الرائدة في صحافة الموبايل

قراءة في الحصيلة السنوية للملكية الصناعية والتجارية برسم سنة 2021

الدكتور عبد الواحد حمزة أستاذ الاقتصاد

بناء على الأرقام والإحصائيات التي قدمتها الوكالة الوطنية
في بلاغ صحفي لها حول ما عنونته ب”حصيلة سنوية إيجابية للملكية الصناعية والتجارية برسم سنة 2021.. ومن خلال قراءة للحصيلة والأرقام؛ سأكتفي بإعطاء بعض الفرضيات وإعاده استشكال الموضوع منهجيا.

فلا يمكن الاقتصار فقط على معطيات خلق المقاولات، بل لا بد من وضعه في سياقه العام والانتباه الى مؤشرات ذلك في حقبه متوسطة المدى إلى طويلة المدى نسبيا على الأقل، حتى  يظهر لنا مدى الاستقرار وما مدى استمرار الشركات المنشأة وديمومتها، ومن ثم إشكالية الركود أو الكساد أو النمو الاقتصادي والإنتاج في ظروف أزمة بنيوية وظرفية.

فرضيتنا في ذلك هو أن ارتفاع عدد المقاولات ومن بينها المقاولات الذاتية ذات الشريك الوحيد والمسؤولية المحدودة؛ إنما هو تعبير عن تعامل اجتماعي رمزي إزاء المتضررين من الجائحة أكثر منه تعامل اقتصادي يتوخى المردوديه والإنتاجية، خاصه تحت طائلة “متلازمة” كوفيد 19 وأزمة الجفاف المدمرة. إذ وراء كل مقاولة صغيرة أو متوسطة توجد عائلة موسعة أقل ما تتطلبه هو ضمان الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي لأفرادها ( أنظر آخر التفاتة ملكية للعالم القروي).

نحن نعلم أن المخطط الأخضر لم يضع نصب أعينه الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي ولا السيادة الاقتصادية للمغرب على ثرواته في اهتمامه المحمول بقطاع الفلاحة التصديرية مثلا وقس على ذلك بعض القطاعات الإقتصاديه الأخرى.

ويمكن أن نتساءل عن طريقة احتساب عمليات الولادة ذاتها للمقاولات وهل كانت طبيعية أو بشكل قيصري ولو مع احترام تام لشروط التأسيس، وما إذا كانت  غير مهيكلة بالمرة وخارج عن عمليات التسجيل الحقيقية خاصة في ظروف الجائحة وأزمة كوفيد 19 الخانقة، والتي أضرت بقطاعات دون غيرها، كمثال على ذلك المقاولات الناشطة بمجالات السياحة وما يحيط بها كالمطاعم والمقاهي ومحلات بيع المأكولات الخفيفة ومحلات بيع المنتوجات التقليدية والتي تضرر فيها كل من المشغل والأجير والصناع التقليديون الذين ينتعشون من السياحة.

ثم يجب مع ذلك النظر للمقاولة من حيث المردودية والإفلاس والذي لا يمكن الحكم عليه على الأقل، إلا بعد 5 سنوات من تأسيس المقاولة.

وبالتالي يمكن أن نستشف أسباب ذلك مما يلي: فمنها ما هو هيكلي مرتبط بمكانة المقاولة عموما في الدورة الإقتصادية المغربية حيث لم تستطع تلك المقاولة الخاصة أن تأخذ مكانا تنافسيا ملحوظا لها إلا بدايه الثمانينات، أما ما هو ظرفي فهو مرتبط بآثار الجائحة وعلى ظروف نشأتها واستمرارها، وغالبا ما نتحدث عن أسباب نجاح ومسببات الفشل مما نجده في طبيعة المحيط الاقتصادي والسوسيو ثقافي للمقاولة المغربية، بل وحتى في إطار المكرو-سياسي.

فيمكن من جهة أن نبحث عن تلك الأسباب لفشل المقاولات على مستوى تقنين سوء التدبير والمصارفة والتسيير كون ما هو هيكلي مرتبط بطبيعة النظام السياسي المغربي عموما وطبيعة النظام المخزني للاقتصاد خصوصا، وإلى مدى انخراط الدولة المغربية في العولمة.

فعلى المستوى التقني؛ يمكن أن نعزي ذلك الفشل لدى المقاولات إلى مشاكل في التدبير وانخفاض هامش المردودية وانسداد النشاط الإقتصادي التجاري وصعوبة حركة الرأسمال والأشخاص ومشكل السيولة، إضافة إلى بعض الأسباب غير المنتظرة وغير المتوقعة والتي تعاظمت مع غياب الوضوح في الآفاق الإقتصادية الوطنية والدولية تحت وطأة  الجائحة الحالية وكذا آثار التوتر والحروب في العالم، خاصه بآسيا وإفريقيا والحروب على مناطق النفوذ والمعادن (أوكرانيا، السودان، اليمن والعراق) ويمكن تسجيل مفارقات في صعود وانخفاض حجم المقاولات المعنوية والذاتية بأن نرجع تلك الاختلالات إلى المركزية: الشمال جهه طنجة- تطوان- الحسيمة، وجهة مراكش- آسفي، حيث تتبوأ جهة الشمال (طنجه تطوان الحسيمه) ،
15 بالمائة فيما 34 في المائة بجهه البيضاء- سطات، وأما جهة مراكش- أسفي فتحتل آخر السلم بنسبه 10 في المائة فقط، وهو ما يفيد انحسار النشاط السياحي وما يجاوره عموما.

ويمكن ايضا؛ قراءة تنامي المقاولات الذاتية كإجابة عن تفسخ العديد من المقاولات السابقة وانحسار بعضها في بعض المجالات التي لم تعد تشغل يدا عاملة أو تقنية بما فيه الكفاية وهو ما يعني:

1- فرصة لإنعاش وتوسيع فضاء المقاولة الفردية المستفيدة من مزايا الشركات المحدودة المسؤولية.
2-ويمكن قراءة ذلك نظريا انطلاقا من زوايا أخرى كتلك التي تهتم بالأفق الواعد لليبرالية التحررية وظهور الفرد الحر المستقل، كما نظر لذلك الإيطالي “انتوني ينغري” والذي يجد في الليبرالية الاقتصادية وفي أقصى حدودها استشرافا للاقتصاد ومجتمعا يتحرر فيه الأفراد من سلطة غيرهم، ولو أن هذه القراءة تظل محدودة وهشة حول الاقتصاد  المغربي.
3-ويمكن قراءته أيضا كأسلوب تدبيري فرداني.. وهنا نشير ل “الزطاط ”  كما جاء في كتابات عبد  الأحد السبتي “le Débrouillardise ” ، وهو ذلك الشخص “الزطاط” الذي يسعى لإيجاد موطئ قدم داخل النسيج الاقتصادي العدواني من خلال  سعيه الحثيث عن “الهمزة “. انظر كتاب عبد الأحد السبتي في “مغرب ما قبل الاستعمار ” وكتاب لمحمد جسوس.. وكتاب حسن أوريد “من أجل ثورة ثقافية في المغرب”.

وهو ما يفيد ضروره الأخذ بعين الاعتبار هشاشة الوضع الإقتصادي المغربي، تبعيته، ريعه وتخلفه، مما ينعكس تباعا على سلوك الفاعلين والمقاولين والمتمثل في أساليب شتى كالتهرب والتملص الضريبي وكثيرا من وضعيات الإغلاق القاهر المنتظر لعديد من المقاولات الهجينة.

فعلى مستوى التأطير العام للمقاولات في المغرب يمكن ان نتساءل عن مكانة المقاولة ودورها في الترسيمة الاقتصادية المغربية وأخذ المبادرة ودور الدولة في تنشيط وتأطير وحماية المنشأ (Unitié).

لقد أراد المغرب أن يجعل مقاولة القطاع الخاص في صلب العملية الاقتصادية كخيار استراتيجي منذ بداية الإستقلال معتمدا سياسات إقتصادية متعددة، لكن؛ على ما يبدو، أن هناك ثمة زعزعة لتلك الاختيارات لإعادة الإقتصاد إلى المقام الأول Interventionnisme .

هذا ونعلم أن المقاولة في الماضي كانت غائبة بالرغم من الطابع الليبرالي للخطاب الرسمي، وللحقيقة؛ فإنها لم تأخذ أبدا المكانة اللازمة لها منذ استقلال بلادنا، كما ساهمت وصاية الحماية في نشأتها وتطورها منذ الإستقلال إلى اليوم، ومع الجائحة بالضبط، حيث كانت الدولة ولا زالت المبادرة لتشجيع المقاولات والمؤطرة لها والحامية لها، وهو ما ساهم حقيقة في تنامي حجم المقاولات المغربية التي رأت مجالها وأشكالها القانونية.

بل ثمة أمر محير ومستعصي على الفهم والتجاوز.. ضبابية العلاقة بين المقاولات والدولة، حيث أن الأولى: المقاولات لم تستطع البتة أن تتشبع بالقيم الموجودة في صميم النظام الليبرالي التنافسي الحر ولا أن تفرض نفسها كما فرضت المقاولة الخاصة في الغرب، فكانت الدولة هي من يحدد ويضبط الإطار السوسيوسياسي، كمثال على ذلك، انتقال الملكية إلى الملكية الوطنية في السبعينات من القرن الماضي، حيث: 

1- كانت الدولة هي من أرسى نظاما للحماية الجمركية لتشجيع وظهور المقاولة المحلية المغربية.
2- كانت الدوله ولا زالت هي المنظمة لشروط الاستثمار الخاص في إطار قوانين الاستثمار وذلك منذ الستينات من القرن الماضي وخاصه سنه 1973.
3- كانت الدولة هي من مولت  بفائض الفوسفاط بداية السبعينات وبعد ذلك بواسطة المديونية الخارجية لصالح الزبون الأول والأخير: المقاولات عبر الأسواق العمومية les marchés publics، وهو أمر مهم يربط بينهما أي بين الدولة والمقاولة ربطا عضويا.

ولتلمس هذه العلاقة الحميمية بين المقاولة والدولة إلى حين جائحة كورونا، يمكن أن نرى كيف تمأسس الدولة علاقات شراكة بين المقاولة والأسواق الخارجية بما يشوب تلك الاتفاقات من حيث انعدام للتوازن والذي لا يخدم بلدا ناميا كالمغرب لم يؤهل نفسه بما يكفي للدخول في العولمة وانحسار العولمة البديلة من جهة أخرى، وكذا تأزم علاقات القرابة الموضوعية التاريخية والمصيرية مع الجوار المغاربي؛ جعل من فكرة المبادرة الحرة والمستقلة موضوعا من المواضيع الشائكه جدا  في المغرب المعاصر.


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد