الرائدة في صحافة الموبايل

سوسيولوجيا الفقر الثقافي

بقلم اسامة البحري

لطالما كانت إشكالية : “ما معنى ان تكون فقيرا بالنسبة للسوسيولوجيا ؟” ، إشكالية تطرح امام كبار المختصين في سوسيولوجيا الفقر و الهشاشة ، و لان بعض الاجابات الاجتماعية كانت تروم دائما الى البحث في ثنايا الفقر من زوايا مادية بعيدة عن ماتختص به السوسيولوجيا و الانثربولوجيا و هو استنباط المعنى الرمزي الذي يضفيه الفقير على فقره و المعنى الذي يضفى على الفقير عبر أسباب فقره ، ارتأينا اليوم ان نخصص هذه المقالة للحديث عن اثر الفقر الفقر الرمزي الذي بدوره ينعكس الى فقر مادي و هو الذي كرس له كل من بورديو و لويس اوسكار و جورج زيمل على سبيل الذكر لا الحصر ، العديد من الكتب ، و قد ارتأو من خلال ذلك ، تفكيك العلاقة الرمزية للبنى الثقافية في علاقتها بنظرة الفقير لفقره ، و هذا ما سنحاول معالجته في هذه المقالة .
فعتبر اذن هذه التداخلات في البراديغمات الخاصة بتفسير الفقر ، اشكالا سيدفعنا مرة أخرى الى السقوط في مأزق نظري سنعيد بفعله طرح تساؤل آخر سيكون بمثابة نافدة ستسعادنا على فك هذا اللغز في علاقته بالإشكال الاول ، و يعتير هذا الاشكال ، اشكالا سبق و أن طرحته الباحثة maryz bresson و هي باحثة متخصصة في سوسيولوجيا الفقر و الهشاشة ، فقد سبق و ان نساءلت في مقالة لها قاىلة : هل الفقر لازال سؤالا سوسيولوجيا ، و هل لازال يطرح الان ؟
للاجابة عن هذا السؤال سوسيولوجيا ، يمكننا العودة الى سيرج بوغام و هو من احد السوسيولوجيين المعاصرين ، الذين كرسوا جهودهم لدراسة الروابط الاجتماعية و كذا اشكالية الفقر و الهشاشة و قد انتج كتاب غاية في الاهمية عنونه ب ” الاشكال الاساسية للفقر ” ، ففي هذا الصدد يقول بوغام : ” لا يمكن للباحثين في العلوم الانسانية و السوسيولوجيا تحديدا ان ينتسبوا بشكل وجيه ظاهرة يبدوا تعريفها للرأي واضحا ” و يكمن عمق هذه القولة ، في ارتباطها الوطيد بهيئة الباحث التي يدافع عليها كل من دروكهايم و بورديو في كتاباتهما الشهيرة و خصوصا” قواعد المنهج في علم الاجتماع / حرفة عالم،ة الاجتماع” و التي ركزت على علاقة الباحث نظريا بتفسير الظواهر الاجتماعية ، الإمبريقية التكوين ، فلكي لا ننزلق في تفسير الظواهر الاجتماعية بافكارنا العفوية التي يمليها علينا المجتمع ، يجب ان نتسلح بادوات نظرية و من بين هذه الادوات العين الٱبستيمولوجية و تحديدا العين السوسيولوجية ،و التي يعرفها بورديو بانها ادوات نستقيها من تاريخ الفكر و الفلسفة خصوصا لكي نفهم عمق الظاهرة الاجتماعية في ارتباطها ببينة البنى الرمزية للمعاني و ببنى المجتمع بكونه عبارة عن كل متلاحم ، و عبر هذه الزاوية في النظر ، ييمكننا ان ننظر الى الفقير على أنه كائن إجتماعي عالق داخل نسيج مجتمعي مكون من نوع معين من شبكات الرموز المعنوية و و من نوع معين من شبكة الروابط الاجتماعية ، و في هذا الصدد فان الفقير حسب بوغام هو ذلك المواطن الذي لا يشعر بالاستقرار ا سواء من حيث الروابط الاجتماعية التي صنفها الى ارعة في كتابه الرابط الاجتماعي و لا من حيث ارتيباطه بالمستوى المادي ، الذي يجب ان يوفره له الواقع من ضمانات لتدبير حاضره و مستقبله ، و تعتبر هذه النتيجة التي توصل لها بوغام نتيجة مستخلصة و مستنبطة بعمق من كتابات اميل دوركهايم ، فرغم ان دوركهايم لم يفكر في اشكالية الفقر و الهشاشة ،إلا أنه اساسي في فهم اثر تفكك الروابط الاجتماعية و التماسك الاجتماعي في الفقر و الانحراف ، فلكي يكون المجتمع متماسكا حسب دوركهايم يجب العمل على المعايير و القيم التي تساهم في التماسك الاجتماعي كان لا تكون هنالك رشوة ، أ لا يكون هنالك غش في مباريات التوضيف الخ ، فكل خلل في سيرورة الاندماج داخل المجتمع ، من خلال مخالفة القيم ، تقع اختلالات ، فالترابط العضوي اذن هو الذي يضمن الاشتغال في تناغم و تعاون ، و تفكك هذا الترابط المرتبطة بالقيم ، كأن تكون هنالك بفعل الافراط في مخالفة القيم رشوة و سرقة ، فهذا سيؤدي حتما الى ظهور خلل في الجسد الاجتماعي الذي هو كل متلاحم ، و في هذا السياق يثير بوغام فكرة اساسية و هي انه رغم اننا يجب ان نطور البراديغم السوسيولوجي لكي مطور جيدا اشكالية الفقر ، الا اننا يجب ان نعود الى االكتابات التي تناولت الفقر و خصوصا كتابات كل من ماركس و توكفيل فهي مهمة جدا ، لانها تعتبر من المتن المؤسسة للبراديغم الخاص بالتفكير السوسيولوجي حول اشكالية الفقر و الهشاشة ، ففي سياق التضامن العضوي لدوركهايم الذي ذكرناه ، نجد توكفيل قد ركز ايضا على اهمية القيم من قبيل المساواة و العدالة و الحرية في محاربة ظاهرة التفقير التي تهدد النظام الاجتماعي ، و لكن من زاوية نظرية اخرى نجد ان ماركس ، قد تناول التفاوت الاجتماعي ، الو ذي هو بالنسبة له حقيقة موضوعية لطبيعة النظام الاقتصادي و السياسي للنظام الرأسمالي ، الذي انتج طبقة اجتماعية مهيمنة لامتلاكها وساىل الانتاج ، و طبقة مهيمن عليها لعدم امتلاكها وسائل الانتاج ، و هذا ما يعيد انتاج نسبة الفقراء ، و لكي نجعل من النظرية الماركسية نظرية سوسيولوجية محضة ، طبعا في خضم ما نتناوله و هو اشكالية سوسيولوجيا الفقر و الهشاشة ، وجب علينا الانتقال الى بيار بورديو و هو من احد السوسيولوجين المعاصرين الذي طوروا الاليات الماركسية من ناحيتهم الفلسفية المجردة الى ناحيتها الاجتماعية المرتبطة بالبناء الامبريقي سوسيولوجي ، فقدعمل بورديو في كتابه إعادة الانتاح مع باسرون ، و طبعا بعد تتبع للإحصاىيات و عبر تحليلات نظرية معمقة ، على فهم كيف تنتقل ثقافة الفقر و كيف تبقى مترسخة ، و قد لاحظ بورديو انه في المدرسة ياتي نسقين متضادين ، نسق من التلاميذ الذين يحملون رأسمالا ثقافيا كادحا متكونا من رموز و معاني عفوية ك الرزق من عند الله ، الشيطان سبب كل المصائب ، على عكس اطفال و طفلات الطبقة البرجوازية الذين يكتسبون راسمالا ثقافيا برجوازيا و المتمثل في موسيقى راقية ، كالموسيقى الهادئة ، معاني راقية كان سبب الرزق يجب أن يكون ناتجا عن عمل جاد ، الشرور التي تقع لي هي من صنع يدي لذلكيجب ان اعالجها أنا ، و بين هذه المفارقة بين المعتقد الكادح و البورجوازي يقع ما سماه بورديو باعادة إنتاج الرساميل الثقافية ، اي ان ابن طبقة برجوازية لان لديه معاني راقية سيقى راقيا ، ابن طبقة فقيرة له معاني عشواىية فانه سيذهب في منحي المعاني التي يحملها ، ففي هذا الصدد يقول بورديو ، في كتابه إعادة الإنتاج ” التلاميذ المنحدرون من أصول بورحوازية يدرسون الآداب القديمة و لغاتها منذ المرحلة الثانوية ، بالإضافة الى ان وسطهم العاىلي يمكنهم من إتقان اللغة ، و إمتلاك إستعدادات و عادات ثقافية و مهارات فكرية و شخصية مشروكة إجتماعيا ، تجعلهم أكثر إستعدادا للتفوق المدرسي ، إضافة الى شروط الحياة داخل داخل المنزل ، الملبس وساىل الترفيه الامكانات المادية و الرمزية التي ترفع التفوق – بورديو اعادة الانتاج – صفحة 15 ” ، و هنا نحيل أيضا الى كتابه الهيمنة الذكورية من اجل فهم معنى الاستعداد الذي ذكره في قولته هذه، و يمكننا ان نختصر مفهوم الهابيتوس على النحو الاتي ، فكل مولود او مولودة تلفظ في رقعة جغرافية ، تجد ان هناك نسق من الافكار اللغوية السابق عليها ، و الذي يحدد مسار سلوكاتها ، فبالمغرب مثلا نجد حشومة عيب حرام لا تفعلي هكذا ، ا فعل انت هكذا ، فكل هذا هو عبارة عن راسمال لغوي منه تتكون الثقافة ، و بمجرد ان تلقن هذه الافكار للمولود او المولودة عبر التنشىة الاجتماعية ، يصبح هنالك تطبع داخل دماغ الفرد ، فهذه الافكار اذن تنتقل من الخارج حسب تعبير دوركهايم الى الداخل لتصبح ، حسب بورديو تطبعا اجتماعيا او بالاحرى حسب تعبيره الدقيق : الهابيتوس ، و نعني بالهابيتوس هنا كل الافكار الثقافية التي تتحول عبر ترسخها في الدماغ الى استعداد و سلوك إجتماعي خاص بمجتمع معين ، كان تصبح كلمة حشومة مثلا نظام في السلوك ، يتحول الى طأطأت الانثى لراسها أو لباسا كاللباس الطويل الخ أو خشونة موجهة للذكر “حكم تصيب ما طلق” ، فهذه الاستعدادات مثلا تتحول الى سلوكات كأن يبتعد الذكر عن الانثى بدعوى فكرة سنسقط في الحشومة ، او أن يرضى بائع معين ببيع أشياء ثانوية في الاسواق لا تعود عليه باي نتائج مادية ، بدعوى ان الدين دعى الى التجارة ، أو أن ينقطع على الافراد عن التعليم بدعوى ان كل العلوم في الدين الاسلامي ، و أن الغاية ليست في أن يرتقي الغقل البشري بالفكر بل الغاية بالنسبة لهم هو ان يتاجر الانسان العربي و ان يعتمد على ذاته ، و هنا نشير الى كتاب سوسيولوجيا الانقطاع المدرسي لعبد الرزاق أبلال ، فمثلا نجده يقول في الصفحة 159 ، من كتابه سوسيولوجيا الإنقطاع المدرسي ” من خلال المقابلات التي أجريناها مع أسر المنقطعين ،تبين لنا أن نسبة الأمية مرتفعة في صفوف الآباء ” ، فهنا نفهم بان الحانب المعرفي في الحياة العربية ، هو شيء ثانوي او بالاحرى هو أمر لا قيمة له ، ليس لان التعليم لن يجدي نفعا ، بل ان في اعتقادهم يجب ان نقلد ما كان في معتقدنا الديني و هو التجارة لانها مصدر حلال ، افضل من العديد من الاعمال ، فيعتبر دافع الفقر الرمزي اذن حسب بورديو ، نتيجة اجتماعية و ثقافية بامتياز نكتسبها و تصبح عبارة عن طريقة في الرؤية للحياة ، و هنا يتقدم بورديو اكثر ليقول لنا ان سبب اعادة انتاج ألفاظ و جمل الفقر التي منها تتكون الثقافة ، في ان الافراد عالقون في طقوس وازنت الجمل الثقافية التي تطبعوا بها جتماعيا ، فمادم الانسان اذن ، عالق داخل طقوس زامنت الافكار التي سمعها ، كان تسمع الانثى إرتدي الحجاب يا فتاة لانه من تقاليدينا و ديننا متزامنا مع الاذان و مع الصلاة و مع نوعيات الاكل و الشرب الثقافية كالشاي الخ ، فسيعاد انتاج جملها هذه التي تحكم سلوكاتها كلما سمعت الآذان او كلما شربت الشاي ..الخ ، لانه ما دامت هذه الطقوس كالصلاة و الاذان و نوعية الاكل و نوعية السلوكات موجودة و يسمعها الذهن فان كل الافكار اللغوية – الثقافية التي زامنتها كارتدي الحجاب ،الله مع الصابرين ، الرزق من عند الله …الخ ، ستبقى قائمة ، لان ما يعيد انتاج الثقافة اللغوية هي الطقوس الرمزية كنوعية الاكل و الرواىح و الاصوات ،اي كل ما كان موجودا مع تلك الافكار من طقوس المحتمع، فان شرب الشاي مثلا رغم انه يبدوا للبعض سلوكا عاديا ، لكنه في الاصل طقس من الطقوس الثقافية الذي يعيد انتاج ثقافتك التي اكتسبتها ، و القطع مع هذه الطقوس مثلا ، كأن يهاجر الفرد سواء انثى او ذكر الى رقعة جغرافية لا تتوفر مطلقا على هذه الطقوس الثقافية التي كان عالقا فيها و التي تزامن نوعية من الالفاظ و الافكار، فان تلك الالفاظ اذن التي منها تتكون الثقافة و منها تتكون المفارقات بين ثقافة الفقير و ثقافة الغني ستتلاشى ، و ستتغير سلوكات الافراد لان ما يحكم السلوكات هي الفاظ و جمل تتزامن مع طقوس سواء كانت اكلا او حركات او روائح او اصوات ، و هكذا نكون قد اجبنا سوسيولوجيا عن كيف ان الفقر هو قبل ان يكون ماديا يكون فقرا من الناحية الرمزية ، ، فان الفقر الرمزي اذن هو مرتبط بالطقوس و بالرموز سواء اللغوية او الرمز المعنوي الخاص بمجتمع معين ، و يعتبر الفقير المادي هو الفقير رمزيا، و لكي نتجاوز الفقر المادي يجب ان نتجاوز الفقر الرمزي ، لان الفقير قبل ان يكون ضحية سلطة يكون ضحية ثقافته التي يحملها و ضحية طقوس تعيد انتاج تلك الثقافة ، و من خلال كل هذه المقاربات التي حاولنا ان نقوم بعرضها ، نجد ان في المتن التي تناولت الفقر نصوص لها اهمية كبرى في فهم البنى الرمزية التي سبق و ان اشرنا لها حول اشكالية الفقر و هنا نفتح الباب أمام نصوص كل من زيمل و اوسكار لويس التي حاولت ان تفهم ثقافة الفقر و الهشاشة ، و هي التي ستكون قيد دراستنا
في سياق حديثنا عن أثر الثقافة و الرموز في خلق الفقير مع بورديو ، نجد ان هناك متن حاول ان يكرس له اوسكار لويس جهده ليجيب عنه ، و هو المتمثل في ثقافة الفقر ، فهل يمكن حقا للفقراء ان ينتجوا ثقافة على ضوء وضعيتهم الإجتماعية ، و ما الذي يميز هذه الثقافة عن الثقافة العامة ؟
في البداية و كما تعلمنا من الدروس المنهجية في الفلسفة و السوسيولوجيا و العلوم الانسانية جمعاء ، أن لكل حقل من الأفكار خلفية إبستيمية تحدد نوعيتها ، فلكي نفهم قضية معينة من ناحيتها المعرفية لا العفوية ، يجب ان تكون لنا أدوات نظرية تؤطر مسارنا ، ففي هذا الصدد كانت لاوسكار لويس خلفية في النظر اساسية ، يقول فيها أنه لا يمكن محاربة الفقر الا بعد تشخيص ثقافة الفقر و ثقافة الفقراء ، و نقصد بالثقافة هنا مجموع التصورات و التمثلات و المعايير و العادات و أنماط العيش ، و خصوصا الفكر السالفة الذكر التي عرضناها مع بيار بورديو و هي علاقة الهابيتوس الذي هو كل ما تعودنا عليه و انشئنا عليه ، بالاستعداد اللاشعوري للرؤية بهذه العادة الى الحياة الاجتماعية ، اي الإجابة عن كل ما يمكن ان اتعرض له في يومي بهذه الافكار التي تطبعت بها ، و طبعا بورديو ينعث هذه العلاقة بالحس العملي ، فالحس العملي هو الرابط بين الهابيتوس الذي هو استعداد لا شعوري مستنبط من كل ما أنشىت عليه ، مرتبط بمثيرات الواقع الاجتماعي ، كان اقول ان الله مع الصابرين لكي ابرر فقري ، حينما لا أجد عملا .. الخ ، فدور السوسيولوجي اذن هو الوقوف على لماذا يحمل الناس هذا المعنى للموضوع ، و ذلك عبر طرح اشكالية كبرى و هي كيف يشكل الفقير هذا المعنى الثقافي حول ذاته بكونه فقيرا ؟
فقبل السير في تفكيك الموضوع ، يمكننا البدأ في البداية بالثقافة ، معرفين اياها بأنها تفاصيل دقيقة في حياتنا اليومية ينتجها الافراد لكي ينظموا عملهم الاجتماعي ، فالتمثلات الاجتماعية تنظم التفاعلات الاجتماعية ، و هنا نحيل الى مساهمة تقدم بها د ربيع اوطال حول جاىحة كورونا ، تناول فيها التمثل الاجتماعي في زمن كورونا ، بحيث ان الفيروس فسر في المخيال المغىربي على انه جند من جنود الله ، و ان الله هو الوحيد الطبيب ، و قد رصد الاستاذ اوطال كيف ان هذه الفكرة تحولت من تمثل الى سلوك و تفاعل ، فجعلت من الافراد يهللون في البيوت داعيين الله لوحده لينقذ الموقف ، اذن فالثقافة هي مجموعة من التمثلات التي تنعكس في انتظام داخلي بالجسد ، الى استعدادات تتحول بدروها الى سلوكات اجتماعية ، و بذلك فقد انتقد اوسكار لويس المقاربة الكمية لمعالجة الفقر ، و قد سلم انه لكي نحسن وضعية الفقراء يجب ان نشتغل على هذه الثقافة التي ينتجها الفقراء ، و قد صاغ بذلك اوسكار مفهوم ثقافة الفقر culture de la pauvreté ، معتمدا على دراسة بعض الجماعات التي انتشرت داخلها ظاهرة الفقر ، مؤمنا في الوقت ذاته بفكرة انه لا توجد ثقافة واحدة ، بل ان هناك ثقافات فرعية ، تختلف طبعا بين الطبقات ، و تتشكل هذه الثقافة حينما يكون هنالك معدل عالي للبطالة ،و انخفاض للأجور ، و في هذا السياق يعرف لويس أوسكار ثقافة الفقر بكونها : ” مختلف المعايير و انماط السلوك التي طورها الأفراد تبعا لاصلهم الإجتماعي و ردا على وضعيتهم الإجتماعية الهامشية ” و في الان ذاته تعتبر هذه الثقافة حسب اوسكار بمثابة مكيف ، يجعل الفقراء يتأقلمون مع وضعيتهم في مجتمع طبقي راسمالي ، فهي اذن و طبعا تماشيا مع كل ما ذكرناه سالفا و خصوصا مع بورديو ، انها اذن عبارة عن آليات تبريرية – ثقافية ينتجها الفقير لكي يتجاوز فقدان الامل و الياس ، و ما يميز هذه الثقافة اذن ، هو انها تعيد انتاج ذاتها فهي ثقافة مستمرة ، و الاكثر من ذلك انها تنتقل من حيل الى جيل ، و كتاب بيار بورديو الورثة مهم في هذا السياق لفهم كيف ان الهابيتوسات و الرساميل الثقافية تنتقل عبر الطبقات ، فالفقراء حسب اوسكار هامشيون لانهم لا يشاركون في الشأن العام و في المؤسسات الاجتماعية ، و هذا ما يولد لديهم شعور عدم الانتماء و الخوف و الشك الخ ، و يتميز الفقير حسب اوسكار لويس بضعف في المداخيل ، و نقص في رأس المال و الاستدانة crédit ، الاقتراض من الجيران و من الصيدلية و من الدكان الخ ، فهذا الفقر اذن حسب اوسكار يولد كرها للمؤسسات الأساسية للعدل و للشرطة و للتعليم و الصحة ، و يكفي ان نعود الى ما وصفته الارهاصات الاولى للسوسيولوجيا كشارل دوفوكو و موليرياس و سيكونزاك الذي قدمو دراسات اثنوغرافية حول الشعب المغربي الذي كان دائما في تطاحن مع المخزن ، فلا يجب ان ننسى في صدد حديثنا عن هذه الدراسات الاثنوغرافية ، ان لويس اوسكار قدم لنا ايضا دراسة اثنوغرافية و هي les enfants de sanchez ، فقد عمل على نقل معلومان اساسية عبر منهج تاريخ الحياة ، الذي يبتغي اعادة احياء تجربة الاخرين ، فقد استجوب اكثر عدد ممكن ، فقد تحدثوا عن ” المشاكل و العقد و الموت و الخيانة و العنف و الانحارف و الاجرام و الامل في حياة افضل – خالد طحطح – ثقافة الفقر في حقل الانثريولوجيا – مؤمنون بلا حدود ” ، فبالنسبة لاوسكار لويس اذن ثقافة الفقر تختلف من مجتمع الى اخر ، و قد ميز اوسكار لويس بين ثلاثة عناصر مهمة لثقافة الفقر ، اولها انه يكون هنالك مستوى تعليمي هزيل و هنا نحيل الى كتاب سوسيولوجيا الانقطاع المدرسي للابلال و هي دراسة حول المغرب ، لمعرفة كيف ان الاطفال يكونو مستعيدن رمزيا و لا شعوريا عبر كل ما يسمعونه من ثقافة الفقر ” نتا راجل راك بحال الفاس لاش غاضيع الوقت سير خرج عري على كتافك و جيبها بعرقك ، راك راجل راجل سوا بالوظيفة و لا بلا الوظيفة ” و الانثى ” انت ماعندك ماديري بشي قراية و بلا شي خروج كاع ، تعلمي الشقا و الطياب تا يصيفط ليك الله شي راجل ” فهذه الخلفيات الرمزية في التفكير هي جوهر ثقافة الفقر فهي من تجعل من الفرد لا يعي من هو ، بكونه كائن بشري له الحق في التعليم و الحق في الصحة و الحق في الانتاج ،العنصر الثاني و هو عنصر ممتد عن الاول فمادام في عمق المواطن حقد تاريخي على العمل المؤسساتي و انتصار للفردانية و العمل الفردي ، فان القدرة على العمل الحماعي ستتلاشى و العمل الفردي هو عمل يفتقر الى التخطيط الدقيق و هذا ما يجعل من الفرد مهددا يوما ان يعيش في الفقر ،و العنصر الثالث و هو العنصر المحوري الذي به تتمخض ثقافة الفقر و يتمثل في الانماط السلوكية الغير السوية و التي تكتسب من التاريخ و من الثقافة ، فهذا يعني لنا ان الفقير هو قبل ان يكون ضحية سلطة ، يكون في اولا ضحية ثقافته ، فمن الثقافة يتمخض الفقر و هذا ما بيناه مع بورديو سابقا ، و هنا نحيل الى كتاب غاية في الأهمية و هو كتاب عبد الله حمودي الشيخ المريد ، الذي بين فيه ان ما يجعل الفقير يعيد انتاج حرمانه هو ثقافته ، فالمغربي مثلا عالق بين مستووين ، مستوى الشرعية الدينية التي يتبناها الفكر المغربي ، و التي تؤمن مثلا بافكار كديننا صالح لكل زمان ومكان و هذا ما يجعل من المغربي يعتبر العلوم شيئا ثانويا ، او ن الله مع الصابرين و الله خلق الفقير و الغني ليبتلي الفقير و ليبتلي الغني ، و هذا ما يجعل ثقافة الحرمان تعاد انتاجها ليس بسبب الاصل الديني و هو القرآن ، بل نتاج ما سماه اركون التأويلات البرغماتية للنص الديني ، فلفكرة ان الله خلق الفقير و الغني غايات اخرى ، تدخل فيما سلطوي سياسي ، علاوة على ذلك حسب حمودي هناك عامل التاريخ ، فالعرب عبر تاريخهم كانوا يحاربون الفكر و النهضة و تطوير الثقافة ، و هنا نشير الى سقراط العرب و هو ابن رشد الذي حرقت كتبه ، بسبب عقلانيته في التفكير و محاولته ان يوازن بين العقل و الشريعة و هنا نشير الى كتابه فصل المقال ، فكما قال د محمد عبد الجابري في الفصل الثامن من الجزء الاول من مشروعه نقد العقل العربي ، ان العقل العربي هو عقل مستقيل بسبب انتسابه الى المتعالي وحده ، فهو غير موجود في الارض ، لانه يعيش في المتعالي ، فسبب رزقه بالنسبة له هو ناتج عن الله و النتييجة ناتجة من عند الله ، و في وجوده يقول اعوذ بالله من قولة أنا و هذا ان دل فانه يدل على ان الفقر الاساسي بالاوطان العربي ، و هو الفقر الرمزي للفكر ، الذي لن يتغير الا ان استطاع العربي ان يتجرأ كما قال كانط على استخدام عقله في فصل الامور الغيبية التي يؤولها رجال الدين عن حياتهم الاجتماعية ، فهذه التوايلات تخلق ثقافة تجعل الفقير يبرر فقره المادي و يجعله كما يقول غيدنز موجودا دائما في القاع و يعاد انتاجه ، و نعني بالقاع هنا المستوى الهامشي من المجتمع ، و هنا نعود الى دوركهايم فلكي نحقق توازنا للمجتمع يجب ان يكون هنالك التحام من حيث بنية الجسد الاجتماعي ، اي ان القيم او ثقافة الفقير يجب ان تكون هي ايضا ثقافة الغني ، و هذا من اجل ان يكون هنالك توازن ، فلكي لا يبقى التحديد الاجتماعي من طرف المجتمع الى من هو الفقير ثقافيا و ماديا ، يجب ان تكون هنالك ثقافة واحدة في طبقة واحدة و رعاية اجتماعية من طرف المجتمع بنفسه ، في استمرار الى كل من كان محتاجا
بقلم الطالب كريم بكرار
إن فهم مسألة الفقر والتهميش عند جورج زيمل يقتضي منها فهم المقاربة النظرية لسوسيولوجية زيمل والتي تنبني على ثلات مفاهيم أساسية الفعل المتبادل , الشكل , المحتوى , إذ يوجد المجتمع عندما تكون هناك أفعال متبادلة تتشكل في أشكال وبنيات يسند لها الأفراد محتوى معينا ,
في هذا الصدد إن براديغم زيمل يسعى إلى تجاوز البراديغم التفقيري الذي يرى أن ظاهرة الفقر ناتجة عن الصراع أو التفاوث الطبقي ، فزيمل يتحدث عن الأشكال الإجتماعية للعلاقات كموضوع للسوسيولوجيا وبالتالي فهو درس الفقر من زاوية الرابط الإجتماعي المتمثل في الحماية والرعاية الاجتماعية فالفقر هو رد فعل إجتماعي , فالفقير في تعريفه هو الذي يتقدم بطلب الحماية والرعاية الاجتماعية ويأخد هذا الوصف بناءا على الموقف الجماعي الذي يتبناه المجتمع تجاه الفئة التي تتميز بالفقر , الفقر إذا عند زيمل يتجاوز المقاربة الكمية المتمثلة في الخصاص والحرمان والحاجة والعوز … الى معايير تبنى إجتماعيا , في هذا الصدد إن ما هو سوسيولوجي قار ليس هو الفقر أو شريحة الققراء وإنما الأشكال الاجتماعية الممأسسة التي يلبسها ويتخدها الفقر داخل المجتمع , كما أن هذه الأشكال ليست نهائية وإنما هي نتاج لسيرورة إجتماعية , فوضعية الفقراء والمقصيين هي وضعية رهينة بالمعنى الذي تتخده في كل مجتمع ( معايير ومقاييس المستوى المعيشي , درجة المشاركة في الحياة الإقتصادية, علاقة الفقراء مع المجموعة التي تصنفهم وتميزهم … )

إن مفهوم الرعاية الاجتماعية من منظور زيمل هو بمثابة تذويب وتمويه بعض التمظهرات الحادة والصارخة للتفاوثات الاجتماعية يعطي زيمل نموذجا لتدخل العائلة لصالح أحد أفراد الأسرة , فالتدخل هنا لا يكون لأجل مساعدة الشخص الفقير
ولكن من أجل الحفاظ على سمعة الأسرة التي قد تتأثر بالوضعية الهشة لهذا الفقير , كما يعطي زيمل مثالا بالنقابات الإنجليزية التي توفر مساعدات للعمال لضمان ألا يلجؤوا للعمل في أماكن معينة بأجر زهيد حتى لا يتأثر مستوى الأجور في اتجاه الانخفاض , لذلك فالرعاية الاجتماعية تحيل الى شكل من أشكال الإيثار الذي يهدف الى إرضاء كل من المانح والمستقبل , إن الرعاية الاجتماعية هي عامل من عوامل حفظ التوازن والتلاحم الاجتماعيين فهي تهدف الى الحفاظ على ضمان إستمرارية البنية الاجتماعية وتجنب بعض التمظهرات والفوارق القصوى للتراتب الاجتماعي , فزيمل لا يختصر الرعاية الاجتماعية في بعدها الخيري أو الانساني فمقاربته الماكروسوسيولوجية تقوده بالعكس إلى النظرة المنفعية البدائية للمجتمع بما أن الرعاية الاجتماعية هي وسيلة المجتمع لضمان حمايته ودفاعه الداتي .
لكن الحق في الرعاية الاجتماعية ليس ثابتا أو مشروطا فهو مبادرة شخصية تستهدف أفرادا معزولين داخل المجتمع , كما انها لا تغطي إلا بعض الاحتياجات الخاصة فهي عكس مؤسسات التأمين الإجباري التي تغطي مختلف المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الأجراء وأسرهم , لذلك فالمجتمع والدولة يظلان أحرارا في رسم هذه الحدود كما يشاءان في حدود الموارد الإقتصادية المتاحة كما أن الحكومات يمكنها أن تراجع أو تضع القوانين المنظمة لهذه الرعاية إن رأت أنها مكلفة أو معيقة إقتصاديا , وهكذا فإن الحق في الرعاية يصبح الولوج اليه والاستفادة منه صعبا وأكثر صرامة , زيمل يوضح أن الدولة تسعى إلى حصر واجب الرعاية الاجتماعية بالاستناد الى مبدأ إجبارية الرعاية الغذائية المنصوص عليها في القانون المدني .

كما تطرق زيمل أيضا إلى مسألة الرعاية الفردية حيث يقر أنها يمكن أن تكون سخية فالمحسنون يسعون إلى جعل محيطهم الاجتماعي يعترف بعطائهم ويثمن سخاءهم ، في هذا الصدد إن التصدق على الفقراء هو بالتأكيد خطوة فردية ولكن لا يمكن أن تفهم إلا في ضوء التفاعل الاجتماعي الذي يطبعها ويحفزها فالمحسن لا يتصرف بمعزل عن الآخرين وهو بفعله هذا يسعى الى الحصول على التزكية والاعتراف من الآخرين بطريقة غير مباشرة وهو الشرط الأساسي لكي يستمر فعل العطاء ضمن روح المشاركة والتضامن والعطاء . وفي هذا الصدد إن زيمل لم يسقه إلى وضع الرعاية الخاصة مقابل الرعاية الاجتماعية فهو يحث ويأكد على التكامل الوظيفي بين النوعين حيث يقول ” الرعاية الخاصة تستجيب إلى قضاياها الفردية ولكن وحدها الجماعة يمكنها تغيير الظروف الإجتماعية والإقتصادية الأساسية التي تتسبب في هذه الأوضاع “

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد