الرائدة في صحافة الموبايل

أحمد الطود يكتب عن“جزيرة الذكور” ل”عزيز بن حدوش” وكيف جنت الرواية على الراوي..

في تلك الجلسات الصباحية التي كانت تجمع الشاعر المرحوم محمد الخمار الكنوني بثلة من أصدقائه ومعارفه في أحد مقاهي القصر الكبير ، كان ” لمعلم اللقاط ” أحرص الحاضرين على الجلوس بمحاذاة الشاعر ، وكان السي محمد ـ كما كنا ندعو الشاعر ـ وحده من يجرؤ على تلقيبه بـ ” لمعلم اللقاط” ، دون أن ينال من حدة لسانه ما لابد أن يناله منه من تسول له نفسه أن يناديه بذلك اللقب الكريه . .
وذات صباح
لم يحضر ” لمعلم اللقاط ” لسبب ما ، فعن لأحد أن يسأل الشاعر عن سر تلقيبه لصاحبه وملازمه بلقب ” لمعلم اللقاط ” .. فأخبرنا السي محمد أن ” لمعلم اللقاط ” كان قليل النجابة في المرحلة الابتدائية ، وأن معلما إسبانيا انتدبه لحل مسألة حسابية على السبورة ، وبمساعدة المعلم وإمدادات من التلاميذ ، توصل بعد جهد جهيد إلى حل المسألة وكان ناتجها النهائي هو العدد ثمانية . لكن صاحبنا رسم العدد على صورة مغايرة ، جعلت المعلم الإسباني يسأله :
ـ ما هذا ؟ .
فأجابه :
ـ ثمانية .
فما كان من المعلم إلا أن صاح فيه ممتعضا :
ـ هذه ليست ocho . ( ثمانية ) .. إنها tenaza . ( كُلابة / كماشة / لقاط بالعامية المغربية ) .
وطبعا .. لم يكتف زملاؤه التلاميذ بالضحك ، بل حملوا عليه قسرا وقهرا هذا اللقب ” لمعلم اللقاط ” .
وفي يوم جمعة ، لا أذكر شهره ولا سنته من سبعينيات القرن العشرين ، نشر الملحق الثقافي لجريدة العلم في أحد أعداده قصة قصيرة للفقيد العزيز محمد الأمين أبو أحمد رحمه الله ، كان بطلها دون غيره هو ” لمعلم اللقاط ” وحدثُها هو حكايته مع العدد ثمانية المرسوم على شكل كماشة / لقاط ، مع بعض التوابل التي اختارها الكاتب بعناية لإعطاء قصته نكهتها الشهية الخاصة .
لقيت القصة استحسانا بيننا نحن أصدقاء كاتبها .. لكن أحد المخوِّضين قرأها للمعلم اللقاط وحثه على رفع دعوى قضائية ضد الكاتب ، مغريا إياه بما سيناله منه (تعويضا عن الشرف).
حمل ” لمعلم اللقاط ” القصة ، وطرق باب مكتب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية في القصر الكبير عارضا عليه شكايته … ويظهر أن الوكيل كان في حاجة إلى جرعات مما يتفكه به ، فتناول القصة وقرأها ، حتى إذا فرغ من قراءتها التفت إلى ” لمعلم اللقاط ” قائلا :
ـ معك ورقة التعريف ؟ .
فقدمها له . وحين نظر إليها قال لصاحبنا :
ـ اسمك في ورقة التعريف هو ” فلان الفلاني بن فلان وفلانة ” وليس ” لمعلم اللقاط ” . فرد صاحبنا عليه قائلا :
ـ ولكن المدينة كلها تعرف أنني أنا هو “لمعلم اللقاط” …
قاطعه الوكيل ضاحكا :
ـ المحكمة ما عندها ما تعمل لك ، وإذا أردت اكتب أنت أيضا قصة أخرى وبها تتعادل مع صاحبك .
ذكرت هذه الحكاية وأنا أقرأ هذا الخبر المؤلم :
( حكمت المحكمة الابتدائية بمدينة “ورززات” (جنوب المغرب) بالسجن شهرين موقوفة التنفيذ وغرامة مالية قدرها 20 ألف درهم (حوالي ألفي دولار). في حق الروائي “عزيز بن حدوش”. بسبب روايته “جزيرة الذكور”، وهو الذي تعرض للضرب من أهالي قرية تازناخت” التي يعمل فيها مدرساً لمادة الفلسفة بسبب ما ورد في روايته حول هيمنة العقلية الذكورية في ذلك المجتمع القروي المنغلق، وتفشي ظاهرة ” الأطفال الأشباح” بين أسره . وغيرها من التفاصيل التي تهم ذلك المجتمع ) .
يبدو أن المعهد العالي للقضاء بحاجة ماسة إلى إضافة مادة دراسية تنقذ الخريجين من هذا الجهل الهائل بطبيعة العمل الإبداعي ، وتعصمهم من إصدار هذه الأحكام الخبيثة المؤلمة.

كتب الدكتور أحمد الطود

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد