الرائدة في صحافة الموبايل

مجتمع المعرفة؛ بشرى كاذبة ليس إلا!

أحمد رباص

طالما أن موضوع هذا الجدل الفيسبوكي هو مجتمع المعرفة، يجدر بنا اولا الخوض في تعريفه دون التطرق إلى خصائصه وأبعاده وأسسه لضيق الحيز الزمكاني. فما هو مجتمع المعرفة؟
عرَّفه (تقرير برنامج الأُمَم المُتَّحِدة الإنمائيّ لعام 2003م) على أنّه: “ذلك المجتمع الذي يقوم أساساً على نشر المعرفة، وإنتاجها، وتوظيفها بكفاءة في جميع مجالات النشاط المجتمعيّ: الاقتصاد، والمجتمع المدنيّ، والسياسة، والحياة الخاصّة، وصولاً لترقية الحالة الإنسانيّة باطِّراد؛ أي إقامة التنمية الإنسانيّة”.
وعرَّفه التركمانيّ بأنّه: “ذلك المجتمع الذي يتَّخذ المعرفة هدفاً رئيسيّاً، تخطيطيّاً، وتطبيقيّاً، في شتّى مجالات حياته، ويُحسِن استعمال المعرفة في تسيير أموره، وفي اتِّخاذ القرارات السليمة، والرشيدة، وهو ذلك المجتمع الذي ينتج المعلومة؛ لمعرفة خلفيّات، وأبعاد الأمور بمختلف أنواعها، ليس في بلده فقط، بل في أرجاء العالَم كلّه”.
كما عرَّفه المؤتمر الإقليميّ الأوروبّي لعام 2002م بأنّه: “المجتمع الذي يُتاح فيه للأشخاص جميعاً، بدون تمييز من أيّ نوعٍ كان، ممارسة حقّهم في حُرّية الرأي، والتعبير، بما في ذلك حُرّية اعتناق الآراء بدون تدخُّل، وحُرّية التماس، وتلقّي، وإصدار المعلومات، والآراء، من خلال أيّ وسيلة اتِّصال، وعَبر الحدود الجغرافيّة”.
من هذه التعريفات، نستنتج أنّ مجتمع المعرفة يعني: المجتمع الذي يُتيحُ لأفراده حُرّية امتلاك المعلومات، ونقلها، وبثّها، وتبادلها، عن طريق التقنيات الحاسوبيّة، والمعلوماتيّة، والفضائيّة المُتعدِّدة، وتوظيفها؛ لتحسين مستوى حياة الإنسان، وخدمته.
لكن الملاحظ عندنا في المغرب هو ضمور مجتمع المعرفة وبهوت معالمه وعدم تحقق أهدافه، خاصة منها تحسين مستوى الحياة الناتج عن تبؤ المعرفة صدارة المصادر التقليدية للثروة. في هذا السياق، زرعت بالأمس في الفضاء الأزرق فقرة أقول فيها: “قبل سنوات، قيل لنا إن مجتمع المعرفة على الأبواب. لكن تبين الآن أن هذه البشرى أكذوبة. فعوض مجتمع المعرفة ها نحن أمام مجتمع التفاهة”.
وسرعان ما صارت للبذرة جذور وبدأت فروعها تنمو وتتمدد في اتجاهات شتى. وهكذا تدخل أحد الأصدقاء بهذا التعليق ذي النفحة السياسية: “لا يوجد مجتمع اسمه مجتمع المعرفة، و البؤس نتاج نظام اقتصادي اسمه الراسمالية، و لن يختف لا البؤس و لن تفيد المعرفة كثيرا في تبوؤ مراكز القرار في نظام من هذا النوع. ليس العلماء من يحكمون المجتمعات الراسمالية”.
ثم جاء مستعمل آخر ليدلي بدلوه في هذا الجب بعيد القرار: “مجتمع المعرفة تحقق فعلا وهناك صفة انسانية خالصة فكلما تقدمت الحضارة تظهر اعراضها الجانبية”. وبما انه لا يجمل بي الاستنكاف عن التجاوب معه، كتبت أرد عليه: “لو تحقق مجتمع المعرفة عندنا فعلا لزالت مظاهر البؤس عن أهلها والمساهمين في نشرها كما قيل لنا إن مصادر الثروة ستفتح لمن يكسب المعرفة لا لمن يعمد إلى التهريج والتصوير وارتجال الكلام”.
من منطلق إيماني عقدي واضح، طرح علي أحد المتتبعين هذا السؤال: “ماهي التفاهة؟ التي تقصدها هل هي الالحاد، مثلا؟”.
تحريت الجواب، حريصا على احترام تدينه، فكتبت له: “أقصد بها كل ما هو تافه، لا يشكل قيمة مضافة إلى العقل كمعلومة أساسية تصح بها نظرة الإنسان إلى الكون والإنسان وخالقهما”، وهكذا ضمنت وقوفه إلى جانبي إذ وصف ردي بالجميل.
على خط هذا النقاش، دخل رفيق آخر لم يخف تذمره من واقعنا البئيس حيث قال: “العالم يسير الى الخلف و هو يقول مجتمع المعرفة!! كيف يكون مجتمع ذا صبغة معرفية و الواجهة يتصدرها رؤوس الجهل في العالم قاطبة؟” ثم أتى بعد مستعمل آخر ليكتب تعليقا يستشف منه عناية صاحبه عنايته بحسن السلوك وطيبة الكلام: “لو تسمح لي برأي.
المعرفة متاحة في الكتب والإنترنت ومع الاشخاص المثقفين.أما على ارض الواقع في الشوارع وبين عامة الناس
لم أجد إلا التفاهة في المحتوى الإخباري وفي الصفحات الإخبارية وفي ما يسمى بالترندات. أحيانا بعض تصريحات المسؤولين تكون تافهة جدا”.
صديق آخر من المهتمين أراد المساهمة برأيه في النقاش، فقال: “بل ان في اي مجتمع قسم المعرفة وقسم التفاهة وقسم بين هذا وذاك وهو القسم الأكبر”. في حين، اختار مستعمل سلوك سبيل السخرية بقوله: “ههه…بعد المعرفة تأتي التفاهة”.
وفي الختام، أرى أن تدوينة لي أخرى ذات صلة مباشرة بالموضوع يجدر بي إدراجها هنا: “أساتذة جامعيون يتقنون الشفوي، وبه خاضوا انتخابات أهلتهم لشغل مقاعد في البرلمان وإذا بحثت عن شيء كتبوه لا تجد سوى الريح والشيح”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد