الرائدة في صحافة الموبايل

اغتيال خامنئي.. عملية عسكرية في صراع إقليمي أم تكتيك استراتيجي يرسم معالم شرق أوسط جديد؟

هل يمكن قراءة اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي باعتباره مجرد عملية عسكرية في سياق الصراع الإيراني الإسرائيلي؟ أم أننا أمام حلقة جديدة في مسار أكبر لإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط الجديد؟ ولماذا تتكاثر الاغتيالات السياسية في المنطقة في توقيت واحد، مستهدفة رموزاً بعينها في محور المقاومة؟
تطرح هذه الأسئلة نفسها وبإلحاح في ضوء ما يجري في المنطقة، حيث لم تعد الاغتيالات أحداثاً معزولة، بل تحولت إلى أداة تصفية سياسية وعسكرية تُستعمل لإعادة تشكيل موازين القوى.

فبعد اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر 2023، على إثر الهجوم الذي شنته حركة حماس على عدد من المواقع والبلدات الإسرائيلية المحيطة بقطاع غزة، والذي بررته هذه الأخيرة في خطابها بكونه رداً على ما وصفته باستمرار الحصار على القطاع وتدهور الأوضاع الإنسانية فيه، ليشعل مواجهة واسعة غير مسبوقة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية.

غير أن تداعيات هذه الحرب لم تقتصر على ساحة غزة وحدها، إذ سرعان ما امتدت ارتداداتها إلى الإقليم بأسره، لتتخذ المواجهة في الأشهر اللاحقة أشكالاً جديدة، من بينها استهداف قيادات سياسية عليا وميدانية في أكثر من ساحة. ومع توالي هذه العمليات، بدا أن الصراع لم يعد يُدار عبر الجبهات العسكرية التقليدية فحسب، بل عبر ضرب مراكز القرار والرموز القيادية داخل أطرافه المختلفة.

في هذا السياق المتشنج، يبرز اسم المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بوصفه هدفاً ذا رمزية خاصة. فالرجل ليس مجرد قائد سياسي، بل يمثل رأس هرم نظام ولاية الفقيه، ويحمل لقب “آية الله”، وهو منذ سنة 1989 – أي لأكثر من ثلاثة عقود – المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران. ومن هنا فإن استهدافه لا يمكن قراءته كعملية أمنية عادية، بل كضربة موجعة ومربكة موجهة إلى النظام الإيراني نفسه.

وتكتسي عملية استهداف خامنئي بعداً خاصاً بالنظر إلى موقعه في معادلة الصراع مع إسرائيل. فالرجل لم يكن مجرد قائد يجمع بين السلطة الدينية والسياسية في نظام ولاية الفقيه، بل أحد أبرز الأصوات الدولية المعارضة للسياسات الإسرائيلية في المنطقة طوال سنوات، الأمر الذي جعله شوكة في حلق تل أبيب وواشنطن، باعتباره أحد أبرز رموز محور المقاومة. لذلك لا يمكن النظر إلى اغتياله باعتباره مجرد تصفية لشخصية سياسية ذات ثقل، بل باعتباره محاولة لتوجيه ضربة من تحت الحزام إلى المرجعية الدينية والسياسية التي يستند إليها النظام الإيراني.

غير أن قراءة هذا التطور لا يمكن فصلها عن سلسلة أحداث سابقة والتي شكلت سياقاً إقليمياً شديد التوتر. فمنذ اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر 2023، عقب الهجوم الذي شنته حركة حماس على بلدات ومواقع عسكرية إسرائيلية محيطة بالقطاع، شهدت المنطقة تصعيداً غير مسبوق في عمليات الاستهداف التي طالت قيادات الصف الأول في عدد من التنظيمات المرتبطة بمحور المقاومة. ففي 31 يوليوز 2024 اغتيل إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس وأحد أبرز قادتها التاريخيين، في طهران، حيث كان يقيم ويشرف على إدارة العلاقات السياسية للحركة.

وبعد ذلك بأشهر، وبالضبط؛ في 16 أكتوبر 2024، قُتل يحيى السنوار، القائد العام لحركة حماس في قطاع غزة وأحد أبرز مهندسي هجوم السابع من أكتوبر، خلال عملية عسكرية إسرائيلية داخل القطاع. وقد مثل استهداف شخصيتين قياديتين وبارزتين بهذا الوزن داخل هرم القيادة السياسية والعسكرية للحركة مؤشراً واضحاً على انتقال المواجهة من استهداف البنية العسكرية فقط إلى ضرب القيادات العليا التي تشكل مراكز القرار داخل التنظيمات المنخرطة في الصراع.

وفي سياق الحرب نفسها، بررت إسرائيل عملياتها العسكرية الواسعة على غزة بضرورة القضاء على حركة حماس، معتبرة إياها تنظيماً إرهابياً يجب استئصاله، وأن استمرار وجودها العسكري في القطاع يشكل تهديداً خطيراً لأمنها. بل وذهبت في خطابها السياسي إلى توصيف المواجهة باعتبارها دفاعاً عن الوجود.

فقد رأت تل أبيب أن هجوم السابع من أكتوبر 2023 كشف، في نظرها، حجم الخطر الذي يمكن أن تمثله الحركة، وأن استمرارها في السيطرة على غزة يعني بقاء تهديد دائم للدولة العبرية. غير أن هذا التوصيف يثير بدوره نقاشاً واسعاً لدى كثير من المراقبين، الذين يرون أن مفهوم “الخطر الوجودي” أصبح جزءاً ثابتاً من الخطاب الأمني الإسرائيلي، يُستحضر في كل مرة لتبرير العمليات العسكرية الكبرى، حتى عندما يكون ميزان القوى العسكري مختلاً بشكل واضح.

هذا ولا يقتصر الخطاب الإسرائيلي على التبرير الأمني المباشر، بل يستند إلى سرديات تاريخية ودينية راسخة في الوعي السياسي للدولة العبرية. ففكرة “الدفاع عن الوجود” تُستحضر باستمرار في الخطاب الرسمي لتأطير الحروب والصراعات، من خلال استدعاء سردية الخلاص من التهديدات الوجودية التي شكلت جزءاً من الذاكرة التاريخية لليهود.

ولم يقتصر هذا المسار التصاعدي على الساحة الفلسطينية وحدها، بل امتد إلى ساحات إقليمية أخرى. ففي لبنان قُتل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، أحد أبرز القيادات السياسية والعسكرية في لبنان والمنطقة، والذي تولّى الأمانة العامة للحزب سنة 1992 بعد اغتيال سلفه عباس الموسوي في غارة جوية إسرائيلية جنوب لبنان. وخلال أكثر من ثلاثة عقود قاد نصر الله الحزب ليصبح أحد أهم الفاعلين في معادلة الصراع مع إسرائيل، كما رسّخ حضوره السياسي والعسكري داخل لبنان وعلى مستوى الإقليم.

وتشير بعض التقارير إلى أن الضربة ربما سبقتها اختراقات استخباراتية معقدة تمثلت في جمع معلومات دقيقة حول تحركات القيادة ومكان انعقاد الاجتماع وتوقيته، سواء عبر وسائل المراقبة التقنية أو عبر شبكات معلومات ميدانية، وهو ما مكّن من تحديد الموقع بدقة وتنفيذ الضربة في لحظة وجود عدد من القيادات في المكان نفسه.

كما أثار سقوط المروحية التي كانت تقل الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي يوم 19 ماي 2024 في محافظة أذربيجان الشرقية شمال غربي إيران تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية حول ملابسات الحادث، خصوصاً في ظل التصعيد الإقليمي الذي تعرفه المنطقة.

وكان على متن المروحية وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، ومالك رحمتي محافظ أذربيجان الشرقية، وآية الله محمد علي آل هاشم ممثل المرشد الأعلى في المحافظة وإمام جمعة تبريز، إضافة إلى عدد من المرافقين. وكان الوفد قد شارك قبل الحادث في مراسم تدشين سد “قيز قلعة سي” الحدودي بين إيران وأذربيجان إلى جانب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، قبل أن تتعرض المروحية للحادث أثناء عودتها إلى مدينة تبريز.

ورغم أن التحقيقات الرسمية الإيرانية تحدثت عن ظروف جوية صعبة كسبب للحادث، فإن سقوط مروحية تقل رئيس دولة ووزير خارجيته وعدداً من كبار المسؤولين في دولة بحجم إيران، المعروفة بتعقيد أجهزتها الأمنية والعسكرية، فتح الباب أمام تساؤلات عديدة في الأوساط السياسية والإعلامية حول ما إذا كان الحادث مجرد خلل تقني أو حادث عرضي، أم أن عوامل أخرى قد تكون لعبت دوراً فيه، خاصة في ظل الصراع المفتوح بين إيران وإسرائيل وما شهدته المنطقة من عمليات استهداف طالت شخصيات بارزة في محور طهران.

وفي السياق نفسه، لم تكن الساحة السورية بعيدة عن هذه التحولات المتسارعة. فمع نهاية ديسمبر 2024 شهدت البلاد تطوراً دراماتيكياً حين شنت فصائل من المعارضة هجوماً واسعاً قادته هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني، بمشاركة فصائل من الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا. وقد أدى هذا الهجوم إلى انهيار سريع لعدة مواقع عسكرية تابعة للنظام، ما سرّع من تراجع قبضته على مفاصل أساسية من البلاد. وفي خضم هذه التطورات، تحدثت تقارير إعلامية وسياسية عن مغادرة الرئيس السوري بشار الأسد إلى روسيا، وهو ما اعتبره بعض المراقبين بداية مرحلة انتقالية في بنية النظام السياسي السوري بعد أكثر من عقد من الحرب التي اندلعت سنة 2011.

ويرى محللون أن ما جرى في سوريا لا يمكن فصله عن التحولات الإقليمية الأوسع، حيث بدا المشهد بالنسبة إلى كثيرين أقرب إلى إزاحة سياسية أو اغتيال رمزي لنظام عربي ظلّ لسنوات جزءاً من توازنات المنطقة. فبين استهداف القيادات في غزة ولبنان، والتطورات التي طالت بنية السلطة في دمشق، يذهب بعض المتابعين إلى أن الشرق الأوسط يشهد مرحلة إعادة ترتيب عميقة لموازين القوى، في سياق صراع مفتوح تتداخل فيه الحسابات الإقليمية والدولية.

وإذا ما عدنا إلى الهجوم الذي استهدف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، يتضح أنه لم يكن عملية معزولة أو موجّهة إلى شخصه وحده، بل رافقته ضربات طالت شخصيات نافذة في قمة هرم القيادة العسكرية والسياسية في إيران. فقد استهدفت الهجمات أيضاً قيادات بارزة في الحرس الثوري الإيراني، من بينها محمد باكبور، قائد القوات البرية في الحرس الثوري، إضافة إلى شخصيات مؤثرة مثل علي شمخاني، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والمستشار الاستراتيجي للمرشد الأعلى.

إن تتابع هذه الاغتيالات، من غزة إلى لبنان، مروراً بما شهدته الساحة السورية من تحولات أضعفت حضور النظام فيها، وصولاً إلى استهداف شخصيات نافذة داخل هرم القيادة في إيران، يثير تساؤلات جدية حول طبيعة ما يجري في المنطقة. فالمشهد لا يبدو مجرد ردود فعل متفرقة أو عمليات عسكرية معزولة، بل أقرب إلى مسار تصاعدي يستهدف البنية القيادية لمحور إيران عبر ضرب رموزه الأكثر تأثيراً.

ويكتسي هذا التصعيد بعداً رمزياً إضافياً عندما يتزامن مع مناسبات دينية أو تاريخية، فقد توافق الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران مع عيد “البوريم”، وهو عيد يستحضر من خلاله، بحسب الرواية الواردة في سفر أستير في الكتاب العبري، قصة نجاة اليهود في الإمبراطورية الفارسية. وتروي أن الملك الفارسي أحشويروش قد عين وزيره هامان، الذي أقنع الملك بأن اليهود يشكلون خطراً على المملكة وسعى إلى استصدار أمر بإبادتهم.

غير أن المؤامرة انكشفت في نهاية المطاف، لينقلب المصير على هامان ويُحتفل بنجاة اليهود من تلك المحاولة. ويحمل هذا العيد في الذاكرة الدينية اليهودية معاني الخلاص من تهديد وجودي. لذلك فاستحضار هذه الرمزية لا يبدو مجرد مصادفة زمنية، بل يندرج في سياق سردية تاريخية تستحضر الصراع مع ما يُصوَّر بوصفه “التهديد الفارسي” بل أمثر من ذلك، إيحاءً بلحظة ثأر وانتقام تستدعي صفحات قديمة من الذاكرة التاريخية.

وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا تلجأ إسرائيل في كثير من الأحيان إلى استدعاء السرديات الدينية والتاريخية لتبرير سياساتها العسكرية؟ فالمنطق نفسه ظهر في الخطاب المرتبط بالحرب على غزة، حيث جرى توظيف سرديات تاريخية ودينية حول ”الدفاع عن الوجود”.

كما قد يثير توقيت هذه العمليات تساؤلات إضافية، إذ تزامنت بعض الضربات مع شهر رمضان، وهو شهر يحمل قدسية خاصة لدى المسلمين، ما يعزز الانطباع بأن الصراع لم يعد سياسياً فقط، بل أصبح محملاً بدلالات رمزية ودينية متشابكة.

في المقابل، يرى مراقبون أن الهدف الاستراتيجي الأبعد من هذه العمليات قد يكون إضعاف النظام الإيراني نفسه أو دفعه إلى رد فعل يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية أوسع. فاستهداف القيادة العليا لأي نظام سياسي غالباً ما يكون مقدمة لمحاولة إعادة تشكيل النظام أو فرض توازنات جديدة.


غير أن التجربة الإيرانية خلال العقود الماضية تشير إلى أن طهران تميل إلى ما تسميه “الصبر الاستراتيجي”، أي الرد غير المباشر عبر الحلفاء أو عبر أدوات النفوذ الإقليمي، بدلاً من الانجرار إلى مواجهة شاملة.

وهكذا يمكن القول؛ أن قراءة هذه الأحداث لا يمكن أن تنفصل عن السياق الدولي الأوسع. فالنظام الدولي نفسه يشهد تحولات عميقة، حيث تتزايد الانتقادات لما يسمى “النظام الدولي القائم على القواعد”، الذي يرى فيه كثيرون نظاماً يطبَّق بانتقائية، خصوصاً في ما يتعلق بالصراعات في الشرق الأوسط.

لهذا كله، يبدو أن اغتيال شخصية بحجم المرشد الإيراني ليس حادثا أمنيا عابرا، بل قد يمثل حلقة جديدة في مسار طويل من الصراع على مشروع الشرق الأوسط الجديد، صراع تختلط فيه السياسة بالدين، والاستراتيجية العسكرية بالسرديات التاريخية.

لكن في مقابل هذه التحولات المتسارعة، ثمة سؤال يفرض نفسه وبحدة: إلى أي حد يمكن أن تنجح إسرائيل، مدعومة بحليفتها، في إعادة صياغة معالم الشرق الأوسط وفق توازنات جديدة؟ وهل تقبل دول المنطقة، على اختلاف مواقفها بين التطبيع والمهادنة والشراكات الاستراتيجية، أن تتحول إلى مجرد أطراف هامشية في معادلة أمنية تقودها تل أبيب؟

فبين الانفتاح السياسي الذي تشهده بعض العواصم العربية، والتقارب الاقتصادي والأمني الذي يتوسع تدريجياً، يبقى السؤال الأعمق مطروحاً: هل نحن أمام مرحلة تعاون إقليمي جديد قائم على توازن المصالح، أم أمام نظام إقليمي يُعاد تشكيله بحيث تصبح فيه مراكز القرار الحقيقية خارج حدود هذه العواصم؟

في ضوء ذلك، لا تبدو الاغتيالات السياسية التي تشهدها المنطقة مجرد أدوات عسكرية في صراع محتدم، بل مؤشرات على مرحلة أكثر تعقيداً قد تعاد فيها صياغة خرائط النفوذ والقيادة في الشرق الأوسط، وهي مرحلة ستحدد ما إذا كانت المنطقة مقبلة على توازن جديد بين القوى، أم على نظام إقليمي مختلف تماماً عما عرفته خلال العقود الماضية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد