عائلات تحكم المغرب
نافع وديع
إستطاعت عائلات كبرى، على مر تاريخ المغرب، أن تفرض نفسها وأن تهيمن على جميع الأجهزة السياسية والإدارية والإقتصادية في البلاد. فتحققت مصالح هذه العائلات بواسطة أساليب مختلفة ومتعددة، أبرزها على الإطلاق المصاهرات السلطانية، حيث لعبت مؤسسة الزواج دورا كبيرا في تقوية العلاقات بين السلاطين والقبائل، وخير مثال على ذلك زواج أحمد المنصور الذهبي من قبيلة الشابانات ثم من أسرة بوكرزية الذائعة الصيت في تافيلالت، كما تزوج من المغافرة والرحامنة والشاوية… وهو الأمر الذي إستمر مع باقي السلاطين السعديين والعلويين ومازال مستمرا لعصرنا هذا. هذه المعادلة التي تقوم على مصالح السلطان مع القبائل في الماضي أو مع بورجوازية المدن المؤثرة في الحاضر كانت تمنح لعائلات المعنية نفوذا واسعا وقويا على مستوى توليها مناصب وزارية مؤثرة. ونستحضر هنا أسرة آل الجامعي وآل أحمد في القرن التاسع عشر وما نالوه من حظوة ونفوذ في فترة حكم السلطان الحسن الأول، أما القرن العشرون فلا نجد فيه مثالا بارزا أفضل من مثال أسرة الكتاني؛ هذه الأسرة التي تنتمي لعصبية من عصبيات فاس، فكانت لها حظوة في عهد مولاي عبد العزيز رغم مواقفها المتأرجحة بين الإرتماء في حضن الحماية أو التحالف مع السلطان المغربي، وبهذا اللعب على الوترين حصلت هذه العائلة على النفوذ المادي والرمزي الذي كانت تبحث عنه. ومازال هذا النفوذ مستمرا. وحتى لانتيه في تعداد هذه العائلات التي كانت لها سيطرة كبيرة على القرى والمدن بإيعاز ودعم من السلطة المركزية، لابأس من إدراج شهادة للرحالة الفرنسي شارل ” رينيه لوكليرك “، بحيث قدم لنا لائحة بأسماء عائلات فاس المؤثرة في التجارة وقد ضمت أسماء من قبيل بنجلون، التازي، الأزرق، لحلو، بنيس، بناني، برادة، جسوس، بنشقرون، الصقلي، الشرايبي وبلمليح. ومن المفارقات العجيبة أن “جون واتربوري ” صاحب كتاب ” الملكية والنخبة السياسية في المغرب “، سنة 1970 لم يفته أن لاحظ أن جزءا كبيرا من هذه الأسر استطاع أن يحافظ على موقعه في أهم القطاعات الإقتصادية في المغرب. واليوم؛ وبعد أكثر من قرن على قائمة لوكليرك، مايزال يتربع أبناء هذه العائلات على رأس كبريات المجموعات الإقتصادية في البلاد، ويحتلون أهم مواقع القرار في الإدارة المغربية. فكل ما نراه الآن من حظوة لعائلات سوسية وفاسية وأخرى تنحدر من البادية وما تناله من إمتيازات مادية ورمزية من طرف الدولة المغربية لم يكن وليد اللحظة أو وليد عقد أو عقدين من الزمن، بل وليد قرون من الزمن وناتج عن رؤية وتصور خاص للعبة السياسية في هذا الوطن.