الرائدة في صحافة الموبايل

من الرسوم الجمركية إلى سلاسل الإمداد.. كيف تغيّر الحرب التجارية ملامح الاقتصاد العالمي؟

تشهد الساحة الاقتصادية العالمية في السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في حدة الحرب التجارية بين القوى الاقتصادية الكبرى، في ظل تزايد الاعتماد على الرسوم الجمركية والقيود التجارية كأدوات للضغط الاقتصادي. ومع استمرار التوترات الجيوسياسية وتغير موازين القوة في التجارة الدولية، أصبحت الحرب التجارية أحد أبرز العوامل المؤثرة على حركة الأسواق وسلاسل الإمداد وأسعار السلع عالميًا.

ومن المتوقع أن يسجل الاقتصاد العالمي نموًا يقارب 2.6% إلى 2.7% في أفق 2026، وهو مستوى أقل من متوسط ما قبل جائحة كورونا، وسط تحذيرات من أن تأثير الرسوم الجمركية وحالة عدم اليقين الاقتصادي قد يصبح أكثر وضوحًا خلال الفترة المقبلة.

ويُقصد بالحرب التجارية الصراع الاقتصادي بين الدول الناتج عن رفع الرسوم الجمركية أو فرض قيود تجارية من طرف دولة ما، ما يدفع الدول المتضررة إلى اتخاذ إجراءات مماثلة. وقد برز هذا النهج بشكل خاص مع السياسات التي انتهجتها الولايات المتحدة تحت شعار “حماية الاقتصاد الأمريكي والعمالة المحلية”.

في هذا السياق، شهدت التجارة العالمية تحولات متسارعة، خاصة مع توجه الولايات المتحدة إلى رفع الرسوم الجمركية على الواردات الصينية، في إطار سياسات تهدف إلى حماية الصناعات المحلية وتقليص الاعتماد على الخارج. لترد الصين بدورها برفع الرسوم الجمركية على عدد من السلع الأمريكية إلى مستويات تجاوزت 100%، ما أدى إلى تصعيد واضح انعكس على الأسواق العالمية.

وقد أفرزت هذه السياسات موجة من الإجراءات الانتقامية المتبادلة، أدخلت الاقتصاد العالمي في دائرة من الضغوط المتزايدة، مع تراجع حجم التبادل التجاري وارتفاع منسوب عدم اليقين، وهو ما أثر سلبًا على الاستثمار والاستهلاك وسلاسل الإمداد. كما حذّرت مؤسسات دولية من أن استمرار هذه التوترات قد يؤدي إلى تباطؤ ملموس في نمو التجارة العالمية والإنتاج خلال السنوات المقبلة.

ومن أبرز تجليات هذا الصراع، أزمة فول الصويا، الذي يُعد سلعة استراتيجية في التجارة العالمية. فالصين تُعتبر أكبر مستورد لهذا المحصول، في حين تُعد الولايات المتحدة من أبرز المنتجين والمصدرين. ومع تصاعد الرسوم الجمركية، اتجهت الصين إلى تنويع مصادر الاستيراد، خصوصًا نحو البرازيل والأرجنتين، ما أدى إلى تراجع حصة الولايات المتحدة من السوق الصينية. كما تشير البيانات إلى أن الصين استوردت نحو 105 ملايين طن من فول الصويا في 2024، ولم تتجاوز حصة الولايات المتحدة منها 21%، مقارنة بنسب أعلى بكثير قبل اندلاع النزاعات التجارية.

مما انعكس هذا التحول بشكل مباشر على عدد من الولايات الأمريكية في منطقة الغرب الأوسط، مثل إلينوي وإنديانا ونبراسكا ومينيسوتا، حيث تضرر المزارعون بشكل كبير. وفي هذا الإطار، حذّر المزارع الأمريكي رون كيندر من أن استمرار القطيعة التجارية مع الصين قد يقود إلى “انهيار اقتصادي كبير” في حال عدم التوصل إلى اتفاق قريب.

هذا ولم تقتصر تداعيات الحرب التجارية على القطاعات الإنتاجية فقط، بل امتدت إلى المستهلكين، من خلال ارتفاع أسعار السلع المستوردة، لا سيما الإلكترونيات والمنتجات الغذائية، إلى جانب تباطؤ نمو الأجور مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة، ما زاد من الضغوط التضخمية رغم التراجع النسبي للتضخم العالمي.

كما تأثرت دول الخليج بهذه التطورات، خصوصًا السعودية، حيث أدت مخاوف التباطؤ الاقتصادي العالمي إلى تقلبات في أسعار النفط، ما انعكس على الإيرادات. وفي المقابل، استغلت السعودية هذه التحولات عبر جذب الاستثمارات الصناعية الباحثة عن مواقع لا تخضع لرسوم جمركية مرتفعة، في انسجام مع مستهدفات رؤية 2030.

وفي المحصلة، لم تعد الحرب التجارية مجرد خلافات جمركية عابرة، بل تحولت إلى عامل هيكلي يعيد رسم خريطة التجارة العالمية، ويفرض على الدول البحث عن نماذج أكثر مرونة للتكيف مع اقتصاد عالمي يتجه نحو مزيد من الانقسام وعدم اليقين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد