لحظات قبل نهاية المنع
رشيد السليم
أخيرا خرج من الحجر الصحي، بعد أن كان مواطنا صالحا ملتزما بكل قواعد الإقامة الجبرية التي فرضتها الجائحة، بدا كأنه يجرب حواسه لأول مرة، أشعة الشمس تعبر مسام جلده كحقن الهيروين التي سمع بها؛ وخز لطيف يعقبه إحساس بالراحة واللذة…
بدأ يبتعد عن مقر سكناه دون أن يحدد إلى أين سيذهب، كان الهواء المتدفق في رئتيه يحيي العظام في جسده، وقد خلق دخان السيارات في ذاكرته اضطرابا لا يوصف، وكل رائحة يشمها تحمل معها ملفا غاصا بالأحداث، تعالت ضوضاء الشارع وغوغاء الباعة المتجولين فسمعها بأذني حيوان بري جيء به إلى المدينة لأول مرة، أخذت نفسه تتأرجح بين قلق يبعثه الزحام وطمأنينة حرية مفتعلة، وبينما روحه هائمة في عاصفة من الرسائل والأفكار؛ انبثق من المارة شخص معهود ودفعه إلى درب شبه خال من الناس، لقد كان الغريب، بإيماءة منه جلسا جنبا إلى جنب على عتبة باب متجر مقفل مكتوب عليه “للبيع”، وانقطعت عنهما كل الأصوات.
قال الغريب مبتسما لأول مرة: مازال جسمك نحيفا.
رد الآخر ساخرا: السمنة داء لا نصيب لمثلي فيه.
ـ أعرف أنك مستاء مما حصل ويحصل.
ـ لست أطمع في قفة ولا في حق باسم الصدقة.
ـ هذا أسوأ رد أتلقاه منك، ما هذه السطحية الطافية على فهمك؟
ـ لعلها آثار الجائحة سيدي، لم أعد قادرا على التحليل ولا على اتخاذ موقف واضح مما يجري.
ـ لقد صرت الآن مثلما تم التخطيط لك، العشوائية في التفكير والتيه المنهجي.
ـ ولكني لن أنساق مع أي موجة مشبوهة المصدر.
ـ قال الغريب متهكما: ستكون مضطرا إلى فعل ذلك، هذه زهرة شبابك تكاد تبدي بذورها…
ـ إلام ترمي؟
ـ سؤالك هذا دليل على ما أصاب عقلك من فتور.
ـ أأنت تقول عني هذا الكلام؟ إنك أدرى بمعيشة الصعلوك.
ـ زاد من استفزاز الشاب المتخبط في الضياع: بل هو استسلام مثلما قيل لك قبل أيام، وسوف يزيد من إضعافك نداء الطبيعة وغريزة النسل، ثم تعزي نفسك بذرية تكمل مشوارك نحو الحرية والعدالة بدلا عنك.
ـ أراك تصنع مني بطلا بحق، أنا مجرد صوت خافت يئن بين فينة وأخرى.
ـ لا تخيب ظني فيك، أعرف أنك خائف من فقدان أملك الوحيد في العمل، خصوصا عندما أشير إليك أنك تلعب بالنار.
ـ إنه كلام من أجل حفزي على استكمال التكوين، من أجل مصلحتي…
ـ لا تغالط نفسك، هل كنت في حال تستحق فيها تلقي تلك العبارة؟ إنها لهجة التهديد والاستعلاء التي ستظل تسمعها وتقبل بها إلى أن تموت…
ـ ألست تبالغ هذه المرة؟ أنا أفعل قصارى جهدي لكي أحافظ على كيان متوازن وسط عالم مختل.
ـ هذه لغة جديدة منك قديمة عندي، التوازن والاندماج والمشاركة ثم المداهنة… إلى أن تختفي كلمة الاعتراض من معجمك تماما.
ـ أشعرتني كأنني تنظيم سيادي أو مؤسسة حزبية، ما هذا؟ لا تحملني ما لا طاقة لي به.
ـ لين الغريب كلامه قليلا: إن غايتي هي تنبيهك من مغبة الخضوع، لا يهم حجم أثرك في غيرك، ولكن أثر غيرك فيك هو الأهم في هذه المرحلة.
ـ أنا أشعر بالتعب، وأنت لم تراع المقام الذي نحن فيه.
ـ بل هو أنسب مقام، أنت أشبه بالخارج من المعتقل، وأول يد حاضنة له هي التي تحدد رؤيته الجديدة للحياة.
ـ أنا جائع، ولا أطيق الآن سماع ما يمليه الضمير.
ـ هل تبرر انتحارك؟
ـ لا تغالي، أنا فعلا جائع ومتعب.
ـ سأتركك الآن وسوف أعود إليك عندما تعود إليك نفسك.
اختفى الغريب، واندلعت كل الأصوات من جديد، اقترب من الشاب رجلان يهمهمان بذكر المال، ووقفا أمامه، كان أحدهما يرتدي قميصا أبيض والآخر بذلة ملطخة بألوان الطلاء تقول للرائي هذا صباغ، قال الرجل للصباغ مشيرا إلى باب المحل: أريد طلاءه باللون الذي كان عليه…
وقف الشاب فاسحا إليهما مجال الرؤية وأخرج من جيبه قطعة نقود معدنية ثم اتجه إلى بائع الخبز…