عبد المولى الماروري يكتب نقطة نظام توجيهية “الأخيرة” في التعقيب على الحبيب شوباني
سأختم هذا التعقيب بمناقشة مركزة للنقط الثلاث الأخيرة من أجل إفساح المجال لمناقشة مستنتجات الأخ شوباني لما تكتسيه من أهميةتستدعي ربطها بالواقع والمستقبل على ضوء القوانين الانتخابية الجديدة والمنتظر منها سياسيا وتنمويا..
والنقط الثلاث الأخيرة التي سأناقشها مجتمعة دون تقسيم هي :
7/ عبث تزييف الخريطة السياسية
8/ عبث بالحق في احترام حرية المواطن للانتماء الحزبي
9/ العبث بالحق في احترام حرية الانتماء السياسي
فالجهة العابثة ( وهي الإدارة ، وزارة الداخلية أو السلطة بصفة عامة ) في هذه النقط الثلاث وجهت عبثها إلى المواطنين، سواء من أعضاءالحزب العاديين أو المنتخبين أو مواطنين عاديين قرروا الانتماء إلى الحزب أو الترشح باسمه، والمشترك في كل هذه الحالات هو التضييق علىالحزب وأعضاءه ومناصريه من أجل إضعافه وتقليص حجمه، إلا أن الخطير في الوسائل التي اعتمدتها الإدارة من أجل تحقيق غايتها؛ وهي” التزييف “، ” التهديد ” ، ” الترغيب “، ” الإغراء ” … حسب تعبير الأخ شوباني.
وأمام هذه الممارسات التي تعتمدها الإدارة من أجل التأثير على المواطنين وتوجيههم نحو اختياراتها، يحق للمواطن أن يطرح الأسئلة التالية:
— بماذا تهدد الإدارة وتغري المواطنين؟
— هل هذا التهديد – على وجه التحديد – يرقى إلى مستوى التهديد المجرم في القانون؟
— هل وسائل الإغراء التي تستعملها الإدارة مشروعة أم هي الأخرى تشكل جريمة حسب القانون؟ وكيف لا تحاسب هذه الإدارة على ماتقترفه من ممارسات غير قانونية؟
— لماذا تحشر الإدارة أنفها في قضايا حزبية وسياسية من المفترض أن تضع نفسها بعيدا عن هذه الحسابات والصراعات؟
— لمصلحة من تقوم الإدارة بهذه الأدوار القذرة؟ هل لمصلحة الأحزاب الضعيفة والفاشلة أم لجهة أخرى؟ علما أن وجود هذه الأحزابالضعيفة والفاشلة كعدمه في المشهد السياسي، وليس لها لا في العير ولا في النفير! بل دورها الذي تتقنه هو الضرب على الطعريجةوالبندير!
— والسؤال المحوري، لماذا تحارب الإدارة حزب العدالة والتنمية؟ وهل هذه الحرب حربها الخاصة هي كإدارة أم تقود حربا بالوكالة؟ وإذاكان كذلك، فلمصلحة من تقوم بهذه الحرب؟
سأترك الإجابة للقارئ الكريم كي يعبر عن رأيه ويخرج بالاستنتاجات التي يراها مناسبة وصائبة أمام هذا الوضع السياسي الملتبسوالمعقد، بل المائع والهجين…
إلا أنني أجد نفسي أتقاسم مع الأخ العزيز الحبيب شوباني في وصف هذا الواقع بالعبثي ، فهو وصف دقيق لهذا الواقع السياسي المزريوالمريض، وسبق لي ذات فجر في رمضان 1441، 17 ماي 2020 أن كتبت تدوينة على صفحتي تحت عنوان ” عبثية الدولة في زمن كورونا ” ، فاتصل بي أحد القياديين من الأمانة العامة للحزب مستفسرا عن هذه التدوينة، وهل فعلا أنا صاحبها نظرا لقساوتها، وربما تضمنتأحكاما وأوصافها مبالغا فيها، وخروجها عن الموضوعية، وبعد يومين كتب أحد الظرفاء يسمي نفسه أبو علي على موقع ” برلمان كوم ” موضوعا كاملا يتهمني فيه بتجييش الشعب!!! مذكرا إياي بأن حزبي هو الذي يتولى مقاليد الأمور في هذا البلد وهو المسؤول عن كل ماوصفته من عبثية… المهم أن مفردة العبثية وعلاقتها بالواقع السياسي تطرقت لها بما يزيد عن السنة بكثير من الأسى والألم والحيرة…
هي تسع عينات من العبث ساقها الأخ الحبيب شوباني يصف من خلالها واقع سياسي وحزبي هدفه الأكبر وعنوانه الأبرز ” الصناعةالتحكمية وغير الديمقراطية لتراجع حزب العدالة والتنمية نقابيا ومهنيا وبرلمانيا وجهويا وجماعيا”. هي حقيقة أشاطره الرأي فيها جملةوتفصيلا، وإذا وضعنا السؤال؛ لماذا كل هذا؟ لماذا تكلف الإدارة نفسها كل هذا العناء من أجل محاصرة حزب العدالة والتنمية ومناضليهومناصريه؟ لماذا تنفق كل هذه الأموال؟ لماذا تجيش عليه الأحزاب الأخرى (G8)، وأحزاب أخرى حتى من داخل حكومته التي يرأسها،والإعلام الأصفر وأشباه المثقفين وأنصاف الحقوقيين وصعاليك الصحافة؟ ما هو التهديد الذي يشكله الحزب على هذه الإدارة حتى تضطر إلى استعمال التحكم والتزييف والتهديد والإغراء والخروج على مسار الديمقراطية ومخالفة الدستور نصا وروحا؟
ذات مرة كتب موضوعا وضحت فيه الأسباب الحقيقة التي تشكل عناصر لاستحالة قبول الدولة بحزب العدالة والتنمية في بنيتها السياسيةوأجهزتها التنفيذية، وللتذكير هي : أسباب ثقافية وهوياتية، أسباب لها علاقة بالديمقراطية وبالسلطة، أسباب اقتصادية ومالية لها علاقةبالريع والامتيازات واحتكار السوق، التبعية لفرنسا ومصالح هذه الأخيرة في المغرب، العلاقة مع الكيان الصهيوني اليهودي…
هذه الأسباب، أو بعضها، تفسر هذه الحرب التي تشنها الإدارة على حزب العدالة والتنمية، فلا داعي لأن نتعب أنفسنا بكثرة التفسيراتالبعيدة عن الحقيقة والواقع…
وقبل أن أختم تعقيبي على الأخ العزيز شوباني، لا يفوتني أن أعرج على نقطة لها أهمية بالغة في نظري، وهي عندما بين أن عبث الإدارةيصل إلى الأعضاء الجدد ضعيفي الارتباط الفكري والتنظيمي بالحزب، وهذه مسألة دقيقة وفي غاية الأهمية تستدعي بعض المناقشةوالتوسع…
عندما كنت عضوا في الإدارة المركزية في لجنة القوانين والمساطر التي كان يرأسها الأخ العزيز سليمان العمراني تم طرح مسألة التوسعوالانفتاح على عموم المواطنين من أجل التحاقهم بالحزب، وكان السؤال هل نعتمد الانفتاح العام، ونفتح أبواب الحزب في وجه كل راغب فيالانتماء، أم نعتمد أسلوب انتقائي نخبوي مخافة الاختراق ودخول ذوي المصالح الشخصية والانتهازيين والغامضين وغيرهم ، وكنت طبعا معالاختيار الثاني لأني كنت متأكدا أن الحزب في أوج تألقه وتوهجه وصعوده كان مطمع كل شخص يريد الوصول بأسهل طريقة إلى المناصبالتمثيلية ( 2003 – 2010) ، إلا أن الاختيار كان في اتجاه فتح الحزب في وجه الراغبين في الانتماء مع التخفيف في شروط منح عضويةمشارك ومنح عضوية عامل مباشرة لبعض الأطر والكفاءات المهمة…
الانفتاح بتلك الطريقة مع افتقاد الحزب إلى برنامج ثقافي وفكري وتربوي كان أحد الأسباب التي أغرق الحزب بأعضاء غالبيتهم لهم انتماءضعيف ومصلحي أحيانا، مع فقر مهول في الرؤية والتصور، إضافة إلى استغراق الجهد كله في الجوانب التنظيمية والانتخابية فقط… فهليمكن أن نصنع مناضلين دون انتماء عقدي وتكوين فكري، وتوجيه تربوي، وتأطير ثقافي وسياسي، وتدريس للتاريخ السياسي … كل هذامفقود داخل الحزب، الأمر الذي أفرز إعاقات نضالية وأعطاب تنظيمية وحروبا في مواسم الانتخابات زادت من إضعاف الحزب داخليا ،وأصبحت أزمة الحزب داخلية بدرجة أكثر خطورة من الأزمة الخارجية…
هذه الصراعات والتطاحنات الكلامية لم تنحصر على مستوى القواعد والمجاليات، بل امتدت إلى القادة والزعماء، ولم تعد داخلية ومشمولةبالتكتم والسرية، بل أصبحت مكشوفة وعلانية وعلى كل لسان… كل هذه أسباب زادت من جرأة الإدارة على الحزب، وزادت من تطاول أقزامالسياسة والإعلام على قادة والحزب وزعماءه، وفاقمت الصراعات الداخلية وكرست واقع التقاطبات على أساس مصالح انتخابية وليس علىأساس أطروحات فكرية وسياسية.. وإذا كنت لا أبرئ الإدارة وأجهزتها السرية في زرع هذه الفيروسات والميكروبات داخل الحزب، ففيالوقت نفسه لا أبرئ بعض قادة وزعماء الحزب الذين أبانوا بشكل فظيع عن حرصهم على المسؤولية وتساهلهم مع بعض أشكال الفساد،وصمتهم غير المبرر والغريب عن بعض أشكال الظلم والاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان، فما الذي حمل بعضهم على تغيير مواقفهم بهذاالشكل؟
للأسف الشديد هذا من أخطر أشكال العبث الذي تسرب إلى الحزب الذي زاد في إضعافه ووهنه، ولا أدري لماذا لم يتكلم عنه أخونا الحبيبشوباني ؟
ومع القوانين الانتخابية الجديدة والقاسم الانتخابي الغريب وإلغاء العتبة … إضافة إلى مضايقات الإدارة وتحاملها عليه وعلى أعضاءه،وتكالب الإعلام الأصفر ، وتواطؤ كل الأحزاب ضده، مع ما يعيشه من أزمات داخلية.. ما هي حظوظ الحزب في الفوز بالرتبة الأولى؟ وحتىإذا حصل عليها ( وشخصيا لا أستبعد ذلك، فإني أرى إمكانية فوزه بالرتبة الأولى رغم كل ما يعيشه ويعانيه ) يبقى السؤال، ما الذييستطيع فعله وتغييره وإصلاحه من واقع فاسد وقوانين رديئة واستبداد متواصل في إطار تحالف حتما سيكون أسوأ من التحالف الحالي ؟هل بمقدور العطار أن يصلح ما أفسده الدهر ؟
الخلاصة * حزب العدالة والتنمية يخوض – في مجموعه كحزب – منافسة شريفة مع الأحزاب السياسية الأخرى، ولكن بعض أعضاءهدون ذلك، ألاَ نسمع بين الحين والآخر عن ” الكولسة ” التي زاد الحديث عنها في الآونة الأخيرة ؟ وهذه من أهم عوامل ضعفه.
ملاحظة قبل الختم * حزب العدالة والتنمية حزب وطني – فعلا – أفرزه المجتمع المغربي إفرازًا طبيعيا ( أتفق معك كليا ) ، ولكن تماختراقه اختراقا سريعا بقراراتنا واختياراتنا التنظيمية، وإذا بقي الحال على ما هو عليه الآن سيفقد مناعته ضد الفساد والاستبداد،وسيستمر الحزب في متتالية الضعف وافتقاد التماسك الداخلي ، لذلك لا خيار للحزب إلا الدخول سريعا وعاجلا في مراجعة فكريةوسياسية وتنظيمية في إطار حركة تصحيحية، يعالج بها أمراضه التنظيمية وانحرافاته الفكرية والسياسية، والعودة سريعا إلى ثوابتهومرجعيته الفكرية قبل فوات الأوان…
وعليه لم ينته الكلام ، بل بدأ الكلام
تحية حب وتقدير للأخ العزيز الحبيب شوباني
كتبه ذ. عبد المولى المروري