصلاحي حدًّا أدنى من المصداقية.

وهنا تحديدًا، تبرز دلالة الشكل والمكان في التفاوض، فمطالبة إيران بنقل المحادثات من إسطنبول إلى سلطنة عُمان، واعتماد صيغة ثنائية تقتصر على التفاوض مع واشنطن، ليست تفصيلًا تقنيًا، بل خيارًا استراتيجيًا يهدف إلى عزل الضغوط الإقليمية، وفي مقدمتها إسرائيل، عن طاولة التفاوض المباشرة. كما يعكس الإصرار على حصر النقاش في الملف النووي فقط محاولة إيرانية لمنع تفكيك أوراق القوة الأخرى دفعة واحدة.

غير أن هذا المسار يبقى هشًا بطبيعته. فواشنطن، خاصة في ظل تأثير محتمل لنهج دونالد ترامب، لا تفصل بين الدبلوماسية والضغط، بل تستخدمهما معًا. فشل المفاوضات لا يعني بالضرورة الانزلاق الفوري إلى الحرب، لكنه قد يفتح الباب أمام تشديد غير مسبوق في أدوات “الخنق الاقتصادي”، بما يحمله ذلك من تداعيات على إيران، واحتمال تصعيد غير مباشر.


المثلث المعقد والسيناريوهات الثلاث

في ضوء هذه المعطيات، تتبلور ثلاثة سيناريوهات رئيسية داخل هذا المثلث المعقد. السيناريو الأول يقوم على تهدئة هشة طويلة الأمد، تُدار عبر تفاهم نووي مؤقت يجمّد التصعيد دون معالجة جذوره، مع بقاء إسرائيل في موقع القلق والمراقبة. والسيناريو الثاني يفترض فشل التفاوض وعودة التصعيد غير المباشر، سواء عبر العقوبات أو ساحات الوكلاء، دون الوصول إلى مواجهة شاملة. وأما السيناريو الثالث، فيظل الأخطر رغم كونه الأقل حضورًا، ويتمثل في تحرك إسرائيلي منفرد أو خطأ في الحسابات داخل الميدان قد يجرّ الأطراف الثلاثة إلى دوامة تصعيد سريعة يصعب احتواؤها.

خلاصة القول؛ المنطقة لا تتجه نحو تسوية تاريخية، بل نحو إدارة دقيقة للتوتر داخل مثلث غير متوازن. الولايات المتحدة تسعى لمنع حرب لا تريدها، وإيران تحاول كسب الوقت وتخفيف الضغط، فيما إسرائيل تراقب بقلق أي مسار قد يغيّر ميزان الردع. وبين هذه الحسابات المتقاطعة، تبدو “الحلول المؤقتة والمفروضة” أقل الخيارات سوءًا، لكنها في الوقت نفسه تحمل بذور أزمات مؤجلة لا أكثر.

وفي المحصلة، تعكس السيناريوهات المطروحة اتجاهات محتملة لمسار الأزمة، تتراوح بين تهدئة محسوبة تُدار عبر تفاهمات مؤقتة، وتصعيد غير مباشر يبقى دون عتبة المواجهة الشاملة، وصولًا إلى احتمال انفلات محدود قد تفرضه حسابات ميدانية أو قرارات أحادية. وهي قراءات تستند إلى معطيات سياسية وأمنية قائمة، وتعبّر عن توازنات دقيقة تحكم سلوك الأطراف الثلاثة داخل مثلث واشنطن–طهران–تل أبيب.

غير أن الاكتفاء بهذه القراءات، رغم وجاهتها، قد لا يكون كافيًا للإحاطة الكاملة بدينامية مرحلة تتسم بتسارع المتغيرات وتشابك مستويات القرار. فإلى جانب المسارات السياسية التي تحكم هذه السيناريوهات، يبرز متغير آخر يعمل في الخلفية، ويتمثل في البعد التقني للبرنامج النووي الإيراني، باعتباره عاملًا لا يناقض هذه السيناريوهات بقدر ما يضغط على شروط استمرارها. فالتقدم المفاجئ في هذا المجال، سواء عبر نسب التخصيب أو تقليص زمن الاختراق النووي، لا يُلغي الخيارات الدبلوماسية أو التصعيدية المطروحة، لكنه يعيد ترتيب أولوياتها، ويحدّ من هوامش المناورة الزمنية، خصوصًا من منظور الحسابات الأمنية الإسرائيلية.

وبالموازاة مع ذلك، فإن تجاهل أثر التحولات في البيئة الدولية، ولا سيما الدور غير المباشر لروسيا والصين في دعم قدرة إيران على الصمود، قد يؤدي إلى المبالغة في تقدير فاعلية أدوات الضغط الاقتصادي. فهذه الأدوات لم تعد كافية لفرض تحولات سريعة، بقدر ما باتت جزءًا من إدارة طويلة الأمد للتوتر، وهو ما ينسجم مع استراتيجية طهران القائمة على كسب الوقت دون حسم.

أخيرا وليس آخرا، قد تكون السيناريوهات المقدمة بعيدة التحقق ولكنها مع ذلك تساعد في قراءة الوضع ضمن سياق أوسع، يأخذ بعين الاعتبار تداخل المتغيرات التقنية والدولية مع القرار السياسي، في مشهد تتسارع فيه التحولات بما يجعل أي مسار عرضة لإعادة التشكّل في أي لحظة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد