الرائدة في صحافة الموبايل

مزاعم الخصومة بين الفقيه والعالم (ج1)

الدكتور إدريس الڱنبوري

يتصل بي بعض الأصدقاء والقراء يستفسرون عن مسألة تتعلق بعداء الفقهاء للعلماء، وكيف أن بعض الفقهاء كفر بعض العلماء وكانوا ضد العلم، فكان الطرفان بعضهم يكره بعضا في الحضارة الإسلامية.

وكنا قد أشرنا إلى نتف من هذا في مناسبات سابقة مع بداية الحجر الصحي حين أثار بعض المغفلين قضية الخصومة بين الدين والعلم، أي بين الإسلام والعلم تحديدا.

والحقيقة أن هذه القضية ليست جديدة، ونحن اليوم نعيش بعقولنا وقلوبنا في ظروف القرن التاسع أو الثامن، نحن جميعا، لأننا نستهلك موضوعات قديمة ولا زلنا نحارب بعضنا بعضا بما تحارب به السابقون، وهذا وحده دليل على أن العلم وحده لا يكفي بدون القناعة به، فالشيء إذا كان صحيحا في ذاته لكن لم يجد من يصدقه يكون في حكم العدم، ويكون العالم به وكأنه جاهل، ولكن الشيء في ذاته لا يتغير، ومعنى ذلك أن الإسلام ليس ضد العلم ولم يكن أبدا ضده بل هو هو العلم وهو هو الدين، والفقهاء والعلماء كانوا دائما شيئا واحدا، ولكن عدم العلم بهذا وعدم الاقتناع به، هو ما يجعلنا نعيش بعقولنا وقلوبنا في القرن التاسع أو الثامن، نحن جميعا، لأننا نستهلك موضوعات قديمة ولا زلنا نحارب بعضنا بعضا بما تحارب به السابقون، وهذا وحده دليل على أن العلم وحده لا يكفي بدون القناعة به، فالشيء إذا كان صحيحا في ذاته لكن لم يجد من يصدقه يكون في حكم العدم.

فهل صحيح أن الفقهاء وعلماء الدين كانوا خصوما للعلماء الحقانيين؟ وهل صحيح أنهم كانوا يكفرونهم؟

التفصيل في هذا الأمر قد يطول، ولذلك نحن سنخصص حلقات لهذه القضية، حتى نلملم الموضوع من كافة أطرافه، لو استطعنا.

وأول شيء يجب العلم به غاية العلم وعدم جهله هو أن الأنبياء كانوا هم العلماء والفقهاء قبل نشأة العلماء والفقهاء، لأنهم أول من أرشد إلى أصول العلم والفقه وأرسى الأسس. وقد دلل الله سبحانه في القرآن الكريم على الترابط بين العالم الحقاني والعالم الديني في شخص الأنبياء عليهم السلام لكي يبين للناس أن لا انفصال بين الإثنين. ألا ترى أن أول ما نزل بغار حراء هو”اقرأ باسم ربك الذين خلق خلق الانسان من علق أقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم”؟ فهذه الآية فيها أربعة أمور: المعلم وهو الله سبحانه “ويعلمكم الله”، قلم الكتابة لأن”قيدوا العلم بالكتابة”، والتلميذ المتعلم وهو الإنسان، ثم العلم، وهو مادة التعلم. وإذا كان المعلم هو الله والمتعلم هو الرسول كان معنى ذلك أن العلم يخرج من العقيدة، وأن الرسول يبلغ ما أوحي إليه وهو الترابط بين العلم والعقيدة.

ويبرهن لنا القرآن على أن هناك من الأنبياء من وظف العلم للدين، فلم يكن الفصل بينهما مطروحا عنده بكل بساطة لأن رب الدين والعلم واحد فكيف ينقسمان، والله يحب أن يعبد عن علم فكيف ينتصر الفقيه والعالم للجهل؟.

فنوح عليه السلام استعان بالعلم على دينه، قال تعالى:”ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه”، فصنع السفينة، قضى أياما كثيرة في صناعتها من خشب الشجر وأتقن صنعتها بحيث تقاوم الماء ولا تغرق، وبحيث تتسع للكثيرين، وبحيث كان يعرف كيفية قيادتها في الماء وسط الموج، وبحيث يعرف كيف يديرها في الاتجاه الذي يريد… إلخ، وكل هذا علم وراءه نبي.

والنبي داوود جمع بين النبوة والعلم والملك، قال تعالى:”ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين، وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون”.

وسليمان عليه السلام قال عنه القرآن:”ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين، ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين”. وسخر الله له الجن يعلمون له ما يشاء، قال تعالى:”يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور”، والتسخير هنا معناه توظيف الأشياء لك وجعلها طوع إشارتك.

وذو القرنين الملك الصالح الذي آتاه الله من كل شيء سببا، والسبب هو المنهج أو الأداة، فجاب الأرض طولا وعرضا ووصل إلى قوم طلبوا منه بناء سد بينهم وبين يأجوج ومأجوج، فكان مهندسا وبناء وطوع الله له الحديد فأقام السد وسكب عليه من النحاس المذاب…إلخ.

وكل هذا كان وراءه الأنبياء عليهم السلام، فهل نقول بأن هؤلاء الأنبياء كانوا ضد العلم وكانوا “يكفرون” أنفسهم؟ وإذا كان الله سبحانه وراء هذه الحكمة، حكمة الجمع بين الدين والعلم لدى أنبيائه، كيف يجوز أن يكون هناك فقيه يفصل بينهما ويكفر العلماء على أساس العلم وعلى أساس العلم وحده؟.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد