حوار مع الأديب والروائي المغربي محمد برشي بعد زيارته لإسرائيل وفلسطين

حاوره: حميد أيت علي أفرزيز
في كل زيارة لدولة إسرائيل وفلسطين، من طرف أشخاص ناطقين بالأمازيغية، تُوَلِّدُ لنا هذه الزيارة زوبعة وإنتقادات كثيرة، وتهم بالتطبيع والتخوين من طرف بعض التيارات “الإسلاموية”، تصل أحيانا إلى إطلاق فتاوى تكفيرية للزائرين؛ إلا أنه نلاحظ غياب هذه الزوبعة، إذ تعلق الأمر بشخصيات غير ناطقة بالأمازيغية.
زار الأستاذ المغربي محمد برشي مغترب بأمريكا، دولة إسرائيل وفلسطين، والذي نرحب به في هذا الحوار الحصري ليحكي لنا عن تجربته وزيارته للأراضي “المقدسة”.
✔لمحة قصيرة عنك أستاذ:
مرحبا بكم، يسعدني لقاؤكم، إسمي محمد برشي، مواطن بسيط من الجنوب الشرقي، وبالضبط من قصر ملعب، ولدت سنة 1979، حاصل على الإجازة في القانون العام شعبة العالاقات الدولية، أقيم منذ أربعة عشر سنة كمهاجر في الولايات المتحدة الأمريكية.
✔ كيف راودتك فكرة السفر لإسرائيل وفلسطين؟
كشخص طموح يحب الإستطلاع ويهوى السفر، كانت تسكنني منذ سنين طويلة رغبة إستكشاف العديد من مناطق العالم، وأرى أنني بزيارة فلسطين وإسرائيل أكون قد زرت نصف الأماكن التي كنت أحلم بزيارتها، وهي واشنطن، نيويورك، برشلونة، باريس، القدس، وتل أبيب، في انتظار استكمال اللائحة بحول الله بزيارة مدن إيطالية، يونانية، وتركية.
✔ ما هي نظرتك على فلسطين وإسرائيل قبل زيارة المنطقة؟ خاصة أن الإعلام المغاربي والخليجي دوما يعطي فكرة عن حرب، وفقر وقنابل بمنطقة إسرائيل وفلسطين؟
كنت أعتقد أن السفر الى تلك المنطقة هي مغامرة انتحارية، حيث كنت أعتقد انطلاقا مما يروجه الإعلام أنني بصدد السفر نحو منطقة ينعدم فيها الأمان، وتعيش على صفيح ساخن بسبب الصراع والإقتتال بين الفلسطينيين واليهود خصوصا في مدن الضفة الغربية والقدس، كما كنت أتصور أنني بوصولي الى فلسطين سأعيش لحظات من حرب الشوارع، وسأرى مشاهد من سيارات الجيب الإسرائيلية المصفحة يطاردها أطفال الحجارة في الشارع وتقذفهم بين الفينة والأخرى بالرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع!!.
✔ هل تغيرت نظرتك تلك نحو المنطقة بعد هذه الزيارة؟
طبعا فبوصولي الى هناك، بدأت تلك الصورة التي رسخها الاعلام في مخيلتي تتلاشى، حيث وقفت على الهدوء التام، سواء في المدن الإسرائيلية أو التابعة لسلطة الفيليسطينيين، بل إنني أستطيع أن أؤكد من خلال المقارنة، أن الأمن المتوفر في فلسطين لا يتوفر في المغرب، حيث عاينت غياب “الشمكارة” و”المشرملين” و”كوماندوهات الگريساج” في شوارع المدن الفلسطينية، كمثال فقط، فقد اعتدت على التجول في كل مناطق القدس الهامشية ليلا وفي كل الأوقات ولم أتعرض لموقف شبيه للوارد أن أتعرض له في أي مدينة مغربية خصوصا وأنني أحمل في جيبي دائما مبلغا مهما من النقود السائلة وجواز سفري وآيفون 6s.
✔ ماذا عن الإجراءات الأمنية هناك؟ هل تستطيع العبور نحو الأراضي التابعة للسلطة الفلسطينية؟
بخصوص قطاع غزة الذي حاولت الذهاب إليه، فحدوده مغلقة بسبب الحصار الذي تعيشه المدينة منذ سنوات، أما الضفة الغربية فيمكن الدخول إليها بشكل عادي، لكن العودة منها نحو الاراضي التابعة لإسرائيل لن يتم الا بالمرور عبر الحواجز الأمنية للتأكد من هوية كل عابر، وأذكر أنني دخلت بيت لحم من المعبر الحدودي المعروف ب(المعبر 300)، هذا الدخول كان عاديا، إلا أنني في طريق العودة إكتشفت أن الأمن في مطار تل أبيب لا يطبع الجوازات، بل يمنح ورقة صغيرة هي بمثابة التأشيرة يلزم السائح بأخذها معه في كل الأوقات، لكنني نسيتها في الفندق بالقدس فرفض رجل الأمن في المعبر سماع شكواي، حيث أمرني بالعودة من حيث أتيت، ولأن الشرطة الفلسطينية في بيت لحم ليست على ود مع شرطة اسرائيل، فقد اعتقدت انني سأكون أسيرا في بيت لحم ما لم تتدخل جهات عليا لفك أسري، لحسن الحظ أنني عملت بنصيحة سائق طاكسي فلسطيني الذي أقلني نحو محطة حافلات بيت لحم المتجهة نحو القدس عبر معبر آخر غير الذي حاولت المرور منه، وطبعا كانت الالطاف الإلاهية رحيمة بي عندما تفهم الشرطي الاسرائيلي في المعبر لوضعيتي فسمح لي بالمرور.
✔ كونك إبن الهامش، والمغرب العميق، ما هي مقارنتك لحال المغرب وفلسطين؟
أعتقد أن الإعلام قد بالغ كثيرا في تصوير المواطن الفيليسطيني كإنسان مشرد ضائع ومثير للشفقة، والحقيقة أنني وقفت على صورة ليست كتلك التي يروجها الإعلام عن المواطن الفلسطيني، هذا الأخير يعيش وضعا إجتماعيا يتجاوز وضع المواطن المغربي بمراحل، فدخل العامل الفلسطيني في الضفة الغربية يضاعف نظيرة المغربي بأربعة أضعاف، كما أن بعض الظواهر المنتشرة في المغرب والتي تعبر عن هشاشة بعض الطبقات الإجتماعية كالتسول والأطفال المشردين وأحياء الصفيح، هي أمور غير موجودة في الضفة الغربية، وأعتقد أن مؤشرات التنمية البشرية التي تصنف فلسطين -المحتلة- قبل المغرب -المستقل- صادقة وغنية عن كل تعبير.
✔ قيل الكثير عن إسرائيل بكونها دولة جد متقدمة، هل ظهرت لك مؤشرات عن ذلك وانت تصول وتجول؟
أكيد، فإسرائيل دولة جد متقدمة، ويظهر ذلك من خلال بنيتها التحتية، ومدنها التي تنتشر فيها ناطحات السحاب ومراكز البحث والتطوير، هي بلد رائد في المجال التكنولوجي والطبي والفلاحي، وبمناسبة ذكر الفلاحة، فزائر المنطقة ستفاجئة الضيعات الفلاحية العديدة والمنتشرة في كل شبر من البلاد، هذه الضيعات تغرق السوق المحلية بخضروات وفواكه لا يتم إنتاجها الا في ظروف طبيعية ومناخية خاصة، إلا أن الريادة الاسرائيلية في هذا المجال جعلتها تنتج كل شيء على أراضيها، تصور أن إسرائيل تنتج زيوت الأرگان من ضيعات أنشأت في صحراء النقب وبإنتاجية كل شجرة تضاعف نظيرتها في المغرب بعشر مرات!!.
✔ وماذا عن اليهود المغاربة هناك؟ هل التقيت ببعضهم؟
تقول بعض الاحصائيات بأن اليهود المغاربة في إسرائيل يتجاوزون 260 ألف نسمة، وينتشرون في كل المدن الإسرائيلية وبالخصوص في أشدود ويافا، وطبعا فقد اتجهت الى أشدود لمقابلة بعضهم، فقابلت يهود وجديين، مسفيويين، بيضاويين.. المثير هو أنهم كلهم يتحدثون الدارجة بطلاقة، والمثير أكثر هو أن جيلهم الثاني الذي ولد في إسرائيل يتكلم كذلك الدارجة، هذا بالإضافة الى إتقانهم للعبرية والإنجليزية. هم متحمسون للحديث مع من بالكاد جاء من المغرب، ولا يبخلون عن مساعدته.
✔ كلمة أخيرة
شكرا على هذه الإلتفاتة، و كلمتي الأخيرة ستكون على شكل معادلة وهي: لو إطلعنا أي مواطن مغربي على الوضع في فلسطين عن قرب، فإنه سيخجل من وضعه الاجتماعي الهشّ في وطنه، عكس المواطن الفلسطيني الذي لو إطلعناه على جزء من المغرب المهمش عن قرب لأشفق لحالنا، لهذا وجب على كل مغربي أن يجعل كل تركيزه على تحرير وطنه من كل أشكال البؤس والتفقير، أما أمر تحرير فلسطين فالعرب في المشرق الذين تهمهم هذه القضية أكثر رجالا وأوفر مالا من إسرائيل لو توفرت لديهم الإرادة الحقيقية لتحرير فلسطين، أو على الأقل إرغام إسرائيل على قبول خطة سلام تم نسجها على مقاسهم.