الرائدة في صحافة الموبايل

سؤال النهضة المغربية والنموذج التنموي

ذ. عبد المولى المروري

منذ الاستقلال تعاقب على المغرب ثلاثة ملوك، وواحد وعشرون حكومة، اثنان منها برئاسة محمد الخامس وأخرى برئاسة الحسن الثاني. وحوالي 32 وزير تعليم وحوالي 14 مشروع إصلاح في مجال التعليم أيضا.. وما يزال مسؤولو المغرب يطرحون سؤال النهضة ومسألة النموذج التنموي الذي تحتاجه بلادهم..طيلة هذه السنوات ولم يجدوا له جوابا، ولم يجدوا للتنمية طريقا.. ترى ما سبب هذا العجز الذي استمر زهاء ستين سنة ؟ أين الخلل ؟ هل في الحكومات المتعاقبة؟ هل في المؤسسات القائمة ؟ هل في السياسات المتبعة ؟ هل في الإرادة السياسية للدولة ؟
إن الجواب على سؤال النهضة لابد أن يسبقه الجواب على تساؤلات أساسية مبدئية؛

1/ سؤال العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص:

فلن تقوم لأي أمة قائمة ولن تنهض لها نهضة والفوارق الاجتماعية تمزق كيانه وتفرق شمله وتعيق تنميته…
فالعدالة الاجتماعية هي المدخل الأساس لأي نهضة، كيفما كان نوعها، لأنها تضع المواطنين سواسية أمام القانون والمؤسسات، لا عبرة بجاه أو سلطان، ولا فلان ولا ابن علان، ولا نفوذ أو مال، ولا ريع أو امتيازات، وحده العمل والجهد والإخلاص والتفاني هي أسباب النجاح ووسائل الوصول ..
في إطار العدالة الاجتماعية يشعر المواطن بوطنيته، بكرامته، بإنسانيته، لا يشعر لا بالإهانة ولا بالمهانة، لا بالذل ولا بالابتذال..
في إطار العدالة الاجتماعية الدولة تكون في خدمة المواطن، وليس العكس، فالمواطن يتنازل عن جزء من راحته ليساهم في خدمة بلده، والدولة تستخلص منه الضرائب والجبايات كي توفر له أسباب العيش الكريم.
في إطار العدالة الاجتماعية المواطنون يتمتعون بكامل المواطنة لا هم خدم ولا هو رعايا، هم مواطنون لهم حقوق وعليهم واجبات ينظمها الدستور والقانون وليس الأعراف والتقاليد.
عندما يشعر المواطن أن له حق وكرامة وفرص عادلة، حينها سيبادر إلى خدمة وطنه .. وحب وطنه وفداء وطنه.. وليس كما نراه اليوم ، عبارة عن قوافل مهاجرة، تركب الموت من أجل الخلاص من الذل والهوان.. عن أي نموذج تنموي يتكلمون؟

2/ سؤال الأولويات:

غريب أن يصل الحديث عن النموذج التنموي حد الثخمة مع وجود أولويات مقلوبة من حيث الأهمية والاستعجال والضرورة.
عندما نجد أن معدل الإنفاق في مجال كرة القدم وحدها يتجاوز بأضعاف مضاعفة معدل الإنفاق في مجال التعليم عامة، وفي مجال البحث العلمي خاصة…
عندما يصل هوس الإنفاق والاهتمام بكرة القدم إلى درجة الهديان والجنون، هذا المجال الذي لا يشبع جائعا ولا يروي عطشانا، ولا يداوي مريضا، ولا يشغل عاطلا ، ولا يعلم جاهلا.. عندما تسخر كل أجهزة الدولة وإعلامها من أجل النهوض بكرة القدم وتنظم من أجلها الندوات والمقابلات وتخصص لها الميزانيات من أجل مجد زائف لم يتحقق رغم كل هذه البهرجات، ولن يتحقق في غياب شروط الأولوية والمسؤولية والاعتدال… وفي الوقت ذاته هناك مستشفيات مخصوصة من الأطباء والتجهيزات، مع جودة خدمات في أدنى مستوياتها دوليا، وفي الوقت ذاته جامعاتنا العلمية في أدنى الترتيب العالمي، وفي الوقت ذاته أن مؤشر السعادة عند المواطن يقترب من البؤس واليأس، فعن أي نموذج تنموي يتكلمون؟
إن النموذج التنموي إذا لم يكن قرينا لنهضة علمية وثقافية كبيرة، يعطى فيه الاعتبار للأستاذ والمدرس والمثقف والعالم، وما يستحقونه من تقدير واهتمام وأولوية أمام الدولة والفرد والمجتمع، فلا مجال للحديث عن أي نهضة أو نموذج تنموي، ويبقى كل ذلك حبيس الاستهلاك الإعلامي والترويج السياسي.

3/ سؤال الإرادة السياسية:

إن فشل كل النماذج التنموية السابقة، وكل مشاريع الإصلاح القديمة تؤكد على غياب إرادة سياسية لدى المسؤولين في تحقيق تنمية حقيقية وجادة، لأن الإصلاح الحقيقي والتنمية المطلوبة لابد أن تتأسس على قاعدة العدالة الاجتماعية، هذه القاعدة التي تجعل المواطنين سواسية أمام القانون والمؤسسات.. هذه القاعدة التي تبنى فوقها دولة الحق والقانون، دولة المؤسسات والكفاءات، التي تربط المسؤولية بالمحاسبة، هذه القاعدة التي تقطع الطريق على اقتصاد الريع والامتيازات بدون استحقاق أو كفاءات..
إن الاختيار التنموي الأمثل لابد أن يستحضر النموذج السياسي الأفضل والإرادة السياسية المتجردة الشجاعة لتحقيقه، وإلا فعن أي نموذج تنموي يتناجون ؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد