الرائدة في صحافة الموبايل

ورش الحماية الاجتماعية بالمغرب.. طموح الدولة الاجتماعية في مواجهة أعطاب الواقع

أنجز التقرير ضمن أشغال سلسلة من الدورات التكوينية حول الطرق الخلاقة لإيصال المعلومة حول الورش الملكي للحماية الاحتماعية كحق للجميع.. من الخبر إلى صناعة الأثر والممتد من 5 ابريل إلى متم يوليوز

التقرير

يشكل ورش تعميم الحماية الاجتماعية بالمغرب أحد أكبر المشاريع الإصلاحية التي راهنت عليها الدولة خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد صدور القانون الإطار رقم 09.21. وقد قدمت الحكومة هذا الورش باعتباره مدخلا أساسيا لبناء دولة اجتماعية تضمن الكرامة والعدالة، وتؤسس لانتقال نوعي من منطق المساعدة الظرفية إلى منطق الحق الاجتماعي، غير أن تتبع مسار هذا المشروع يكشف عن مفارقة واضحة بين قوة الخطاب الرسمي وحدود التنزيل الفعلي، بما يطرح أسئلة عميقة حول نجاعته واستدامته.

بين سمو النص و صعوبة التنزيل

من الناحية الدستورية لا يختلف اثنان حول أهمية التحول الذي كرسه دستور 2011، حين نص صراحة على حق المواطنات والمواطنين في الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، خاصة في الفصل 31 منه، هذا التنصيص يجعل الدولة ملزمة قانونا بضمان هذا الحق على قدم المساواة، ويمنحه مكانة تتجاوز كونه مجرد خيار سياسي إلى كونه التزاما دستوريا.

غير أن الواقع يكشف أن هذا التقدم في النص لم يواكبه نفس الزخم على مستوى التطبيق، فإلى حدود فترة قريبة ظلت فئات واسعة خارج منظومة التغطية، وهو ما يعكس فجوة بين النص والتطبيق، هذه الفجوة تطرح إشكالية مركزية: هل نحن أمام حقوق اجتماعية قابلة للتنزيل والتنفيذ، أم مجرد التزامات عامة تفتقر لآليات إلزامية دقيقة؟

قانون إطار طموح… وتنزيل معقد

جاء القانون الإطار 09.21 ليضع خارطة طريق واضحة لتعميم الحماية الاجتماعية، محددا أهدافا كبرى تشمل التغطية الصحية، التعويضات العائلية، التقاعد، والتعويض عن فقدان الشغل، غير أن الانتقال من النص إلى الواقع اصطدم بعدة اختلالات، من أبرزها فرض التسجيل الإجباري في السجل الاجتماعي الموحد خلافا لمبدأ التسجيل الطوعي المنصوص عليه قانونا، وذلك لتسريع تنزيل برامج الحماية الاجتماعية.

ويواجه النظام أيضا صعوبات في تحديد المستفيدين بدقة بسبب الاعتماد على التصريح الذاتي للدخل، مما يفتح المجال للتصريحات غير الدقيقة، إضافة إلى تعقيد معايير الأهلية، وهو ما يعيق دراسة الطلبات ومراقبة النظام، كما سجلت اختلالات في معالجة قواعد البيانات أدت إلى حرمان عدد من المواطنين من حقوقهم الاجتماعية.

الأكثر إثارة للجدل هو اعتماد عتبة تقنية للاستفادة، أدت في حالات عديدة إلى حرمان أسر فقيرة من الدعم بسبب مؤشرات شكلية، مثل: امتلاك هاتف أو جهاز إلكتروني رغم ضعف دخلها الفعلي، وهنا يتحول الاستهداف من آلية لتحقيق الإنصاف إلى أداة لإعادة إنتاج الفوارق.

على المستوى الاجتماعي لا تزال التحديات كبيرة، فشريحة واسعة من المغاربة خاصة في العالم القروي والقطاع غير المهيكل تظل خارج التغطية الفعلية أو تستفيد منها بشكل محدود، كما تستمر الفوارق المجالية والنوعية حيث تعاني النساء وكبار السن والأشخاص في وضعية هشاشة من صعوبات مضاعفة في الاستفادة.

ووفق تقرير صادر عن المرصد المغربي للحماية الاجتماعية سنة 2024، فإن الهشاشة الاجتماعية تدفع بعض الأسر إلى خيارات قاسية، مثل: تشغيل الأطفال أو الاستدانة المفرطة في ظل ضعف شبكات التأمين الاجتماعي، وهو ما يعني أن الحماية الاجتماعية رغم تقدمها لم تصل بعد إلى مستوى “شبكة الأمان” القادرة على امتصاص الصدمات.

مقاربة Amartya Sen أمارتيا سن

وفي هذا الشأن طرح الاقتصادي الهندي Amartya Sen، فكرة انتقد من خلالها اختزال الفقر في نقص الدخل وقدم بديلا يتمثل في “مقاربة القدرات”.
فحسب هذا التصور لا يكفي أن توفر الدولة دعما ماليا أو تعويضات، بل ينبغي أن تمكن الأفراد من الحقوق الفعلية التي تسمح لهم بعيش حياة كريمة، مثل: تعميم التعليم الجيد، وجود تغطية صحية للجميع، وتوفير فرص الاندماج الاقتصادي.

انطلاقا من هذا المنظور يبدو أن ورش الحماية الاجتماعية بالمغرب لا يزال متجها نحو منطق تعويض النقص في الدخل، دون أن يوازيه استثمار كاف في قدرات الأفراد، فالإشكال لا يتعلق فقط بمن يستفيد من الدعم، بل بمدى قدرة هذا الدعم على تغيير شروط العيش بشكل مستدام، والحماية الاجتماعية الحقيقية تكمن في بناء قدرات اجتماعية تخرج الأفراد من دائرة الهشاشة، وهو ما يتطلب تكاملا فعليا مع سياسات التعليم والصحة والتشغيل.

رهان التمويل واستدامة الإصلاح

يعتمد تمويل نظام الحماية الاجتماعية وفق القانون الإطار رقم 09.21، على مزيج من المصادر العامة (الضرائب، الرسوم الجمركية، إصلاح صندوق المقاصة والهبات)، والمصادر الخاصة (مساهمات العمال وأرباب العمل والقطاع الخاص والعمال غير الأجراء).
ويرتكز هذا التمويل على فرضيتين أساسيتين: الأولى تفترض انخراطا تلقائيا للمهنيين والعمال المستقلين في نظام الضمان الاجتماعي، إلا أنها تواجه صعوبات بسبب ضعف الإقبال وممانعة بعض الفئات، أما الثانية فتقوم على إلغاء صندوق المقاصة وتوجيه موارده للدعم المباشر للفئات الهشة، غير أنها تصطدم بعوائق واقعية، أبرزها: التخوف من ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتأثير ذلك على القدرة الشرائية والسلم الاجتماعي، إضافة إلى صعوبة تحديد المستفيدين بدقة عبر السجل الاجتماعي الموحد.
وبناء على ذلك، تثار إشكالية استدامة المالية العمومية في ظل الكلفة المرتفعة لورش الحماية الاجتماعية، التي بلغت 35 مليار درهم سنة 2024، وقد تصل إلى 40 مليار درهم سنة 2026، وذلك في سياق دولي ووطني صعب يتسم بوجود أزمات اقتصادية، وارتفاع الأسعار، وتحديات داخلية وتزايد الضغوط الاجتماعية.
وبالتالي فورش الحماية الاجتماعية في المغرب، يكشف عن صراع ضمني بين منطقين: منطق يعتبر الحماية الاجتماعية حقا أساسيا يجب تعميمه دون تمييز، ومنطق آخر يتعامل معها كسياسة عمومية يجب ضبط كلفتها والتحكم في نفقاتها.

هذا التوتر يفسر العديد من الاختيارات التقنية خاصة في مجال الاستهداف، والتي تميل أحيانا إلى تقليص عدد المستفيدين بدل توسيعهم، كما يفسر بطء تنزيل بعض البرامج وتعثر أخرى.

في الختام، نخلص إلى أن المغرب قطع أشواطا مهمة في مسار بناء منظومة للحماية الاجتماعية، سواء على المستوى الدستوري أو التشريعي، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل هذا الطموح إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.

وتحقيق ذلك يمر عبر مراجعة عدد من الاختيارات، وفي مقدمتها: تبسيط المساطر، تحسين حكامة المنظومة، تعزيز الشفافية، وتوسيع قاعدة المستفيدين بدل تضييقها، كما يقتضي الأمر إعادة الاعتبار للمقاربة الحقوقية كفلسفة تنموية لا كإطار قانوني فقط، بهدف استثمار قدرات الأفراد وجعلها غاية أساسية للسياسات العمومية.
ففي النهاية، قوة الدول تقاس بقدرتها على تمكين مواطنيها من العيش بكرامة وحرية، وهنا بالضبط يتحدد مستقبل ورش الحماية الاجتماعية بالمغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد