الرائدة في صحافة الموبايل

في نقد جذور الهيمنة الذكورية – بيار بورديو


بقلم كل من الطالبة نوال خلوفي و الطالب أسامة البحري

1 – بقلم الطالبة : نوال الخلوفي طالبة في شعبة علم الاجتماع بني ملال

قبل الحديث عن مفهوم الهيمنة الذكورية لابد من الوقوف على مصطلح الذكوري الذي يعبر عن الدور الاجتماعي المرتبط بالثقافة والطبقة الإجتماعية والنوع ، كما تستخدم كلمة الجسد للنموذج الذكوري، وللكشف أكثر عن هذا المفهوم ومايتعلق به سنركز على كتاب ” الهيمنة الذكورية” لبير بورديو فالهيمنة الذكورية بالنسبة له مازالت قائمة عبر مايسميه «العنف الرمزي ذلك العنف الناعم و اللامحسوس و اللامرئي من ضحاياه انفسهم،الذي يمارس في جوهره بالطرق الرمزية الصرفة للاتصال والمعرفة أو أكثر تحديدا بالجهل والإعتراف أو بالطاعة حدا أدنى» حيت أن بورديو لا يخفي في مقدمة الدراسة دهشته المتواصلة وهو يرى خضوع عالم اليوم لنظام العالم السائد في الأزمنة الغابرة بوجهاته ، فالمركزية الرجولية التي تضع الرجل في موقع المركز وتضع المرأة في الهامش حيت تشكل الهيمنة الذكورية شكلا راقيا من أشكال العنف الرمزي كما يعتبر استيعابها مدخلا رئيسيا في فهم بعض العلاقات الاجتماعيه والسياسيه الموجودة في المجتمع كالعلاقة (بين رب العمل بالعامل) فالتعارض بينهم لا يمكن فهمه الا من خلال الهيمنة الذكورية التي تشيع ممارستها على الصعيد الكوني باعتبارها ظاهرة طبيعية، متجذرة في اختلاف الجنسين. بيد أن هذه الهيمنة في الواقع هي نتيجة بناء تاريخي مُقام انطلاقا من عناصر متماثلة. على هذا النحو نفكر هيمنة مقولات الفكر التي تعتبر هي نفسها نتيجة لهذه الهيمنة. على قاعدة الاختلاف الفيزيولوجي الملاحظ، يقوم نظام من التصنيف كوني يقابل في جميع المجالات بين الأعلى والأسفل، الحار والبارد، النشيط والسلبي، الثمين والزهيد، القوي والضعيف.
لبناء هذه الأركيولوجيا الموضوعية في لاشعورنا ومن ثمة يبين بالتفاصيل كيف يسقط مجتمع ما، تشغيل رأسماله الرمزي (الشرف) على التقابل مذكر – مؤنث، بإعادة تفسير معطيات الحياة الاجتماعية والرمزية بحسب هذا التقابل الأولي. إن سلطة الرجال وشرفهم هما اللذان يقتضيان أن تعمل النساء في المنزل، وهذا يجد تبريره في كونهن ضعيفات غير قادرات على التصدي للأعداء،يؤكد بورديو أن الاختلافات المرئية بين الجسدين الذكوري والأنثوي تغدو هي ضامن القيم المصنوعة غير القابل للنقاش. تصور رهيب ما دام يشرعن علاقة الهيمنة بتسجيلها في طبيعة بيولوجية هي بدورها بناء اجتماعي مُطبَّع و إن التقسيمات المكونة للنظام الاجتماعي أي علاقات الهيمنة و الإستغلال تنطبع في طبقتين مختلفتين من الهابيتوس على شكل تخلقات جسدية متناقضة ومكملة لبعضها البعض ،حيت تنطبع في مبادىء الرؤية والتقسيم لكي تصنف كل شيء في الكون انطلاقا من المؤنث و المذكر التي يجد فيها العنف الرمزي الشروط الضرورية للنمو والبقاء.
✓تصور الأنثروبولوجية حول الهيمنة الذكورية :
تشرح الأنثروبولوجيا تاريخ هيمنة الرجال على النساء، وكونها تعيش اليوم في مجتمعاتنا الحديثة؟ وفي هذا الصدد يطرح تساؤل مهم :
لماذا حدثت تصورات غير متكافئة بين الرجال والنساء؟ المسألة ليست مسألة دونيّة جسدية وبيولوجية، أو تبعيّة نفسية أو عقلية؛ بل المسألة مسألة تصوّرات عقلية. ولتفسير العنف الحالي، من الضروري أن نفهم ما يعود، في أذهان البشر، إلى السلالات القديمة. فبغض النظر عن الاختلافات التي يمكن أن نلاحظها من مجتمع إلى آخر، فقد تصوّر الإنسان العاقل نموذجاً هرمياً يستند إلى القيمة التي ينسبها الرجال إلى الاختلاف بين الجنسين، من هذه الملاحظة، بنظر عالم الأنثروبولوجيا إلى كيف سأل الرجال أنفسهم ثلاثة أسئلة أساسية: لماذا يوجد جنسان؟ لماذا الأنثوي وحده هو الذي يحبل وينجب في آنٍ الشبيهَ والمختَلِف، بينما المذكر لا يمكنه فعل أي شيء؟ ولماذا لا بد من علاقات جنسية؟
قد كان الاعتقاد السائد أنّ الرجال هم أصل الأطفال والمجتمع وهذه الفكرة كانت عند أرسطو.اذن ما هي الإجابات التي أعطيت لهذه الأسئلة عبر التاريخ؟
ففي معظم المجتمعات، كان الاعتقاد السائد هو أنّ الرجال يضعون الطفل في المرأة من خلال الحيوانات المنوية، الرجال هم أصل الأطفال والمجتمع، نجد هذه الفكرة في كل مكان عند أرسطو، وفي الثقافة اليونانية، على سبيل المثال،وفي قبيلة غرب إفريقيا، و عند السكان الهنود و الآسيويين، في بعض الثقافات، يقال إنّ الأجداد، وهم آلهة صغيرة أو من الجن، كانوا يضعون في جسم النساء بذوراً محدّدة للجنس، ثم ترشّ بعد ذلك بحيوانات الرجل المنوية. لا بدّ من الوسيط الذكر، كي تأتي هذه البذور إلى العالم.
إنّنا نجد آثار طريقة التفكير هذه في نقوش القرن السادس عشر حيث نرى جسد المرأة، وهي ترتدي زيّ ذلك الزمن، في حلة مصنوعة من الياقات، مع الرحِم، ورفوفاً صُفّت فيها فتيات صغيرات، وصبية صغار بأثواب بلا كُم…، “الرجل يضع الطفل في جسد المرأة” كان يعني في نظرهم أنّ الطبيعة أو الآلهة هي التي أرادت ذلك وأن
هناك فرضية تقول: هيمن الرجل على المرأة لأنّه لا يحمل، حيت أن الهيمنة لا تمليها الطبيعة
لأن العلاقة بين الرجال والنساء هي علاقة هَيمنة، ولا يوجد شيء تمليه الطبيعة، وهي في الوقت نفسه، علاقةٌ موجودة في جميع مجتمعات العالم.حيت ثم طرح الفرضية القائلة إنّ في الأساس الاجتماعي، هناك هيمنة الرجل على المرأة، وأنه أوّل نظام عقائدي عظيم لأنّ الرجال لا يحملون بأجسادهم مباشرة، بينما تحبل النساء بالفتيات والفتيان، هكذا جعل الرجال أجساد النساء متاحة لهم، وقد أدّى هذا إلى سلسلة من التطورات التقنية التي حرمت المرأة من حرية استخدام جسدها بحرية فهي تنتمي إلى الرجال، إلى الأب، والأخ، والعمّ، …، الذين يعطونها إلى زوج ويقرّر هؤلاء الرجال مصيرها. هذا منذ أعماق البشرية منذ قدم الإنسان، حتى اليوم. حيث تبين أن علاقة الرجل أقدم من المرأة أي أقدميّة الذّكر على الأنثى، مسألة “الأقدمية” هذه لا ينبغي الاستخفاف بها حيت يمكن أن نسميها «التكافوء التفاضلي للجنسين» و قد نشأت علاقة تفوّق الرجل على المرأة بصفته سابقاً لها، وبالطريقة نفسها التي صار فيها الوالدان أقدم من الأطفال، والذكور البكر أقدم من الأصغر سناً،قد نشأت العلاقة التي جعلت الفتيات دائماً “صغيرات” الذكور، أي الأقل شأناً.
ويمكن طرح سؤال مهم.

هذه الهيمنة الذكورية تتحقق بأيّ نوع من الوسائل؟

من خلال أنظمة تمثيل رمزية تتركز آثارها العملية في حبس النساء في الحياة المنزلية، داخل المنزل الذي يجب عليهنّ المكوث فيه، وتحت تبعيتهنّ للرجل حيت أن في أحداث كولونيا، نجد فكرة أساسية وقوية ومثالية هي أنّ جسد المرأة يعرض على الرجال، فهو متاح لهم في الفضاء العام، فهو ينتمي إلى جميع الرجال، ويبدأ هذا من صافرة الإعجاب إلى القاصرة في الشارع، التي لا تبدو ضارة، إلى الراشدة، مع الاغتصاب، مع أحياناً التعذيب والموت. فعندما نشرع بدفن النساء أحياء؛ لأنهنّ تعرّضن للاغتصاب، فنحن على طول الموجة نفسها، فمن الفتاة القاصر إلى الراشدة لا يوجد سوى تباين بسيط في الحدّة.
و مساحة الشارع ليست أنثوية
لكن عند الرجل الغربي الذي يصف نفسه بالديمقراطي والحداثي، هناك دائماً فكرة أنّ المرأة خير لها أن تمكث في المنزل وأنّ جسدها، ما دام لا ينتمي إلى رجل آخر، فهو متاح لجميع الآخرين، لحماية هؤلاء النساء من هؤلاء الرجال، من الأفضل إخبارهنّ بعدم الخروج.
سواء كان الأمر صغيراً أم كبيراً، فالفكرة هي نفسها: النساء موضوع الرغبة، ولأنهن كذلك، فإنهن قابلات لأن يسيطر عليهنّ الرجال، أفضل طريقة لتجنب هذا، هو الاحتفاظ بهنّ في المنزل وحبسهن، سواء في المنزل أو تحت الحجاب و أن الفكرة شائعة في كلّ تاريخ البشرية:” النساء أجساد، وأرحام، ومواد” والجسد الأنثوي كان إذاً تحت تصرف الرجال؟
نعم، وذلك بقصد جعلهنّ ينجبن، تمتد هذه الفكرة عبر تاريخ الإنسانية: النساء أجساد، أرحام، مواد، أواني طهي، الاستعارات الطهوية التي نجدها في إفريقيا أو اليونان، لشرح دور القدر الذي يطهو فيه الرجل أثمن ما عنده، حيت ان الرجال لديهم السلطة والحق المطلق على جسد المرأة، النساء ينظر إليهنّ على أنهنّ فتيات صغيرات وأطفال، خاضعات ، يقال في العديد من المجتمعات إنّ صلة الرجال بالنساء، كصلة الآباء بالأطفال، وصلة الأكبر بالأصغر سناً، فهم إذاً متفوقون، وهنّ أقل شأناً، كل شيء يحدث على هذا النحو، مع هذا التصور، حتى يتمكن للرجال من الحقّ في جسم المرأة،
إن المعاينة التاريخية والأنثروبولوجية ترى إنّ أجساد النساء متاحة للرجال. وهذا، مع تسلسل آلاف السنين، أدى إلى مصير معيّن، وهذا الموقف ظلّ مستمراً، وكانت النتيجة الثقافية والاجتماعية رهيبة إنّها الاستحالة بالنسبة إلى النساء أن يقرّرن ما يحدث لأجسادهن، كلّ عملي يقوم على الكشف عن الكيفية التي تصوَّر بها النساء “صغيرات”، وفي أفضل الأحوال أشياء يجب حمايتها، وفي أسوأ الأحوال أشياء للاستغلال، لا أشياء مثل مزهرية، رغم أنّ النساء يشبّهن أحياناً بـ “الأواني الفخارية”وإن حالة المواطن الذهنية يجب أن تتغير ، يجب أن نلاحظ أيضاً تقدم المساواة، أي المجتمعات تطورت.
إذا كانت الأمور قد تغيّرت في الدول الغربية، فبطبيعة الحال ما يزال الوضع مروّعاً في كل مكان آخر ففي جزء كبير من الإنسانية لا تستطيع النساء أن يقرّرن اختيار أزواجهنّ، ولا عدد الأطفال الذين سيلدنهنّ، أو متى، أو كيف. فلا خيار أمامهن سوى المعاناة، فهنّ لا يملكن حقّ منع الحمل أو تحديده، ولا يمكنهنّ الكشف عن أجسامهنّ عند الضرورة، خاصة لأطباء ذكور، ولا يسعهنّ الحصول على العلاج بحرية في بعض المجتمعات. خضوعٌ مزدوج: (جسدك ليس ملكك) استحالة وصول النساء إلى المعرفة لأنه رغم أنّ اليونسكو تُخبرنا بأنّ هناك زيادة مطردة في تعليم الفتيات، يجب أن نكون حذرين الإحصائيات التي نحصل عليها يجب أن تأخذ في الاعتبار ليس فقط الدخول إلى المدرسة، لكن التخرج أيضاً. نكتشف أنهنّ في بعض الأحيان لا يمضين سوى عامين فقط في المدرسة الابتدائية حيث يتم إخراجهن في وقت مبكر، حتى لا “تُشوّههن التربية والتعليم” كثيراً بحيث يمكن تزويجهنّ وفق التقاليد.
في بلادنا الغربية، هناك ظاهرة ما تزال قوية عدم المساواة في وصول المرأة إلى أوضاع السلطة، الصعود في السلم المهني أو السياسي ما يزال صعباً، ما يزال هناك الكثير مما يجب القيام به، إنّ هذا الظلم وعدم المساواة موازيان لنظام من التصورات العقلية، وهو نظام دائم من الاحتقار والتشويه، و الهيمنة الذكورية متجدرة بعمق في بنية اللاوعي الجماعية الأفراد، عبر نظام كوني كوسمولوجي ممتد تارخيا ، متغلغل في الممارسات العادية واليومية للشعوب حيت كان فضاء البحر الأبيض المتوسط خاصة المجتمع القبائلي مسرحا واضح المعالم يفضح هذه الهيمنة المترسخة بصورة كبيرة .
وبالعودة الى كتاب ” الهيمنة الذكورية ” قام بورديو بقراءة مجتمع القبائل (مجتمع الحسي العملي) قراءة سوسيولوجية تحليلية لإزاحة الستار عن اللاشعور التاريخي، كاشفاُ عن ان الهيمنة الذكورية تشبع ممارستها على الصعيد الكوني باعتبارها ظاهرة حقيقية متجددة في الاختلافات الجنسية. وهي نتيجة بناءات تاريخية مقامة انطلاقاً من عناصر متماثلة، سواء كانت في المجتمعات الاوروبية او المجتمعات العربية والاسلامية، هذه السلسلة من المتضادات والثنائيات بحسب التعارض بين المذكر والمؤنث باعتباره تقسيماً اعتباطياً في حال كان معزولاً، يتلقى ضروراته الموضوعية والذاتية من خلال ادراجه في نسق تعارضات متجانسة، اعلى/ اسفل، فوق/ تحت، يمين/ شمال، جاف/ رطب ، مضيء/ معتم، هذه التناقضات المتشابهة في الاختلاف متطابقة بما فيه الكفاية لتدعيم بعضها بعضاً في لعبة لا تفنى من التحولات العملية والاستعارات وهي متباعدة بما فيه الكفاية لتضفي على كل واحد منها نوعاً من السمك الدلالي. حيث ان التصنيف الاول يرمز الى الذكورة اما الثاني فهو يرمز الى الانوثة بوصفه معطى انثربولوجي. حيث يتم من خلال هذه الثنائيات وضع الرجل في المركز اما الانثى فقد يتم وضعها في الهامش.
هذه الرؤية الذكورية تفرض نفسها كأنها محايدة.

2 – بقلم الطالبة أسامة البحري – طالب في شعبة علم الاجتماع بني ملال
الجسد الأنثوي و الذكوري ، بين المجتمع و السلطة :

يرى بورديو في هذا الصدد ، أن النظام الطبيعي ، يشرع للجسد الذكوري عبر قضيبه الذي يتدلى و ينتفخ ، هيمنة تميزه عن الجسد الأنثوي ، بكون أن الجسد الأنثوي يفتقر إلى أجساد متحكم فيها ، و هذه المفارقة paradoxe حسب بورديو ساهمت في خلق تمثلات ، تمخضت عنها ملفوظات و خطابات منظمة ، تعرف داخل الإطار الإجتماعي بالمعتقد doxa ، أو بتعبير فوكو “شرطة الملفوظات *” ، هي من قسمت الأدوار و الأشياء ، فجعلت بذلك في الإجتماعي نظاما و استعدادا ثقافيا ، تلعب به السلطة لعبة الهيمنة الذهنية و الجسيدية خلف الواقع الإجتماعي (بكواليس المجتمع) ، و لهذا ف”انتظامات النظام الفيزيائي : البيولوجي ، و النظام الإجتماعي : الثقافي ، تفرض و ترسخ الإستعدادات ، و تستبعد النساء عن المهمات الأكثر نبلا ، و تخصص لهن أماكن سفلية ، و تعلم كيفية التعاطي مع أجسادهن منحنيات ، و الذراعان مطويتان الى الصدر أمام الرجال المحترمين ، و تخصصن لمهمات حقيرة كنقل سماد النعام
و بهذا ، فإن الغاية الأسمى من الجسد بكونه ثلة من السلوكات ، هو أن يتحد مع ذهنه المحشو بالتمثلاث / الصور – ذهنية – إجتماعية ، و مادامت السلطة تحيط بالذهن من كل المواضع في طفولته ، فإنها تصبح كما يسلم ميشال فوكو داخل ذهنه ، من أجل قيامه بدور مراقبة الأفراد و الدفاع عن الثقافة التي تخدم السلطة ، فإذا كان الذهن في طفولته يستمتع بالطقوس المخطط لها ك”الأعياد / الصلاة / الأشكال الثقافية / الروائح الثقافية / الأغذية الثقافية ” ، فإن هذه المبادئ تلف بالجسد عبر كل أبعادها ، محققة بذلك إعادة لطاقة الماضي ، فحينما يدرك الجسد عبر حواسه المثيرات الإجتماعية ، كصوت الآذان بالشارع ، أو رائحة أكلة ثقافية ك”الحريرة مثلا” ، أو يتذوق طعما “كلشاي” أو يدرك لونا كألوان الشرطة (احمر / اخضر) ، أو يرى شكل المنزل الرباعي او المستطيل ، أو الآيات القرآنية صوتا و كتابة ، فإن كل هذه المثيرات تنعش الماضي ، مما يؤدي الى تجديد طاقة الانسان الآلي أو المدجن ، فدور هذه الأجزاء هو إنعاش الصور الذهنية الإجتماعية داخل الدماغ ، و هذا ما يؤدي الى التحكم في السلوكات ، فالصور السوسيو ذهنية اذن ، هي مبادئ نكتسبهامن الخارج و بفعلها نخلق صورا ذهنية نتوهم أنها من إبداعنا و لكنها في الأصل انقسام عن المبادئ الأولى ، و بهذا فان السلطة هي من تنقسم و تتفرع داخل الدماغ ، و لذلك فحينما تدخل الأنثى إلى منزلها ، فإن السلطة تستدير بها عبر ألفاضها الموجودة بكل جزء من المنزل ، و التي تعيد احياء الصور السوسيو ذهنية في استمرار (الكوزينة / الثلاجة / الناموسية / التفازة / الأفلام الأجنبية المدبلجة بألفاظ الثقافة العربية ، و التي تخلق أجسادا منفصمة ، بسبب دفاعها عن الحرية و اللاحرية: الممثلات = متحررات ، الممثلين : متحررين _ اللغة : ثقافية -ذكورية ) ، و بالنسبة للذكر المستعد ثقافيا للخروج الى الطبيعة ، فإن السلطة تستدير به أيضا باشكالها “(انتصاب اعلى البناية التي تدافع على ذكورته المنمطة ، و بذلك يحفز دوره على الإستمرارية (إستمرارية قهر الأنثى من أجل الإمتثال لصوت الذكر / حشو الذكر الناشئ من أجل تجسيد دور المراقب الرمزي للثقافة خارج المنزل و داخله ) و بهذا فإن الأفراد يشتغلون في استمرار مع السلطة ، فحينما تسمع الأجساد صوت الآذان ، فإن كل مكونات الماضي تتفاعل ، فتحرك بذلك سلوكات الطقوس اليومية للأجساد ( الحفظ بدون فهم / سلطوية التدريس و التلقين بالضرب : الإمام = المدرس = العصى : لا تتكلم كثيرا ) (الأشكال المحيطة بالأجساد: صور الأنترنت الموجه للشابات ، الشباب من أجل تفادي خاصية الاستعداد للنقد ، الموجودة قبليا مع شروط المعرفة * ، و لهذا فمادامت الأم لها عبر التنشئة الاجتماعية استعداد لتدجين ابنتها على الخضوع ، و الاب له استعداد لتدجين ابنه على الهيمنة ، فإن السلطة المدجنة من طرف كواليس أنظمة أخرى ، لها وجود مسبق على تدجين الجنسين معا ، فالسلطة كما ينعتها فوكو موجودة في كل مكان (بالحائط و بالذوق و بكل سلوك معقد و بسيط ) ، ففي هذا الصدد نجد أن بسنة 1964 ، ظهر علم “الحفاظ على التراث الثقافي ” بأوروبا ، و أصبح الآن من بين القوانين الأساسية بكل مجتمع ، ترعاه في استمرارية اليونيسكو و البنك الدولي و غيرها من المؤسسات العالمية ، فالغاية الأسمى منه هو ترميم البنايات القديمة داخل المجتمعات ، و الحفاظ أيضا على جل الألفاظ الثقافية التي تخص الجماعة ، و لكن كما يتضح لنا في سياق تحليلنا ، الغاية الأسمى من هذا العلم هو تطويق الإنسان المدجن و الآلي داخل درجة تفكيره

: إيمانويل كانط – نقد العقل الخالص
لأننا حينما نتكلم عن بناية قديمة ، فإننا نتكلم عن خطاب عاصرها ، يعبر عن درجة تفكير معينة ، و إذا ما أردما أن نقارن بين درجة الفكر العربي الذي حصرت خطاباته الثقافية ، خلف الأسوار و المعمارات المؤدلجة لعلم الحفاظ على التراث العالمي ، مع تماثيل الفلاسفة داخل المجتمعات الغربية ، فإنه سيتبين لنا الفرق الشاسع بين النظامين الإجتماعيين .

البناء الإجتماعي للأجساد

تختلف كما نعلم ، الطريقة التي بها يجنس الذهن و يبنى بها الجسد ، فإذا كان الذكر كما يسلم بورديو ، يتم إخراجه من العالم الأنثوي “المنزل ” منذ طفولته ، و يتم ادماجه في العالم الذكوري (السوق) (المقهى ) (الحرية في التجوال بين كل أحياء المدينة ) ، فإن الأنثى ، يفرض عليها منذ طفولتها عدم الإبتعاد عن عتبة المنزل ، ثم “تعلم اللبس و اختيار مختلف الألبسة المناسبة لمختلف حالاتها المتعاقبة : طفلة صغيرة ، عذراء ، بالغة ، زوجة ثم ربة بيت ، فتكتسب شيئا فشيئا بالمحاكاة اللاواعية بقدر الطاعة العلنية ، الطريقة الأفضل لربط حزامها (اللباس الطويل ) ، تغطية شعرها ، تحريك او تثبيت هذا الجزء او ذاك من جسدها في السير أو عرض الوجه أو تصويب النظر 10 ” ، فلكل منطقة من الجسد ، صورة سوسيو ذهنية مهيأة لتتحكم في سلوكاتها ، و بفعل اتحاد هذه الصور – الذهنية – اجتماعية يتكون منتوج الانسان الثقافي ، الذي يتميز بنمط من اللباس و طريقة في العيش ، فحينما نتكلم على اللباس الطويل المخصص للأنثى ، فإننا نتكلم عن رموز ثقافية و غايات تشرعها السلطة ، كالأنثى كائن سلبي و كسول – يحمل كنزا ثقافيا : الرحم و يصاب بالدورة الشهرية ، زد على ذلك أنواع السراويل المعاصرة ، كالسروال المخصص للأنثى الذي يفوق البطن ، فهذا السروال في بعده الرمزي / المغربي ، تم تأويله بأنه سروال لإظهار الخاصرة رغم ان السروال الذكوري المغربي منذ ظهوره كان يظهر أيضا الخاصرة ، و بهذا فإن المعنى الرمزي الذي تم اسقاطه على شكل السروال الانثوي المعاصر يتمثل على النحو الاتي (الحزام: الوعي الاجتماعي للانثى المغربية = مبتعد كليا عن التحكم في عضوه التناسلي (الرحم ) ، و يعتبر حمل السروال في استمرار بالشارع “ذكور / اناث ” ، تعبيرا عن فقدان الذهن حقه الطبيعي في تلبية رغبته العاطفية و الجنسية ، و يعبر ايضا السروال الممزق و السروال الفضفاض و السروال اللامحكم او السروال الضيق ، عن تجاوز النظام بسبب تدخل هذا النظام في إبعاده عن الجسد الذي يجب ان يكونه

تصميم أدوار النوع الجسدي :

كما سلمنا آنفا ، الانثى تعتبر في المخيال النمطي الاجتماعي : كائن سلبي ، “لأن النساء لكونهن يقعن في تصنيفات (الداخل / الرطب / الأسفل / المنحني / المتصل – يعهد اليهن بكل الأعمال المنزلية أي الخاصة و المختبئة ، لا بل اللامرئية أو المخجلة ، كرعاية الأطفال و الحيوانات ، و كذلك كل الأعمال الخارجية التي أعطاها لهن العقل الأسطوري 11 ” ، فهي ثانوية بالمعنى الإستلابي للذهن ، لأنه حينما نتكلم عن الفرق بين الجلباب الأنثوي و الجلباب الذكوري ، يتضح لنا قوة المفارقة بين الجسد الانثوي و الذكوري ، فالأول : أنثى = يفرض عليها لا شعوريا عدم حمل الجلباب أعلى الركبتين ، أما الجسد الذكوري فكثيرا ما نلمح جلبابه الذي يحمل اعلى الركبتين في استمرار ، فالثاني يقابل بابتسامة و شعور بالرضى الثقافي على سلوكه الثقافي ، أما الجسد الانثوي فيقابل بالرضى الثقافي كلما طأطأت رأسها خلف الذكر ، ومما لا شك فيه أن هذه الأبعاد لازالت حية داخل الأذهان التي تدعي الحداثة الجسدية و الفكرية ، فمادامت السلطة خلف أسوار الأدوار المرئية للسلوكات ، تدافع عن القوانين ذاتها التي كانت ، فإن الصور السوسيو ثقافية ، ستظل تتكاثر عبر الزمن الاجتماعي ، لأنه حينما نلاحظ تحركات أعين الشابات و المراهقات بالشارع ، فإننا نلاحظ صورة العبودية التي كانت ، مصطبغة بلون العصرية و الحداثية ، كعدم القدرة على التعبير سواء من ناحية نسج الجمل ، أو من ناحية إيقاع الصوت ، فما نسمعه في استمرار بالشارع من أصوات أنثوية ، صوت عال يعبر عن عدم الثقة و عدم الرضى بما يتم التلفظ به ، أو صوت خافت بدون تحركات اليدين و الجسد و بمعزل عن نظرة حادة تحيل على الوعي بما يتم التفوه به ، و كذلك الذكر فمعظم الجمل بناؤها يكون متقطعا ، و منطوي تحت لواء بعد رمزي واحد هو ممارسة الجنس ، و لهذا نفهم من كل ما تطرقنا له انفا ، أنه لا يوجد سلوك أو خطاب لا توجد فيه السلطة ، فنشاط الذهن الطبيعي لا يكتمل بسبب اختراقه من طرف أجهزة السلطة ، لأن استدارة الوعي حوله من اجل توجيه شرارة النقد ، تتعطل في كل ادراك يقوم به الذهن ، فالذهن كما سلمنا يتكون أساسه من كل الصور الذهنية الاجتماعية التي مررتها السلطة باحكام مما يصبح له ماض مخطط له، و بذلك يصبح للذماغ ماض ميغناطيسي ينجذب لكل اشارة تضعها السلطة في الشارع او داخل المنزل ، و هذا بالضبط ما يؤدي إلى إعادةإنتاج طاقة الانسان المدجن صباحا و مساء ، و لذلك فحينما يتقابل الجسد الانثوي المغربي بالجسد الذكوري ، فإن الجزيىات التي تحيط بهم تتداخل مع أجسادهم “نظرة حادة من الأغيار ، تؤدي الى طأطأت رأس الأنثى ” ، خوف الذكر من الشرطة تؤدي الى لاتوازنه العقلي ، فقبل خروج الذهن الانثوي الى الشارع ، يكون هنالك استعداد تخلقه الصور الذهنية اجتماعية كصورة الإقصاء من الوجود المتطبعة بها ، و بذلك يكون لها علم بأن بالشارع يقع تحرش جنسي / الاغتصاب / السب / الشتم ، و بذلك يصبح دورها خارج المنزل هو تلقي السلوكات، على عكس الذكر الذي له استعداد اجتماعي للاندفاع الى الانثى

، فهنا يحضر رمزيا “القضيب المنتصب ” و بذلك فمع أول إثارة للبيدو المكبوت (القوة الجنسية المكبوتة ) ، تشتغل اول صورة ذهنية اجتماعية تطبع بها حول الهيمنة الذكورية(الرجل فأس يحفر في كل مكان / أنت قوي …) ، فيتمخض بذلك تسلسل من السلوكات ،(قد يصل الى العنف او القتل ) و هذه الإستدارة السلوكاتية التي يعاد إنتاجها صباحا مساء ، تتداخل فيها كل المؤسسات الإجتماعية و السياسية من اجل الحفاظ على ابتعاد الأجساد عن المواضع الطبيعية للاذهان ، و بما أن قوة تكرار التوجيهات الجسدية ، يعاد إنتاجها في استمرار ، فإنه يقع كما يسلم بورديو “إشباع ” ، فيصبح بذلك الذهن غير مستعد لفقدان الصور الذهنية الإجتماعية ، لأنه بفعلها يرى الذهن الوجود ، و بفعلها يجيب على كل مثير يثار في الواقع الاجتماعي ، و بفعل التوافق بين السلطة و الماضي و الحاضر داخل ذهن الجسد ، تفتح عوالم البناء الداخلي ، بهذا يقوم الذهن بدمج كل محتويات الصور الذهنية اجتماعية مع كل اطار حاضراتي ” طعم اكل جديد / لباس معاصر / ايقاع موسيقي / كتاب ..” و بذلك تكون الدلالات الجسدية الرمزية ، قد هيمنة على صوت العولمة ، فمادامت السلطة بماوراء كواليس الاجتماعي ، تشتغل على خلق الجسد الماضوي المدجن ، فان الذهن يسقط ماضيه بكل ما هو جديد ، و في هذا الصدد سلم بورديو استنادا بميشال بوزون ، انه بعد تطبع

الأذهان ثقافيا (الاشباع) ، يبتعد بذلك الذهن عن كل سلوك معقد ، فحينما سنعطي للمجتمع الذكوري ” الإنطباع بأن المرأة هي التي ستهيمن ، فهذا سيحط منها إجتماعيا ، و بذلك ستشعر أنها منقوصة أمام رجل منقوص 12 ” ، و لهذا يمكننا القول أن الحدود المفروضة سوسيو – ثقافيا ، بفعل تفاعلها مع الصور ذهنية اجتماعية ، تبعد الجسد الذي يجب ان يكون عن اطاره الاجتماعي الذي يجب ان يتموضع فيه ، و لذلك فإن التفاعل الإجتماعي الذي يدور بين الجسد المهيمن ، و الجسد المهيمن عليه ، هو في الاصل تسلسل من السلوكات المنظمة ، المنعكسة عن الصور السوسيو ذهنية ، فهذه الأخيرة تتحكم في نسق الصور الذهنية التي تتحكم في كل عضو من الجسد ( عدم تقبيل الذكر زميلته أو جارته ، هذه صورة ذهنية متمخضة عن صورة ذهنية اجتماعية ، كالتقاء الذكر بالانثى حرام ، عدم إطالة الإمساك باليدين : صورة ذهنية تتحكم فيها صورة سوسيوذهنية : كالاقتراب بين الاجساد عيب و “حشومة” ، و لهذا فكل صورة سوسيو- ذهنية تضم تسلسلا من الصور الذهنية ، فالأولى هي نتاج بناء ثقافي / اجتماعي تشرعه السلطة ، أما الثامنية “الصور الذهنية ” فهي فردية بامتياز ، تتمخض على شكل الصورة الذهنية الاجتماعية ، و بذلك فالأولى هي من تتحكم في ديناميكية الباقي ، فحينما تثار رغبة جسدية ، فإن الذهن يطابق الصورة – الذهنية الاجتماعية مع دائرة المحيط ، و حينما تتطابق أجزاء الصورة السوسيو ذهنية ، مع اجزاء دائرة المحيط ، فان الصور الذهنية تتتابع فتتمخض بذلك سلوكات إجتماعية بامتياز ، فقبل ان تمارس شابة و شاب الجنس الفمي بالشوارع المغربية ، فإنهم يبحثون عن مكان يتطابق مع صورتهم الإجتماعية “ابتعد عنا و مارس ما تريد” ، و بمجرد توافق الصورة الاولى مع محيط معين ، تتسلسل الصور الذهنية ” الاقتراب اكثر ” / ” عدم وضع اليد على الرحم ” … ، و بهذا فإن الصورة الذهنية الإجتماعية ، هي : ثقافية و ليست طبيعية ، فبفعلها يخلق الانسان الآلي و المدجن ، و بتكرارها الرمزي ، يمارس على الجسد عنفا رمزيا ، كما سلم بورديو ، ف”العنف الرمزي لا يتحقق إلا من خلال فعل معرفة و جهل عملي يمارس من جانب الوعي و الإرادة و يمنح سلطته المنومة إلى كل تظاهراته و إيعازاته و إغراءاته و تهديداته و مآخذه و أوامر دعوته إلى الإنضباط 13″ ، فهنا يعزز بورديو بقوة ، ما صرحنا به حول العلاقة الرمزية بين الصور السوسيو ذهنية و الصور الذهنية ، و علاقتها بالسلطة و الجسد ، فهناك ، إذن : انفصال و تسلسل ، تحققه السلطة باستراتيجياتها القبلية حول استثمار الاذهان ، و إعادة إنتاج أجساد آلية / مدجنة في استمرار ، و كما سلم فوكو * ، يتحمس دائما الذهن ، للحديث عن مستقبل الجنس ، بكونه من أساسيات توازننا العاطفي و البيولوجي ، و بكونه نقطة مركزية للسلطة ، فهذا يعبر في استمرار على أننا مخربون ** ، لأن التوازن العاطفي و الجنسي و الابستيميه ، يصيب لا محالة أجهزة السلطة بالخوف من الانهيار ، لهذا كانت و لازالت لعبة السلطة تتمحور كليا حول الجسد ، محاولة بأقوى خططها فرض السيطرة و الهيمنة على نظام الوعي ، من أجل أن لا يعي وجود جسده الطبيعي المسجون بكواليس السلطة ، أي بما ورراء الاجتماعي

: بيار بورديو – الهيمنة الذكورية – ص : 63
: المرجع ذاته – ص : 73
· : ميشال فوكو – تاريخ الجنسانية – الجزء الأول – ص : 5
· : المرجع ذاته – ص :

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد