عزيز محب.. لماذا استهداف الدكتورة نبيلة منيب؟!
أثار تصريح الدكتورة نبيلة منيب الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد حول الأزمة الصحية المرافقة لوباء كورونا، ردود فعل متباينة، وهذا أمر طبيعي. لكن بعض ردود الفعل اتجاه تصريحات الدكتورة نبيلة منيب “غير طبيعية” ليس لكونها تفتقد إلى أصول وقواعد النقاش العمومي فحسب،بل لكونها تتستر خلف العلم والمصلحة العامة سعيا لتمرير خطاب الترهيب والتخوين والتكفير ضد المعارضين لسياسة النظام والمواطنين المتضررين من هذه السياسات. وضمن هذه الحملة الممنهجة ضد الآراء المعارضة للرأي الوحيد (رأي السلطة) يندرج صوت “طبيب” يتستر خلف مهنة الطب لأداء وظيفة شرطة الرأي. لا نعرف أصل وفصيلة هذا الطبيب، لكننا من خلال فك شفرة رسالته المفتوحة إلى الدكتورة نبيلة منيب نستطيع القول بان صاحب الرسالة من الفصيلة التي لا تستطيع التمييز بين الطب والسياسة الصحية، وهو لا يختلف عن فقيه لا يميز بين الدين والسياسة الدينية، فيقضي عمره في الركوع والسجود للسلطة السياسة. وهكذا بدل احترام استقلالية الطب عن السياسة خلع صاحبنا بذلة الطبيب ليرتدي بذلة شرطي في سبيل الدفاع عن السياسة الصحية الرسمية التي انتقدتها الدكتورة نبيلة منيب.
سنستعرض بعض الفقرات التي جاءت في “مراسة” من طبيب إلى أمينة عامة لحزب سياسي ليقف القارئ بنفسه على درجة الانحدار السياسي والأخلاقي الذي آلت إليه مؤسساتنا الجامعية وهيئاتنا المهنية المنتجة والراعية لمثل هذا الطبيب.
رسالة طبيب أم مراسلة عون سلطة ؟
“بصفتي طبيب ملزم أخلاقيا وقانونيا بالحفاظ على صحة المواطنين وجب علي التوجه إليكم بهذه الرسالة “.وبغض النظر عن مصدر هذا الإلزام الأخلاقي والقانوني، فان طبيبنا الذي لا يميز بين الإلزام والالتزام لم تصدر عنه أية رسالة مفتوحة أو مكتومة إلى السيد وزير الصحة لحماية صحة زملائه من الأطباء والممرضين وهم يواجهون الوباء وهم مجردون من ابسط وسائل الوقاية والحماية ومن بينهم من استرخص حياته للحفاظ على حياة الآخرين . كيف ادن يمكن لطبيب عاجز حتى عن الالتزام بمبدأ التضامن المهني أن يكون ملتزما بحماية صحة المواطنين؟ الم يسمع طبيبنا “الملزم أخلاقيا وقانونيا” بعشرات البؤر التي ظهرت في المعامل والضيعات معرضة حياة الآلاف من العمال والعاملات لخطر الموت؟ ألا يتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية بصمته عن خرق العديد من الشركات للبرتوكول الصحي المصادق عليه من قبل منظمة الصحة العالمية معرضة عمالها وعاملاتها لخطر الإصابة وعموم المواطنين لخطر تفشي الوباء ؟
من قسم ابقراط إلى قسم بوش
هل يمكن لطبيب أدى قسم ابقراط أن يناقش الأمور الطبية بقاموس بوش حول الإرهاب (معنا أو ضدنا)؟ يقول طبيبنا الملزم بالحفاظ على صحة المواطنين ” أن تصرحوا أن هناك مؤامرة تحاك ضد الشعوب و أن الفيروس المسبب لوباء كورونا هو ربما تم صنعه من طرف بعض الدول الغربية أو الآسيوية ضد شعوب أخرى فهذا كلام خطير يزيد من كراهية شعوب ضد شعوب ودول أخرى”. والملاحظ أن طبيبنا حرف تصريح الدكتورة نبيلة منيب الذي جاء فيه ما يلي : ” هناك عدد من الشخصيات العالمية، اغلبهم أساتذة في الطب وخبراء، يشعرون بان هناك خطر ما يتهدد الإنسانية. وانه ربما هناك ما يمكن أن نسميه “جيوستراتجية كورونا”. وباستعماله لعبارة “أن تصرحوا” بدل “أن تصرحين” يكشف أن رسالة الطبيب، لا تستهدف الدكتورة نبيلة منيب فقط، بل تستهدف كل من شعر بان هناك “خطر يتهدد الإنسانية”. إن طبيبنا وهو يربط بين الشعور والجريمة يكون قد استبدل “العقل الطبي” بالعقل الأمني وهو ما يشكل خيانة صريحة لمهنة الطب.
في خدمة السلطة وشركات الأدوية
الجميع يعرف، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، حجم الماسي التي تعرضت لها شعوب إفريقيا واسيا جراء الأدوية الفاسدة والجميع يعرف الحملات العالمية ضد شركات صناعة الأدوية المتورطة في تجريب الأدوية واللقاحات وزرع الأمراض في حقول بشرية.والجميع على علم بالصراعات الأخيرة بين المختبرات وشركات صناعة الأدوية حول احتكار اللقاح المضاد لفيروس كوفيد 19 .
لسنا مجبرين على إعطاء تقاريرعن الأطباء والخبراء المشككين في فرضية الأصل الطبيعي لهذا الفيروس، يكفي تذكير طبيبنا الحريص على صحة المواطنين والأكثر حرصا على سيادة روح التضامن بين الشعوب، بان المجموعة العلمية العالمية قد صادقت خلال ندوة عالمية سنة 2016 أي قبل ظهور وباء كوفيد بأربع سنوات على قرار يقر بدخول الحياة على كوكب الأرض حقبة جيولوجية جديدة ( حقبة الانتروبسين). ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أن كبار العلماء قد “صرحوا” بان الإنسان، من خلال أنشطته الصناعية المسممة لكوكب الأرض والمخلة بتوازنات نظامها الايكولوجي، قد تحول إلى قوة جيولوجية ستكون مصدرا لازمة بيئية كبرى تهدد بانقراض الحياة على سطح الأرض. أليست عودة الأوبئة من جديد تمثل مظهرا من مظاهر هذه الأزمة الايكولوجية؟
وهل يستطيع طبيبنا إثبات مصدر فيروس كوفيذ هل هو الطبيعة أم الإنسان؟ بالطبع لا يستطيع ،لان كل المؤشرات تقود إلى
ترجيح فرضية التحويل الجيني لفيروس سارس داخل المختبر ويس بفعل الطبيعة.
ختامه مسخ
بعد اتهامه المبطن للدكتورة نبيلة منيب بإذكاء العداوة بين الشعوب والتحريض على الإرهاب وتحميلها مسؤولية رفض المواطنين للتلقيح قبل التأكد من سلامته ونجاعته الطبية، يكشف الطبيب صاحب المراسلة المفتوحة إلى الدكتورة نبيلة منيب عن أصله وفصله من خلال جملة تعود إلى العهد البائد لغير المأسوف عليه إدريس البصري : “عندما يسابق المغرب برمته بإرادة ملكية وحرصا من جلالته على سلامة المواطنين ، يسابق الزمن وكل الدول للحصول مبكرا على هذا اللقاح تأتي تصريحاتكم لنسف كل المجهودات عن طريق البلبلة وترويج معلومات خاطئة”.
ماذا قالت الدكتورة نبيلة منيب في تصريحها حول فيروس كورونا ؟
سأستعرض مقتطفات من تصريح الدكتورة نبيلة منيب لتبيان تحريف تصريحاتها:
تقول الدكتورة نبيلة منيب ما يلي:
1-“اليوم من اجل متابعة حدث ما، كيفما كان يحاول الإنسان أن يجمع عدة مراجع. لكن اليوم وسائل الإعلام التي تلعب دور التحكم في العقول والأفكار لا تمدنا بالمعلومات الحقيقية والدول تعطينا أوامر بدل أن تعطينا توصيات عبر تحكمها في وسائل الإعلام”.
2- “هناك عدد من الشخصيات العالمية، اغلبهم أساتذة في الطب وخبراء، يشعرون بان هناك خطر ما يتهدد الإنسانية. وانه ربما هناك ما يمكن أن نسميه “جيوستراتجية كورونا”: كيف ظهر ولماذا في هذا الوقت بالذات ولماذا هذا التسلط والحجر والتكميم وتمرير العديد من القوانين المكبلة للحريات في العديد من الدول ومن بينها قانون 20- 22 الذي تم تمريره في المغرب.
3-“انطلاقا من هذه الأسئلة، انطلقت الأبحاث ومن بينها البحث في تسلسل الحمض النووي لفيروس كوفيد 19. ومن بين النتائج التي تم التوصل إليها، أن هذا الفيروس لا يمكنه أن يعيش ويتكاثر إلا من داخل الخلايا. والسؤال المطروح، والذي ليس له أي جواب لحد الآن، هو كيف انتقل هذا الفيروس ووصل إلى خلايا الإنسان؟ هل تم ذلك نتيجة تغيير جيني لفيروس كوفيد الأول الذي ظهر في سنة 2003 ؟
4-“هذا الفيروس يقال لنا بأنه خطير و هو خطير بالفعل لأنه يؤدي إلى الوفاة، لكنه ليس اخطر من الزكام العادي الذي يصيب سنويا 1مليار شخص ويؤدي إلى وفاة 650 ألف شخص.
لماذا استهداف الدكتورة نبيلة منيب؟
ليس مفاجئا في بلد معظم قضاياه الحيوية (الصحة والتعليم والشغل والتسيير ….) خاضعة لمنطق “الرأي الوحيد” الذي كرسه من جهة وباء الاستبداد السياسي المزمن وعقم المؤسسات الجامعية ووسائل الإعلام والتنظيمات السياسية والاجتماعية من جهة أخرى.
هكذا وفي غياب نقاش عمومي داخل المجتمع يكرس حرية التعبير وتعددية الرأي من مختلف القضايا، تأتي تصريحات الدكتورة نبيلة منيب كحالة “استثنائية” وهي استثنائية بالفعل، مقارنة مع ما يدلي به “خبراء” المخزن وقادة أحزابه ووزراء حكوماته ورؤساء مجالسه. فمنذ موت المعارضة السياسية ورحيل أو تحول قياداتها، لم يشهد المغرب قائدا سياسيا يجمع بين الرأي الفكري والموقف السياسي. وهذا ما تحاول الدكتورة نبيلة منيب تجسيده وقد نجحت في ذلك في العديد من المناسبات بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع أرائها الفكرية ومواقفها السياسية. لكن نجاح الدكتورة نبيلة منيب في إعادة التوازن والانسجام والمصداقية للخطاب السياسي يصطدم بطبقة سياسية هي بطبيعتها عقيمة سياسيا واشد كراهية للفكر وأكثر عداء لحرية التفكير وتعددية الرأي.
ولان هذه الطبقة العقيمة سياسيا وفكريا تتحكم في “كل شيء” (الجامعة والإعلام والمؤسسات …) فقد خلقت لنفسها طابورا من “الخبراء” و”الإعلاميين ” و”الأساتذة” و”الأطباء” و”الزعماء” و زمرة من ” المدونين ” قاسمهم المشترك هو تلويث الرأي العام وحرف اهتمامه نحو التفاهة. ولان خطاب الدكتورة نبيلة منيب موجه إلى هذه الطبقة ويمر عبر قنوات متحكم فيها، فان الأوساط الشعبية والأوساط السليمة فكريا وسياسيا لا يصلها خطاب الدكتورة نبيلة منيب، بل يصلها تسفيه وتشويه لخطاب الدكتورة نبيلة منيب.
وانطلاقا من اهتمامي بموضوع الكوارث البيئية والأوبئة ومتابعتي للكتابات والنقاشات حول وباء كوفيد 19، فإنني اجزم (وأتحدى من يثبت عكس ذلك) بان ما جاء في تصريح الدكتورة نبيلة منيب حول وباء كورونا في بعده الأكاديمي هو اقل “خطورة” مما هو متداول في الأوساط العلمية.
الفرق هو أن الدكتورة نبيلة منيب جمعت بين “الرأي الأكاديمي” بصفتها أستاذة جامعية و”الرأي السياسي” بصفتها مناضلة وقيادية لحزب سياسي معارض.
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع الدكتورة نبيلة منيب، فان نقاش أطروحاتها يستلزم هو الأخر التمييز بين البعد الأكاديمي والبعد السياسي،لان لكل بعد أصول وقواعد في النقاش.
وأما قواعد وأصول النقاش الأكاديمي، فهي الارتكاز على النتائج المخبرية، خاصة حينما يتمحور حول ظاهرة طبيعة أو اجتماعية لا تحضى بإجماع المجتمع الأكاديمي، أو المقارنة بين حصيلة الأبحاث العلمية حول الظاهرة ووجودها في الواقع،إذا كان الأمر يتعلق بظاهرة اجتماعية. أما قواعد وأصول النقاش السياسي، فهي تستلزم احترام الرأي السياسي كشرط لممارسة حرية النقد غير المشروطة.
ذ. عزيز محب قيادي التيار التحرر والديمقراطية