الرائدة في صحافة الموبايل

لايبنيز ينتقد نظرية مالبرانش حول وحدة الروح والجسد (4/3)

أحمد رباص – دنا بريس

إن الفرضية الأخيرة، التي تسمى أيضا “فرضية التوافقات”، هي أساس حل لايبنيز لمشكلة الاتحاد بين الجسد والعقل. عرضت هذه الفرضية بشكل خاص في “المذهب الجديد للطبيعة والاتصال بين الجواهر” الصادر عام 1695، وتشكل نظرية عامة، مؤسسة على مقولة التعبير، بحيث تتواصل مختلف الجواهر في ما بينها، في استقلال عن تأثير واقعي. يفرض اتحاد الروح والجسد، كحالة خاصة من تواصل الجواهر، “علاقة متبادلة منظمة مسبقا” بين الروح والجسد، مستثناة من أي سببية مستعرضة من أحدهما إلى الآخر، وبدون الحاجة إلى افتراض تدخل إلهي متكرر في كل حدوث للعمليات النفسية الفيزيائية.
وفقًا للايبنيز، “الكتلة المنظمة [الجسد]، حيث توجد وجهة نظر الروح، معبرا عنها قريبا أكثر من تلقاء ذاتها، وتجد نفسها مستعدة بشكل متبادل للتصرف من تلقاء نفسها، وفقا لقوانين آلة الجسد، في اللحظة التي تريدها الروح ، دون أن يزعج أحد قوانين الآخر، يكون للأرواح والدم بالتحديد الحركات التي يحتاجونها للاستجابة لانفعالات وإدراكات الروح، هذه هي العلاقة المتبادلة المننظمة مسبقا في كل جوهر من جواهر الكون، التي تنتج ما نسميه تواصلها، وهي وحدها التي توحد الروح بالجسد”.
إذن، يجعل التناسق الأزلي المحدد مسبقا من الممكن تصور العلاقة بين النفس والجسد، والطريقة التي بها الروح والجسد يتجاوبان (حركة في الجسد تتوافق مع إرادة في الروح، أو تمثل في الروح يتوافق مع عاطفة ما في الجسد)، على الرغم من أن قوانين الطبيعة، ومبادئ الفيزياء، تظل دون تغيير. على عكس التفاعل الديكارتي، ولكن أيضا بخلاف أوكازيوناليسم مالبرانش، فإن فرضية التوافقات للايبنيز تتميز، وفقا لصاحبها، بكونها متوافقة تماما مع المسلمة الحديثة، المميزة لعلم الطبيعة الجديد ، حول السببية الجسدية المستقلة.
في هذا الجانب الدقيق، لا يمكن لمذهب التناسق الأزلي، في الواقع ، إلا أن يذكرنا بـ”التوازي” السبينوزي الذي افترض أيضا تزامنا تاما للوظائف العقلية مع الوظائف الجسدية، مع استبعاد كل تبادل سببي مباشر بين الجسد والعقل. علاوة على ذلك، فإن مصطلح التوازي، الذي لا وجود له في كتب سبينوزا، صاغه لايبنيز نفسه ليوضح به مفهومه الخاص عن العلاقة بين “الروح” و”المادة. هكذا يمكن للتوازي أن يشكل الاسم الآخر للتناسق الأزلي. بالتأكيد، من توازي سبينوزا إلى توازي لايبنيز، تكون التحولات كبيرة، لأن سبينوزا، على عكس لايبنيز، يفترض المساواة من حيث المبدأ بين سلسلة العلل الجسدية، تحت محمول الامتداد، وسلسلة العلل العقلية، تحت محمول الفكر، ولا يتصور فعلا أصيلا لعلة أولى متعالية للتنسيق المنظم اللاحق على السلسلتين.
بصرف النظر عن هذه الاختلافات، فإن التناسق اللايبنيزي، في معارضته للتفاعل، ومن خلال أطروحته عن الاستقلالية والاستقلال المتبادل للسببية العقلية والسببية الجسدية، يندرج في إطار استمرارية تعاليم اسبينوزا. لكن من اللافت للنظر بشكل خاص أن لايبنيز، في هذه الحالة، لا يعترف بهذا الإرث على الإطلاق، وأن اسم سبينوزا، بخلاف اسمي ديكارت أو مالبرانش، لا يظهر، إلا في ظروف استثنائية وفي سياق سجالي محدد، ضمن نصوص لايبنيز المكرسة للعلاقة النفسية الفيزيائية.
مهما يكن، فإن نموذج العلاقة بين الجسد والعقل الذي يعنيه المذهب اللايبنيزي في التناسق هو نموذج التوافق. يقتضي التوافق تزامنا وتناسبا منظمين بين العمليات النفسية (تمثلات في الروح) والعمليات الفيزيائية (حركات في الجسد)؛ علما بأن هذا التناسب مؤسس في الأصل وموضوع بشكل نهائي، إذا جاز القول، من لدن الله نفسه.
هذا على وجه الخصوص هو الدرس المستفاد من مقارنة لايبنيز الشهيرة بين العلاقة النفسية الفيزيائية والعلاقة المنظمة مسبقا لساعتين متزامنتين. في ظاهرة التزامن (وهي ظاهرة فيزيائية تمت دراستها لأول مرة بواسطة كريستيان هوغنس(°))، يمكن ويجب تفسير “التوافق التام” بين هاتين الآلتين ذاتيتي التشغيل اللتين هما الساعتان، وفقًا للايبنيز، بالتصنيع والتعديل الأولي لـكل واحد من هذين الجهازين الميكانيكيين، بحيث يكونان بعد ذلك بالضرورة وبشكل عفوي متناغمين، دون أن تؤثر ضربات أحدهما بشكل مباشر على دقات الآخر، ودون إجبار الميكانيكي على التدخل باستمرار لضبط دقات كل منهما.
والحال أنه مثلما تتوافق الساعتان تلقائيًا وآليا، كذلك الجسد والعقل يتجاوبان، وترتبط القرارات النفسية بالقرارات المادية، على الرغم من أن كل واحد منهما يخضع لقوانين عمله الخاص، دون أن يكون محددا في عمله إما من قبل الآخر (“مسار التأثير”)، أو من قبل الله في كل لحظة (“مسار المساعدة”). عبر “مسار التناسق الأزلي”، تترابط التمثلات في الروح، والحركات في الجسد، على الرغم من أن الجسد والعقل لا يعمل أحدهما ضد الآخر؛ إذ ثمة توافق بموجب التشكل الأصلي لكل منهما، بواسطة “جهاز إلهي إنذاري، شكل منذ البداية كلا الجوهرين، يحيث لا يتبع أحدهما سوى قوانينه الخاصة التي تلقاها مع وجوده، ومع ذلك يتوافق مع الآخر، كما لو كان بينهما تأثير متبادل، أو كما لو كان لله دائما يد فيه، بغض النظر عن دعمه العام”. إذن، توافق الروح والجسد لا يقتضي فعلا متبادلاً أو تدخلا سببيا، كما أنه لا يفترض فعالية إلهية دائمة تفعل في جميع الظروف في العلاقة النفسية الجسدية ؛ بل يتطلب في البداية فقط هذا “الجهاز الإنذاري الإلهي” الذي ينسحب فيما بعد.

الاستقلال المتبادل للسببية النفسية والسببية الجسدية، تلك، في ما يبدو، هي النتيجة المكتسبة التي يؤدي إليها مسار التناسق. لكن كما يوحي به المثل الذي ضربه لايبنيز عن للتزامن، لا يتوافق الروح والجسد إلا بقدر قابليتهما لأن يقارنا، من وجهة نظر القدرة على الفعل، بساعتين، أي بجهازين ميكانيكيين مصنوعين، منطويين على مبدإ عملياتهما المنظمة. بعبارة أخرى ، تشير فرضية التناسق الأزلي إلى أن الروح، وكذلك الجسد، قابلان لأن تتم مقارنتهما بألتين ذاتيتي التشغيل. فضلا عن ذلك، كان هذا التشغيل الذاتي للنشاط العقلي متضمنا بالفعل في المسلمة العامة حول الاستقلال المتبادل والتوافق بين القوانين الفيزيائية من ناحية، والقوانين الخاصة بالعقل من ناحية أخرى، أي قوانين الفكر.

(°) كريستيان هوغنس فيزيائي وفلكي هولندي (1629-1695). هو أول من صنع ساعة بندول. وكان مبدأ حركة الرقاص قد أثبته العالم الإيطالي غاليليو في الثمانينات من القرن السادس عشر، غير أن كريستيان هوغنس هو من طبَّقه عملياً سنة 1657 م.
(يتبع)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد