الإبداع في شعر الملحون بين التنويه والشهادات المزيفة
بقلم مصطفى خليفي
الحلقة 1:
“حينما يصبح (التلزيم) أو (لزوم ما لا يلزم) تجديدا في البنية العروضية لقصيدة الملحون”:
قال الأستاذ محمد الفاسي رحمه الله في كتابه معلمة الملحون أن التلزيم هو ( لزوم ما لا يلزم و ذالك أن يلتزم الشاعر بحرفين في القافية و يستعملونه خصوصا في مكسور الجناح و المشتب بأن يجعلوا لكل قسم من القصيدة حرفين .
و من أمثلته قصيدة “مليكة” للغرابلي و هي من
المشتب 2 ) و قد سماه ( تضمين الحرفين) لكن التضمين شيء و التلزيم أو لزوم ما لا يلزم شيء آخر و القافية كذالك لا علاقة لها بالتلزيم و يبقى الأهم هو تعريف و شرح المسألة .
بعض الإصدارات جعلت من لزوم ما لا يلزم مكونا من مكونات بنية القصيدة العروضية ككتاب “الملحون المغربي ” للشيخ الكبير الحاج أحمد سهوم رحمه الله و أسكنه الفردوس الأعلى مع الصديقين و الشهداء، خصوصا ص39 في التعريف بالمرمة الخماسية حيث جعل قياس قصيدة فارحة المنشوبة للشيخ التهامي لمدغري من قياساتها أي قياسا خماسيا معتقدا أن التلزيم الذي جاء في الشطر الأول و كذالك الشطر الثالث قد جزئهما و أصبح كل منهما شطرين و هذا غير صحيح و سنوضح ذالك.
قصيدة فارحة المنشوبة للمدغري تقول حربتها أو لازمتها –
سلتك ببهاك يا الرايح مالك سكران دون راح
و انا عقلي معاك راح
بايت من ليعت الجرايح ساهر و الناس رايحة
وهي على منوال أو في قياس قصيدة –
حمامة البطاح- للمغراوي و التي تقول حربتها أو لازمتها –
يا جمع البهيات رغبو فييا مصبوغت اللماح
هي و حمامة البطاح
مبروم السالفين غيتة و هلال الزين فاطمة
فإذا وضعنا مقارنة دقيقة عروضية أو إنشادية بين اللازمتين سنجدهما نفس بنية القياس عروضا و إنشادا لا فرق بينهما نهائيا فقط المدغري التزم بما هو لا يلزم في الشطر الأول ( الرايح)
و في الشطر الثالث ( الجرايح) أي لزم على نفسه حرف الحاء الموجودة في اللفظتين بين معقوفتين ( ) و ذالك غير لازم و غير ضروري أما القياس فهو على حاله قياسا ثلاثيا و ليس خماسيا كما ذكرنا و من القصائد في هذا القياس أو على هذا المنوال كذالك
قصيدة -الطير المفقود- لجيلالي متيرد- و قصيدة -رغبو تاج الملاح- لسيدي عبد القادر العلمي – و قصيدة – آسدتي ولاد طه – لدريس بن علي ووووو…..
و يبقى شيخنا رحمة الله عليه مرجعنا و قدوتنا و إن كانت هناك هفوة فالكمال لله وحده .
إنما الأدهى و الغير مقبول هو أن في إصدار بعنوان ( جوهر المعاني ) للأستاذ نور الدين الشماس في مداخلته تحت عنوان ” (التجديد العروضي في شعر الملحون ، تجربة الشيخ الحاج عمر بوري ) جعل التلزيم أو لزوم ما لا يلزم تجديدا في شكل أو بنية القصيدة أي أن الشيخ الحاج عمر بوري حين وظف لزوم ما لا يلزم داخل شطر من أشطر قصيدته فقد جزئ القياس و جدد في بنيته و هذه بكل صدق مغالطة خطيرة ندرك خطورتها إذا أدركنا أن التلزيم لا علاقة له بالبنية العروضية للقياس كما سنوضح و كذالك أنه يمكن توظيفه في أي قياس شئنا.
في إصدار -جوهر المعاني هذا – ص60 متحدثا عن قصيدة للشيخ الحاج عمر بوري قال الأستاذ الشماس -( قصيدة / سير بنا إلى الأمام ص”129″ و هي على قياس قصيدة الساقي للجلالي متيرد نظامها 19\7 و هذا القياس الأصل فيه مثني و ليس كما قال الأستاذ محمد الفاسي في المعلمة القسم الأول من الجزء الأول ص160 حيث ذكر أن هذا القياس الأصل فيه ثلاثي هكذا 10\9\7 و ذكر فيه قصيدة ياهل العشق العدري أي أن البيت فيه يتكون من شطرين “فراش و اغطى” أي صدر و عجز ، إلا أن الشيخ عمر بوري جزئه إلى أربعة اشطر بحيث أصبح النظام فيه كالتالي : 7\7\5\7 في القصيدة المشار إليها أنفا و التي تقول لا زمتها :
سير بنا إلى الأمام
نسعاو الرحيم الرحمان بادع لكواني
ايكون ليك و لينا عوان ).إنتهى كلام الشماس.
من خلال ممارستنا و دراستنا المتواضعة للقصيدة الملحونية إكتشفنا أن التلزيم عدة أنواع فهناك من ألتزم بعدم توظيف الحرف المنقوط و هناك من التزم بالعكس أي بعدم توظيف الحرف الغير منقوط و هناك من التزم بعدم توظيف الحرف الذي لا تنطبق عليه الشفتين و هناك من التزم بحرف تحمله كل كلمات النص و هناك تلزيم الحرف و كلها تدخل في خانة أو تحت تعريف -لزوم ما لا يلزم – و موضوعنا في هذا المقال هو ( تلزيم الحرف ) و هو لزوم ما لا يلزم كما قال المرحوم الدكتور محمد الفاسي و معنى لزوم ما لا يلزم هو : أن الشاعر يلزم على نفسه شيء غير ضروري و يمكن الإستغناء عنه دون أي تأثير أو إضافة أو نقصان على مستوى العروض.
لكن ليس هو أن يلتزم الشاعر بحرفين في القافية كما جاء في قول الدكتور محمد الفاسي كذالك .
-و إنما هو أن يلتزم الشاعر بحرف في نفس المكان أو أحرف في نفس الأماكن داخل الشطر أو الأشطر و في أي مكان اختاره سواءا أول الشطر أو أوسطه أو آخره و يطبقه في أبيات القصيدة.
كما أن ليس هناك شاعر يوظف لزوم ما لا يلزم لتجزيء القياس و للتغيير في بنيته لأن التلزيم أصلا غير ضروري و البنية ثابتة على حالها سواءا تواجد بها تلزيم أم لم يتواجد ، و إنما يوظفه الشاعر ليضفي على النص جمالية و ليبرز كذالك أن طاقته لا تقتصر على القافية أو الروي فقط بل تتعداه إلى الإلتزام بحرف أو أكثر غير ملزما به و غير واجب عليه داخل الشطر أو الأشطر و الأمثلة كثيرة نأخذ منها قصيدة -مضرى يكمل فرحي و سلواني- للغرابلي- التي تقول حربتها أو لازمتها :
-مضرى يكمل فرحي و سلواني
ويعود في زماني ساقي غاني ضيا عياني دات الحسن.-
والتلزيم في هذه القصيدة حرف النون جاء في ثلاث أماكن من الشطر الثاني
زماني – غاني – عياني-
و إنه لا يجوز أن نقول أن الغرابلي جزء القياس و جعله خماسيا لأنه فعلا لم يجزئه بل إلتزم فيه فقط أما القياس ظل كما هو و هو قياس -قصيدةالحجام – لحمود بن دريس – و قصيدة قاضي ناس الحال – لبن علي ولد آرزين وووووو….
لاحظوا معي إخواني الكرام :
- إن كل مهتم و ممارس يدرك أن عند سرد حربة أو لازمة قصيدة في قياس ما سردا سليما تظهر بنية القياس العروضية ثم نتعرف عليه بسهولة .
و هنا يأتي السؤال التالي : هل يمكن أن ندرك أن قصيدة ما تحتوي تلزيما من خلال سرد حربتها أو لازمتها سردا سليما ؟
و الجواب طبعا لا يمكن بتاتا لماذا –
ببساطة لأن التلزيم لا يمكن اكتشافه من خلال بيت واحد لأنه لا يظهر إلا إذا تكرر نطق الأحرف الملزمة في نفس المكان في عدة أبيات من النص
بينما بنية القياس يمكن التعرف عليها من خلال عزفه فقط دون أن نحتاج للكلام .
وهنا نستنتج أن القياس قالب لحني أساسه الغنة و ليست الألفاظ و الحروف المصبوبة في قالبه و قد تتداول عليه قصائد كثيرة في مواضيع مختلفة و يبقى ثابتا محافظا على بنيته ولا يتغير إلا بزيادة أو نقصان فيها و حينها يصبح قياسا آخر .
أما التلزيم أو لزوم ما لا يلزم فهو حرف و ليس غنة
و هذا ما يأكد لنا أن التلزيم حروف تنطق في أماكن يمكن الإلتزام بها و يمكن تغييرها و تدخل في شق البراعة في المضمون و لا علاقة لها بالبنية و لو جائت مكان السجع لأن هذا الأخير موجود سواءا لزم فيه حرف أو تغيرت فيه الأحرف .
ثم إذا رجعنا إلى التلزيم في قصائد بحر مكسور الجناح و بحر المشتب سنجد أنه في بعض القصائد موجود في أقسامها و لا يوجد في حربتها أو لازمتها مثل قصيدة “غاسق لنجال للكندوز ” و كلنا نعلم أن القياس يتم التعرف عليه من خلال حربة أو لازمة القصيدة و ليس من خلال أقسامها و هذا تأكيد آخر
وأما من يكتب النص و يجعل نقطة أمام حرف التلزيم أو يستعمل مساحة بينه و بين اللفظة الموالية ففقط ليوضح للقارئ أو المتلقي أن هناك تلزيم في ذالك المكان وليس تجزيئا للقياس و هذه المسألة في رأيي يستحسن تجنبها لأنها تخدغ القارئ.
و إذا رجعنا لقصيدة الشيخ الحاج عمر بوري و التي تقول حربتها:
سير بنا إلى الأمام
نسعاو الرحيم الرحمان بادع لكواني
يكون ليك و لينا عوان.
نجد أن ما فعله هو أنه إلتزم بحرف داخل الشطر الثاني من قصيدته فقط أما القياس ظل و سيظل ثابتا كما هو و لا يتجزء و لا يتغير إلا إذا أصبح قياسا آخر كما سبق و ذكرنا بزيادة أو نقصان في أشطره
و قصيدة الحاج عمر بوري و قصيدة الجلالي متيرد الساقي التي تقول حربتها أو لازمتها :
آ الساقي وكض لريام
رد بالك للنوبة لا تغيب عن مولاها
كب يا ساقي راح الليل
لهما نفس القياس و نفس الوزن و نفس الإنشاد فقط الجيلالي متيرد لم يوحد حرف القافية في الشطر الأول وهنا لابد أن أشير إلى أن حتى الروي أو القافية نفسها لا تدخل في شق بنية القصيدة بدليل أن هناك قصائد كثيرة لا تعتمد قافية موحدة و لا يقع أي تأثير أو تغيير في بنية قياسها مثل القصيدة ( المدربلة) و هي التي تختلف فيها القافية من بيت لآخر و هناك أيضا ما يسمى ب (سرح و روح) و هو استبدال حرف القافية في أول القسم ثم الرجوع إليه في آخر أبيات القسم و هكذا …
و عدم الإنتباه لهذه المسألة هو ما يجعل البعض يعتقد أن قياس قصيدة الساقي للجيلالي متيرد ثنائي و الصحيح هو أن القياس ثلاثي لأن مكان الإختلاف تتوفر فيه قفلة متكاملة الشروط فقط لم توحد فيها القافية و هذا وارد في الكثير من القصائد.
و ختاما لسنا ضد التنويه بإبداعات الشعراء بل كل متمنياتنا الإلتفات للإبداع في شعر الملحون و التنويه بمجهودات مشايخه خصوصا المعاصرين منهم، عِوض توثيق المجاملات والشهادات المزيفة وتسمية الرداءة تميزا والأخطاء في الوزن تجديدا عروضيا، بل جعل التفاهات إبداعات في بعض الأحيان.