ملخص الدرس الافتتاحي حول “تثمين الموارد البشرية للتربية في ضوء ملاءمة المهن التربوية وسياسات التكوين”
يشكل مطلع الألفية الثالثة منعطفاً تاريخياً حاسماً في التطوير الجذري لأنظمة التربية والتعليم بمختلف بلدان العالم. ارتبط هذا التطوير بفتح هذه الأنظمة، التي اشتغلت خلال العهود السابقة مكتفية بذاتها وبمواردها وإمكاناتها الخاصة، على أربع استراتيجيات كبرى، هي على وجه العموم:
- ربط التربية والتعليم باستراتيجية التنمية البشرية والبيئية المستدامة، ما يستدعي التركيز على الرأسمال البشري وتأهيل الفاعلين التربويين على مستوى القدرات والكفايات المعرفية والمهنية.
- توسيع وتعزيز المقاربة القيمية الحقوقية للتربية والتعليم، ما يتطلب إدماج سياسات الإنصاف والحد من التفاوتات والفوارق في الأنظمة والممارسات المهنية وبرامج تكوين الفاعلين التربويين على كافة المستويات (التدريس، التكوين، التأطير، التوجيه، التدبير، إلخ).
- إدماج التكنولوجيات الرقمية والتربوية في منظومة التربية والتكوين، الأمر الذي يستدعي تغيير السياسات المنهاجية للتعليم والتعلم وتكوين الفاعلين التربويين.
- تغيير سياسات الإصلاح وأنماط التدبير وقيادة التغيير، خصوصاً ما يتعلق بتدبير الفاعلين التربويين وتغيير أوضاعهم المهنية بشكل يستجيب للتحولات والمستجدات.
والحال أن التغيرات التي عرفتها المنظومات التربوية على المستويات التشريعية والتنظيمية والبيداغوجية وأنظمة التدبير، مست بشكل كبير تغيير الوضع الاجتماعي والمؤسساتي لمهن التربية والتعليم، وأدوار الفاعلين التربويين ومهامهم، سواء تعلقت بالتدريس أو التأطير أو التوجيه أو التدبير.
وباستحضار السياق الوطني، راهنت السياسات التربوية العمومية بالمغرب، منذ مطلع الألفية الثالثة، على إدماج الاستراتيجيات المذكورة داخل المنظومة التربوية الوطنية للتربية والتكوين من خلال الإصلاحات المتبناة (الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، القانون الإطار رقم 17. 51 المتعلق بالتربية والتكوين والبحث العلمي). ورغم الجهود المبذولة بهذا الشأن، ورغم تبني نموذج تنموي جديد، فإن معضلة تأهيل وتثمين هيئات الفاعلين التربويين، لا سيما هيئة التدريس، تظل قائمة ولا تزال تشكل موضوع نقاش عمومي بلغ في الآونة الأخيرة ذروته إلى حد التوتر السياسي.
يركز الدرس الافتتاحي على إشكالية تأهيل وتثمين الفاعلين التربويين، من منظور أكاديمي، في سياق وطني وعالمي تعرف فيه المنظومات التربوية، لا سيما مهن التربية والتكوين، تغيرات عدة، تمس تنمية القدرات المؤسساتية والبشرية للتربية والتعليم، وتعزيز المقاربة القيمية والحقوقية، وكسب رهان التحول الرقمي.
ويعتبر الدرس الافتتاحي تأهيل وتثمين الفاعلين التربويين، في سياق تفعيل الإصلاح التربوي وتنزيل مقتضيات القانون الإطار رقم 17. 51، أحد أهم تدابير السياسات التربوية الحالية. وينبغي أن يشمل مختلف الجوانب المؤطرة للممارسات المهنية: الجوانب التشريعية (القوانين المنظمة)، والجوانب المؤسساتية (الوضع المهني والأدوار والمهام، التكوين والتحفيز، التنظيم المؤسساتي للتربية والتعليم، مناخ العمل والعلاقات المهنية، التقييم المؤسساتي للأداء والنتائج…)، والجوانب المهنية (الممارسات البيداغوجية، الاستقلالية البيداغوجية، الابتكار).
أخيرا، من بين أهم مخرجات الدرس الافتتاحي ضرورة انسجام واتساق السياسات العمومية في قيادتها للإصلاح والتغيير التربوي المتعلق بالهيئات المهنية للتربية والتعليم، لا سيما سياسات الإنصاف وتكافؤ الفرص وسياسات الجودة وضمان استدامتها، وأخيراً سياسات اللاتمركز والجهوية وتعزيز المبادرات المحلية على كافة الأصعدة.