بوصلة النضال في حزب العدالة والتنمية -2-
عبد المولى المروري
“شعاري فيما أكتب: انتمائي للحزب لا يمنعني من انتقاده، وانتقادي له لا يعني أنني ضده.
1/ غياب البرامج التكوينية والتأطيرية: الواقع، الآثار والحلول
أ – #الواقع:
لم يكن الحزب يخلو من بعض المشاكل العلائقية التي يكون موضوعها تحديدا هو: لمن الأولوية والأحقية في الترشح في الانتخابات، وكان طبيعيا أن ترخي هذه الخلافات بظلالها على مؤسسات الحزب وهياكله التنظيمية، ويكون لها تأثيرها المباشر على مجريات المؤتمرات المجالية ونتائجها من أجل رسم خريطة المكاتب المحلية والإقليمية استعدادا للاستحقاقات المقبلة. ولكن معظم هذه الخلافات تنقل إلى حضن حركة التوحيد والإصلاح في إطار اجتماعات يحضرها بعض مسؤولي الحركة من أجل إيجاد حلول وتوافقات، وغالبا ما يكون هذا التدخل مسبوقا بكلمة تربوية وتوجيهية الهدف منها التذكير بأهداف العمل السياسي وببعض القيم الأخلاقية التي أخذت تتلاشى كلما استغرق مناضلو الحزب في العمل التنظيمي والسياسي اليومي، وللحقيقة والتاريخ، كانت هذه اللقاءات تحقق بعض النتائج الطيبة في غالب الأحيان، وتعود مياه الأخوة إلى مجاريها لفترة معتبرة… ثم تعود الهيمنة مرة أخرى لقضايا الانتخابات وتوابعها التنظيمية ومشكلاتها العلائقية، وترمي بكل ثقلها على الحزب وأعضاءه ومؤسساته.
بعد فصل الدعوي عن السياسي، والحركة عن الحزب توقفت اللقاءات التصالحية التي كانت تشرف عليها الحركة كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وانقطع العديد من المناضلين عن حضور الجلسات التربوية، الذي كان غالبا بسبب وتيرة العمل داخل الحزب التي تستغرق معظم وقت المناضل، أو بسبب التهاون والفتور الذي يصيب كل إنسان، الأمر الذي انعكس فعلا على المناضل فكريا وتربويا وسلوكيا، وأصبح ارتباطه بقيم الحركة وفكرها ارتباطا شكليا وسطحيا، تخفف منه بعض محطات النوستالجيا التي يتقاسمها المناضل مع بعض إخوانه في لحظات الهدوء والسكون.
هذه الخلافات أخذت منعطفات خطيرة بعد أن أصبح العدالة والتنمية هو الحزب الأول في المغرب، وترأسه الحكومة والعديد من الجماعات والمقاطعات، وتوسع قاعدته وتعاظم مسؤولياته، وتكاثر خصومه حتى من داخل التحالفات التي جمعته مع أحزاب أخرى التي تواطأت بشكل فاضح مع السلطة والمعارضة في العديد من الجماعات والجهات، وتكالب الخصوم السياسيين المأدلجين والحاقدين عليه، وجزء كبير من الصحافة الصفراء الموالية للأعيان والسلطة.. من أجل صناعة رأي عام ضد الحزب.. باستغلال بعض أخطاءه التي لا يمكن إنكارها، وبعض عثراته التي لا يمكن القفز عليها.
ومن باب الحقيقة والإنصاف، ورغم المضايقات والعراقيل العديدة والمتنوعة والمعقدة، سواء من طرف السلطة أو الخصوم السياسيين، أو الحلفاء ( وما هم بحلفاء )، وبالرغم من المشاكل التنظيمية الداخلية، فقد حقق الحزب إنجازات استثنائية بالنظر إلى ماضي المغرب في تسيير الجماعات والحكومات من طرف أحزاب سياسية أخرى، فلا أعرف حزبا أو رئيس حكومة ( الوزير الأول في السابق ) في تاريخ المغرب السياسي تعرض لكل هذه المكائد والمضايقات والتشهير والتبخيس والإنكار والجحود مثلما تعرض له حزب العدالة والتنمية ووزراؤه وبرلمانيوه ورؤساء جماعاته ومستشاروه، وهذا لا يعني أن أداء الحزب في مجموعه كان مرضيا، ولا يعني في الوقت نفسه أن أداءه كان كارثيا، فلقد نجح بامتياز في قضايا، وأخفق في أخرى، وهذا من طبيعة العمل وضرائب المسؤولية والتسيير، إضافة إلى كل ما يتعرض له من مكائد خارجية وخلافات داخلية..
ولقد وجد الحزب نفسه يخوض بشكل يومي معارك متعددة في جبهات مختلفة مع خصوم كثر، سواء من المعارضة التي اعتمدت في مناسبات عديدة أسلوب الفوضى والاعتداء البدني واللفظي على أعضاء الحزب أمام أنظار السلطة التي لا تحرك ساكنا، أو من طرف الحلفاء الذي انتقلوا من من موقع المساندة إلى موقع المعارضة، ومن موقع التعاون إلى موقع الابتزاز والاستغلال والمساومة (مع وجود استثناءات لبعض الحلفاء الذين عبروا عن التزام ووفاء كان غائبا عند بعض أعضاء الحزب)، ومن طرف السلطة التي تخلت عن كرسي الحياد وانتقلت إلى منصة التحكم وتوجيه المعارضة والحلفاء وتوظيفهم ضد الحزب.
ب – #الآثار:
وأمام تأثر مناضلي الحزب بواقع الاحتقان والضغط الإعلامي وتهجمات المعارضة وخذلان الحلفاء وخروج السلطة عن الحياد والموضوعية، وأمام غياب أي عمل تأطيري وبرنامج تكويني، أو لقاءات تربوية، وجد هؤلاء المناضلون (أو جلهم) أنفسهم أمام فراغ فكري، وفقر ثقافي، انعكس بشكل واضح على سلوكهم العام، وخطابهم داخل اللقاءات التنظيمية، هذه اللقاءات التي ارتفعت وتيرتها بشكل كبير، مع ساعات عمل تزيد أحيانا عن أربع أو خمس ساعات (دون مبالغة)، وهذا في حد ذاته أمر غير طبيعي.
فإضافة إلى ارتفاع وتيرة هذه اللقاءات وتمدد مدة العمل فيها إلى درجة التضخم، انصبت أعمالها وقضاياها في الغالب إلى مناقشة العمل الجماعي ومشاكله الداخلية والخارجية، وإكراهاته وصعوباته مع كل الشركاء، وقضايا تهم الشأن الحزبي تنظيميا وهيكليا، مع برمجة بعض الأنشطة الموسمية المرتبطة ببعض الأحداث التي تهم الحزب أو الوطن. وجزء معتبر من هذه اللقاءات يهدر في مناقشة بعض المشاكل الداخلية التي أصابت أعضاء الحزب فيما بينهم، وانعكاس ذلك على العمل الجماعي أو مكاتب ومجاليات الحزب… أما الجانب التكويني والتأطيري فهو غائب بالمطلق.
هذا الواقع المزري أدى بدوره إلى تدني المستوى الفكري للأعضاء، وقصور نظرتهم في فهم واستيعاب الواقع السياسي، وضعف تحليلهم له، وبالتالي عجزهم عن ابتكار حلول ناجعة وفاعلة أمام ما يعترضهم من أزمات ومشاكل، سواء مع السلطة أو المعارضة أو الحلفاء، بل حتى فيما بين أعضاء الحزب أنفسهم… وافتقادهم لآلية إيجاد حلول لمختلف الخلافات الناشئة بينهم أو مع الأغيار، وسوء توظيفهم لقواعد القوة والنفوذ، وسوء استغلال لمعطى الأغلبية في الكثير من المواقع.
كما انعكس بنسبة معينة على خطاب بعض الأعضاء الذي أصبح – أحيانا – ينهل من معجم وسلوك المعارضة المعربدة، الأمر الذي فجر خلافات وصراعات داخلية معقدة، أخذت أحيانا أبعادا غير أخلاقية، وليس تنظيمية أو مسطرية أو قانونية، الأمر الذي أدى بمؤسسات الحزب إلى إقرار بعض الإجراءات الانضباطية في حق بعض الأعضاء وبعض المكاتب المحلية والإقليمية التي تم حلها… وكنتيجة حتمية لهذا الواقع، هو #انحرافبوصلةالنضال، وأخذت اتجاها آخر غير الذي أسسه الحزب واجتمع عليه مؤسسوه ومناضلوه، فكانت الوجهة المنحرفة هو “النضال” في إخوة الحزب وقادته بأساليب بعيدة عن القيم الإنسانية والأخلاقية أحيانا، وانتشر خطاب التخوين وسلوك الكولسة، وتكوين تحالفات وتقاطبات وجيوب داخل الحزب، واستعملت أساليب الوشاية الكاذبة، والتضليل والتشهير بالإخوان من أجل إضعاف حظوظهم في تولي مسؤولية داخل هياكل الحزب، أو مسؤولية تمثيلية في البرلمان أو الجماعة.. هذا الواقع لا يمكن إنكاره أو إخفاؤه، ولا يجب التغاضي عنه أو تجاهله، بل يجب الاعتراف بوجوده والتعامل معه بكل واقعية وشجاعة، في أفق إيجاد حلول حقيقية له، تعتمد على آليات علمية تنظيمية، ومقاربات تربوية وفكرية تهدف إلى الرفع من المستوى الفكري والثقافي للأعضاء، والارتقاء بخطابهم وسلوكهم العام.
وأمام تكاثر الخلافات التنظيمية والمشاكل العلائقية أنشأ الحزب مجموعة من اللجن لفض هذه النزاعات تحت مسميات لجن التحكيم، واللجن الانضباطية، ولجنة النزاهة والشفافية، هذه اللجن المتعددة الاختصاصات أنشئت للبت في النزاعات التنظيمية والشكاوى التي يضعها الأعضاء أو المكاتب، وكذا النظر في الطعون المتعلقة ببعض الجموع العامة والمؤتمرات… فأضحت بعض هذه اللجن عبارة عن محاكم داخلية تنظمها مساطر وإجراءات وآجالات، والاختصاص النوعي، ودرجات التقاضي وأحكام قابلة للطعن وأخرى غير قابلة للطعن… وكثرة هذه اللجن من هذا النوع، رغم أهميتها ودورها في فض النزاعات بشتى أشكالها وأنواعها، فإنه – في نظري – يعبر عن أزمة داخلية وليس شكلا من أشكال التنظيم المتطور والمتقدم.
إن التنظيمات الفعالة والمنتجة ذات المردودية العالية هي التي تقلل من عدد لجنها وهيئاتها، وتخفف من قوانينها ومساطرها لفائدة التكوين والتدريب والتأطير، غير ذلك فهو هدر للجهد وضياع للوقت واستنزاف للطاقات.
يتبع : الحلول
حزب العدالة والتن…… اتضح أنه حزب حقق الهدف الرئيس الذي تأسس من أجله وهو خدمة وتحقيق مصالح شيوخ الحزب ومريديه وكل من أبدى الولاء. وعادت سياسته بالوبال الكبير على عموم المواطنين البسطاء. وكان من باب الموضوعية والنقد الذاتي الهادف أن توجه انتقادات صارمة للقطب عبد الالاه بنكيران أن يرد المبلغ الممنوح له لأنه يعد ربا وسحتا في عرف الحزب والحركة الدعوية التي تتشدق بالمبادئ الاسلامية وهي براء منها.