الرائدة في صحافة الموبايل

بوصلة النضال في حزب العدالة والتنمية

ذ. عبد المولى المروري

لقد طغت في هذه الأيام الأخيرة خلافات كثيرة وعميقة بين صفوف أعضاء حزب العدالة والتنمية ومجالياته ومؤسساته، موضوعها الترشح في الانتخابات المقبلة، هذه الخلافات تطورت بشكل خطير وأخذت أبعادًا أخلاقية وأزمات علائقية وإنسانية لم تكن من قبل بهذه الحدة والقسوة. فهل ما وصل إليه الحزب من خلافات وصراعات بسبب الانتخابات أمر طبيعي وتطور عادي؟ أم حالة طارئة مآلها الزوال مع نهاية هذه الانتخابات؟ وهل هي انتكاسة أخلاقية وارتكاسة نضالية وزلزال يهدد أركان الحزب وقواعده، أم ارتجاج خفيف وعابر ولا تأثير له على الحزب وقيمه وقواعده ومؤسساته؟

قبل الخوض في الإجابة على هذه الأسئلة، أخذتني ذاكرتي إلى الوراء، في أول تجربة انتخابية جماعية خاضها إخواننا كمستقلين سنة 1997، وتجربة الانتخابات البرلمانية التي تلتها سنة 1998، حيث لم نتمكن من تغطية ثلث أو نصف الدوائر الانتخابية، وكان من بين أسباب ضعف التغطية هو الزهد الكبير الذي أبداه إخواننا في الترشح، وتهربهم من تحمل المسؤولية وثقلها …. فهل كان هذا الزهد حينها حقيقيا أم مزيفا؟ طبيعيا أم مصطنعا؟

ما اذي تغير بين الأمس واليوم؟

والنقاش هنا لن ينصب على نوايا الناس ودواخلهم هل كانوا منافقين أم صادقين، ولن يسائل طموحاتهم وأهدافهم هل هي مشروعة أم غير ذلك… بل سينصب النقاش وتحليل هذا التحول ( الظاهرة ) في سياقات تنظيمية وفكرية وسياسية كان له دور أساسي وكبير، أكبر من العنصر الذاتي المستقل عن شروطه وأسبابه الموضوعية، والمرتبط حصرا بنوايا الشخص وطموحاته الشخصية كيفما كانت… وإن كان من اللازم عدم إلغاء هذا العنصر ودوره، هذا الدور الذي أعتبره – من وجهة نظري – ضعيف التأثير والانتشار… خاصة غضبة بعض الإخوان الذين لم يحصلوا على تزكية الحزب في الانتخابات البرلمانية لسنة 1998…

أول تحد حقيقي واجهه الحزب، ذلك المرتبط بانتخابات 2002 البرلمانية، التي كشفت جزئيا بعض أشكال التسابق الخفي من أجل الحصول على التزكية مع تأثير لا يكاد يرى، والتحدي الثاني مع الانتخابات الجماعية لسنة 2003 الذي بدأت تتكشف فيه بشكل واضح أشكال التسابق والحرص الشديد على التمثيلية الجماعية، ويمكن القول عنه أنه معزز بنوع من التنسيق الجماعي والتعاون الخفي وتبادل الأدوار، حيث كان من السهولة استنتاج ذلك من خلال التداول في لجن الترشيحات والتصويت ونتائجه…

قبل هذه الانتخابات كان الحزب في أوج توهجه وقمة عنفوانه بسبب احتلاله موقع المعارضة المريح، هذا الوضع جعله يحظى بشعبية كبيرة كانت حافزا له من أجل بناء ديناميكية تنظيمية ونضالية جيدة ومتميزة، وعطاء جماعي وفردي منقطع النظير ساهمت فيه عوامل كثيرة، أهمها أن أغلب الأعضاء ما يزالون مرتبطين بحركة التوحيد والإصلاح فكرا وتنظيما، أي ما يزال المناضلون متشبعين بالخطاب التربوي والأخلاقي القريب من الطهرانية ( قبل فصل الحركة عن الحزب، والدعوي عن السياسي )، الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية وما لازم ذلك من تقاطب فكري وأيديولوجي حاد، أعاد مسألة صراع الهوية إلى السطح، وهو الحقل المفضل للحركة الإسلامية…، والقضية الفلسطينية، وأحداث 16 ماي 2003 الإرهابية التي أوعزت إلى التيار الاستئصالي داخل الدولة وبعض زعماء اليسار من أجل إعدام حزب العدالة والتنمية سياسيا وتنظيميا بتحميله المسؤولية المعنوية لأحداث 16 ماي الإرهابية، حيث طرحت على مائدة القصر مسألة حل الحزب… وظهر خلالها للشعب المغربي أن حزب العدالة والتنمية مستهدف من طرف تيار الاستئصال، خاصة بعد منعه من الترشح في العديد من الدوائر الانتخابية بمناسبة انتخابات 2003 وتقليص حضوره، الأمر الذي زاد من شعبية الحزب وتعاطف الشارع معه….

هذه العوامل وغيرها ساهمة في ارتفاع أسهم الحزب في بورصة الانتخابات، وجعلته قبلة للعديد من المتعاطفين والأنصار قصد الانتماء إليه… خاصة بعد تحقيق نتائج جيدة في الاستحقاقات البرلمانية والجماعية…

بعد الانتخابات الجماعية لسنة 2003 عرف الحزب انفتاحا كبيرا وفتح أبوابه المجالية والتنظيمية في وجه مئات الوافدين، وكان ذلك تحديدا في سنة 2005 ( على مستوى الرباط )، مع التأكيد على أن هذا الانفتاح كانت له بعض النتائج الجيدة باستقطاب كفاءات متميزة سياسيا وتنظيميا وفكريا، مع مستوى عال من النضج والمسؤولية والانضباط…

إلا أن مرحلة ما بعد 2003 عرفت تحولات كبيرة وخطيرة في البنية الفكرية والمنسوب النضالي ومجالاته ونوعيته، والعلاقات التنظيمية ومرتكزاتها وأهدافها… وسيزداد هذا التحول مع الانتخابات البرلمانية لسنة 2007، والانتخابات الجماعية لسنة 2009، وذلك راجع بالأساس إلى عدة عوامل، أذكر منها :

1/ توقف برامج التكوين والتأطير الفكري والتربوي بالنسبة للأعضاء الوافدين من حركة التوحيد والإصلاح، وانعدامه بالنسبة للوافدين الجدد من خارج الحركة.
2/ انحصار موضوع الجموع العامة والمؤتمرات في مسألتي تجديد هياكل الحزب ومسؤوليه، وترشيح الأعضاء للانتخابات البرلمانية والجماعية.
3/ تراجع العمل الاجتماعي وغياب عمل تواصلي فعال مع الشعب وفق برنامج نوعي ومستمر
4/ انخفاض منسوب النضال إلى أدنى مستوى له في القضايا الاجتماعية والحقوقية والقومية.

يتبع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد