تحت رذاذ الحب / قصة قصيرة
بقلم الكاتبة نادية الصبار
من خوفي عليه؛ ألاحقه… هو العداء الواعد؛ خرج البارحة كعادته من اجل حصة المشي ضمن برنامجه الرياضي، وإذ تتملكني هواجس أم من الحين للحين… اين ذهب أين رحل؟! ارتكبت جرم التجسس “النبيل ” خوفا على فلذة كبد وقرة عين.
لاحقته وكأني المحقق “كادجيت”، خرج من البيت وانتظر وصول صديقه الذي ما إن وصل حتى قصدا معا محل البقالة، تلصصت وراء شجر الحديقة وانأ ارمقهما بتحسب، ماذا اقتنيا؟ سجارة أم مشروب طاقة، خرجا من المحل وأنا خلفهما اتلو الخطى.. اخرج صهيب من جيبه مقرمشات واقتسمها مع ابني عبد الرحمن، يقذفان حبات القمح إلى أعلى ويلتقطانها ثم يقذفان كلاما متقطعا وضحكات صبية كأنها صرخات… يلطم أحدهما يد الآخر قبل أن يطلقا ضحكتين بريئتين براءة الذئب مما أذنبت.
واصلت مع سبق الإصرار والترصد وثبوت نية التجسس، فليست الأولى ولا الأخيرة، كلما تملكتني الوساوس والهواجس ارتكبت إحدى حماقاتي باسم الأمومة.
الطريق مليء بالأشجار وكنت امشي بمحاذاتها حتى أتخفى والصبية من خفتها تسابق الريح، واصلت الجرم واسرعت الخطى، وصلا الكورنيش وفجأة قصدا معبرا نحو الصخر، فزادت شكوكي وحيرتي وخوفي.. لماذا يذهب هناك ولا يبقى بالممر الرئيسي، لعله آمن أكثر، هل قصد الصخر لينفث سيجارة مثلا… يا إلهي… يا ربي… لاحقتهما وانا خائفة وهذه المرة على نفسي، فالمكان يعج بسيارات عليها شباب، أغلبهم يتجرعون البيرا بعيدا عن الأعين وخفت أن تزيغ أعينهم نحو امرأة عند مغيب الشمس… لا عليكم؛ مخيلتي تصنع العجب.
واصل صغيري طريقه إلى الصخر ملاذه حيث الرذاذ، يقترب نحوه أكثر وكلما اقترب صارت رجفات قلبي أسرع، حاول أن يأخذ صورة والموج خلفه على الصخر يتكسر، فأسرعت، تمالكت نفسي حتى لا أصيح، فأفلام رعب كثيرة تتملكني ومع ذلك تمالكت نفسي لأني على علتي أعلم أن جزءا كبيرا منها ليست إلا هواجس، اقتربت بحذر وقبل أن اناديه ناداني :”ماما مالك؛ ألا تثقين بي “. أخجلني تعليقه، صمت واستحييت أن أقول ذات الجملة ” احبك وأثق فيك ولكني أخاف عليك؟!”…
طأطأت رأسي خجلا ولم استطع الاقتراب، فحبل التجسس لازال يرسم مسافة بيني وبينه، مد يده وهو ابن الخامسة عشرة وبقامة تفوق قامتي وقال: “أجي الهبيلة”… عانقني برفق وقبل رأسي المهموم، أحسست لأول مرة أنه رجل كبير يحضنني ويختصر علي ألف سؤال والف هاجس ووسواس، أحسست بأنه بقدر انزعاجه من تصرفي بقدر عطفه على حالي، وبقدر حماقتي بقدر تعقله، وبقدر حرصي عليه بقدر حرص رجل صغير عاقل على أمه، عانقته وبكيت على صدره وأحسست باطمئنان لطالما ظل مفقودا.
ولأن صهيب كان يحاول قبل وصولي أن يأخذ له صورا تحت رذاذ البحر ، أبى إلا أن يأخذ لنا صورا وهذه المرة تحت رذاذ الحب.