المسلسلات في رمضان.. بين الترفيه وإعادة تشكيل الوعي المجتمعي
دنا بريس – أمنية الوزير
لماذا ننتظر مسلسلات رمضان كل عام بشغف؟ ولماذا تتحول بعض مشاهدها إلى حديث البيوت ومادة للنقاش اليومي؟
ليس الأمر مجرد ترفيه عابر، بل لأن شهر رمضان يشكّل سياقًا نفسيًا خاصًا، ترتفع فيه الحساسية الانفعالية، وتزداد فيه لحظات القرب الأسري، ويتكثف فيه التفاعل الاجتماعي. في هذا المناخ المشحون بالعاطفة والحميمية، لا تكون الدراما مجرد تسلية، بل تصبح فاعلًا نفسيًا يعيد ترتيب مشاعرنا، ويؤثر في قيمنا، ويعيد تشكيل وعينا الجمعي بهدوء.
الدراما لا تعبر وجداننا مرورًا عابرًا؛ فنحن لا نكتفي بالمشاهدة فقط بل ننخرط داخل المشهد. ما إن نتعاطف مع شخصية حتى يتشكل ما يسميه علماء النفس “التماهي النفسي”، فنغادر موقع المتفرج إلى موقع الشريك في التجربة. فتتلاشى المسافة بيننا وبين الشاشة، وتتحول الحكاية إلى مرآة نرى فيها ذاتنا، مخاوفنا، رغباتنا، وطموحاتنا بل وحتى صراعاتنا المؤجلة.
ويعود هذا التماهي ببساطة، لأن الإنسان كائن سردي بطبعه؛ يفهم العالم عبر الحكاية، ويمنح المعنى لما يعيشه من خلال القصص. لذلك، حين نتابع مسلسلًا، لا نستقبل أحداثًا متتالية فحسب، بل ندخل في بناء حكائي نُسقط عليه تجاربنا الخاصة، ونستعيد عبره مواقف من حياتنا، ونُعيد قراءة ذواتنا في ضوء ما نراه.
ومن داخل هذا التورط العاطفي تنشط ما تُعرف بـ“العدوى الانفعالية”. مشهد حزين قد يستدعي حزنًا دفينًا، ومشهد انتصار قد يبعث فينا شعورًا حقيقيًا بالفرح ويرفع هرمونات المكافأة مثل الدوبامين. فالدماغ، عندما تكون التجربة مشحونة عاطفيًا، لا يميّز تمامًا بين ما هو واقعي وما هو متخيَّل؛ لذلك نبكي بصدق، ونفرح بصدق، ونغضب كما لو أن الحدث وقع في حياتنا نحن.
غير أن التأثير لا يقف عند حدود التعاطف والانفعال، فمع التماهي تتسلل المقارنة: نقيس أنفسنا بالشخصيات في الجمال، وفي النجاح، وفي العلاقات، وفي أنماط العيش. وقد تتحول هذه المقارنات، إن غابت عنها المسافة النقدية، إلى مصدر شعور بالنقص أو بعدم الرضا، خصوصًا حين تُقدَّم الصور في قالب مثالي لا يعكس تعقيدات الواقع.
وفي المقابل، تمنحنا الدراما إشباعًا نفسيًا لا يُستهان به؛ فهي مساحة آمنة لتفريغ التوتر، ومتنفس للهروب المؤقت من الضغوط اليومية، وفرصة لاختبار شعور العدالة حين تأتي النهاية منصفة. وعندما تُشبَع هذه الحاجات نشعر بالارتياح والاكتمال، أما حين تُستثار مشاعرنا دون إغلاق عاطفي كافٍ، فقد تترك أثرًا انفعاليًا ممتدًا يتجاوز لحظة المشاهدة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف نستفيد من هذا التأثير دون أن ننزلق إلى تأثر غير واعٍ؟
يبدأ الأمر باختيار محتوى ينسجم مع قيمنا الأسرية ويعززها بدل أن يربكها، وبضبط زمن المشاهدة حتى يبقى الترفيه في حدوده الصحية، ثم بتحويل المشاهدة إلى فرصة للحوار داخل الأسرة، حيث تُناقش القضايا المطروحة بوعي، فتتحول الدراما من استهلاك صامت إلى مساحة تفكير مشترك.
في المحصلة، لسنا نتأثر بالمسلسلات لأنها قوية فحسب، بل لأن عقولنا مهيأة فطريًا للقصص، ولأن عواطفنا تستجيب بطبيعتها للدراما. التأثير لا يكمن في الشاشة وحدها، بل في الطريقة التي نفتح بها للشاشة أبواب وعينا.