باليوم العالمي للشعر.. يتألق نادي القراءة بالثانوية التأهيلية عبد السلام عامر /فيديو
تقرير أعدته الإعلامية نادية الصبار- دنا بريس
بدأ اللقاء وكانت التحية بنسائم الأشعار، تبسمت ذ. رفقة او مزدي في وجه الحضور تبسما وقالت: ” مساء مهرت الأشداق ومقوم اللسان الدال على البيان المفصح عما بالمهج، مساء أوفى أدبا يحض على معالي الرتب ورفد النفس بفضائل الخصال وعزائم الأخلاق.”
وبرقيق التحايا وعذب الكلام؛ انطلقت فعاليات أمسية شعرية بمناسبة الذكرى السنوية للشعر، والتي نظمها نادي القراءة بثانوية عبد السلام عامر التأهيلية يوم الجمعه 25 مارس الجاري بمدينة سلا، تحت عنوان “اللقاء الشعري المغربي الإيطالي”.
سير اللقاء كل من ذ. رفقة أومزدي رئيسة نادي القراءة والمشرفة على هذه التظاهرة. رافقها بالتقديم ذ. رجاء العلامي لتقديم المداخلات والنصوص الإيطالية وترجمتها في إخلاص للحضور الكريم من أساتذة وأستاذات وآباء وأولياء الأمور وتلامذة المؤسسة.
استهل اللقاء على أنغام العود وتراتيله، فشنفت مسامع الحضور نهيلة بور والتي غنت للحضور رائعة الراحلة فايزة أحمد “ست الحبايب “.
لتنطلق الفعالية بعد ذلك بتقديم تفضلت به ذ. رفقة أومزدي حول الشعر، وخير ما استشهدت به مقولة لعمر بن الخطاب رضي عنه، والذي في الشعر قال: “تعلموا الشعر فإن منه محاسن تبتغى ومساوء تتقى وحكمة للحكماء تدل على مكارم الأخلاق”.
ثم أردفت: ” الشعر نحن في حضرته اليوم؛ ديوان الأدب، إيماءات وتخيلات، آلام وأحلام ترسمها الكلمات والآذان والوجدان، فدعونا اليوم نرسم وإياكم جلال الكلمات”.
بعد الترحاب، تناول الكلمة ذ. عبد اللطيف الإدريسي مدير ثانوية عبد السلام عامر التاهيلية والذي أشار إلى أن مناسبة اللقاء الشعري المغربي الإيطالي تتزامن واحتفالية اليوم العالمي للشعر وهو يوم 21 مارس من كل سنة، كما أعلنته منظمة اليونسكو سنه 1999، وهو مناسبة تتغيى الاحتفاء بالشعر والشعراء المبدعين وتهدف إلى تعزيز القراءة والكتابة في جميع أنحاء المعمور، ومناسبة تحتفي فيه الدول والحكومات وكل مكونات المجتمع المدني بفن الشعر كأحد أشكال التعبير وأحد مظاهر الهوية الفكرية والثقافية.
لتبدأ مداخلات الأساتذة الأجلاء، فالاستاذة رجاء العلامي تناولت في كلمتها موضوع “التربية الشعرية وأهميتها في خلق الامتداد الجمالي والتثقيفي لدى المتعلم”. من خلال بناء شخصية مؤهلة لاستيعاب الخيال في تصور الحياة.
كما أشارت الأستاذة رجاء العلامي لأهمية المدرسة في إعادة قيمة الشعر وانفتاحها على العلوم الإنسانية، بالإضافة إلى دور وريادة الشاعر الذي لا يقتصر فقط في اللقاءات الشعرية بل يتعداه إلى رؤية نقدية حول التصور الشعري.
وبعد هذه الكلمة؛ جاءت كلمة الأستاذ والباحث في التراث الشعري الإيطالي نبيل مادا، حيث تناول بالتفصيل والدرس تجربة الأسر في نصوص الكاتب والشاعر الإيطالي فيتوريو سيريني Vittorio Sereni خلال تواجده بالسجون الفرنسية بالجزائر والمغرب إبان الحرب العالمية الثانية.
فالشاعر الإيطالي فيتوريو سيريني Vittorio Sereni عبر من خلال ديوانه الذي نشر سنة 1947 تحت عنوان “مذكرة الجزائر” أو “Diario d’Algeria” بالإيطالية، (عبر من خلاله ) عن تجربة مريرة وصف من خلالها كل الأحداث والتفاصيل التي عاشها بالمغرب والجزائر.
كما توقف نبيل مادا عند وصف الشاعر للمدن الجزائرية والمغربية التي مر منها من خلال قصائده الشعرية في الديوان، والتي قام بترجمتها للعربية حتى يتسنى للقارئ المغربي خصوصا والمغاربي والعربي عموما الإطلاع على هذه التجربة الشعرية الفذة والإستئناس بها والاستلهام منها، كتجربة متفردة لانطلاقها من الأسر إلى باحة الشعر.
وللأمانة؛ فقد تفضلت ذ.رجاء العلامي بترجمة مداخلة الأستاذ نبيل مادا من اللغة الإيطالية إلى الفرنسية والعربية. كما قرأت بعضا من قصائد الشاعر الإيطالي فيتوريو سيريني Vittorio Sereni التي قام نبيل مادا بترجمتها ونشرها بمحلات محكمة.
فقدت صدحت باحة ثانوية عبد السلام عامر التأهيلية مساء يوم الجمعة بكل اللغات، لغة الشعر والنقد والأدب والترجمة. وخير ما صدح به لسان الأستاذة الجليلة سهام كرواني وهي تحتفي بالشعر العربي وبلغة الشعر؛ أن استشهدت بمقولة للمستشرق “إرنيست رنان” في كتابه “تاريخ اللغات السامية”:
“إن انتشار العربية ليعتبر من أغرب ما وقع في تاريخ البشر.. فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بداية الأمر، فبدت فجأة على غاية الكمال، سلسة أي سلاسة، غنية أي غنى، كاملة بحيث لم يدخل عليها إلى يومنا هذا أدنى تعديل مهم فليس لها طفولة ولا شيخوخة.. ظهرت لأول مرة تامة مستحكمة ولا أدري هل وقع مثل ذلك للغة من لغات العالم”.
وإذا عجب رنان فسهام كرواني لم تعجب وسددت السهم وأصابت فقالت: “لا عجب في ذلك؛ فهي لغة قرآننا وديننا وهويتنا وانتمائنا والله حافظ لها ولكتابها.”
وتماشيا مع تيمة اللقاء الشعري العربي الإيطالي، جاءت مداخلة ذ. سهام كرواني تحت عنوان “مظاهر التلاقح الثقافي بين الحضارتين العربية والإيطالية”. وفصلت تفصيلا في “نقطة”؛ كيف يتم هذا التلاقح والذي ليس حكرا على الثقافتين العربية والإيطالية بل تعداهما إلى أخرى، فمنذ فجر التاريخ؛ ثمة تداخلات بين الحضارات والثقافات، إما بسبب الحروب والغزوات، أو بسبب التجارة، أو بسبب اختلاط الأنساب بين جميع الأجناس.
ولعل من أهم مظاهر التأثير والتأثر، حسب سهام كرواني، ما عرفته اللغة وما أنتجته من آداب وفنون، ويأتي طبعا في مقدمتها الشعر وفنونه، ومن ضمن هذه الثقافات ما عرفته الثقافتين العربية والأوربية عامة والثقافة الإيطالية بشكل خاص، هذه الأخيرة التي تعتبر من أعظم الثقافات، ولا أدل على عظمها أكثر من الشاعر الإيطالي “دانتي” الذي يرى الباحثون أنه تأثر برسالة الغفران “لإبي العلاء المعري” في إبداعه لرائعته “الكوميديا الإلاهية”. وفي المقابل؛ ما خلفه “دانتي” من تأثير على الشعرية العربية والغربية على السواء، ومن صور ذلك؛ الشاعر “ت. س. إليوت” الأمريكي الإنجليزي الذي تأثر كثيرا بدانتي، وأبدع رائعته “الأرض اليباب” التي امتد تأثيرها إلى الشعرية العربية، فشهدنا ثورة قلبت موازين الشعر العربي.
هذا ودأبت سهام كرواني على رصد تمظهرين هامين: الأندلس وصقلية الشاهدتين على هذا التلاقح. فالأندلس التي ورثت الشعر العربي المشرقي عبر الفاتحين، حيث ظهر الموشح والزجل، الذي امتدت تأثيراته إلى ربوع أوربا، بل؛ كان سببا في تطور الشعر المحلي في جنوب غرب فرنسا وشمال غرب إسبانيا، فظهر شعر “التروبادور” أو الشعراء الجوالون.
أما جزيرة صقلية؛ الجزيرة الإيطالية التي عرفت الحكم الإسلامي 965 م -1072م، وكانت مهد تلاقح العلوم بين أوروبا والعديد من دول العالم الإسلامي، والذي ساهم الحضور العربي الإسلامي في إشعاع حركة نشيطة للأدب والشعر فيها، خصوصا في فترة السيادة العربية،
حيث يعد كتاب”الدرة الخطيرة في شعر شعراء الجزيرة” لابن القطاع المصدر الأول للشعر الصقلي.
وليكون مسك الختام مع ذ. لبنى المجيدي ليوسي في مداخلة بعنوان “التنوع الثقافي لبنة في بناء مغرب التسامح وتجانس الثقافات “.
حيث نوهت في معرض حديثها على أن أهم ما يمكن الإشارة إليه في هذا الباب وبهذا اللقاء ولقاح الثقافات، هو مسألة التنوع الثقافي الذي تزخر به المملكة المغربية الشريفة، فكان عاملا مركزيا في تأسيس ثقافة التسامح الديني والعقدي وسبيلا نحو التجانس الفعال وإرساء السلام والتسامح والتعايش بين الحضارات والثقافات المختلفة. كما ساهم في نجاح تجانس فعال بين ثقافات مختلفة المرجعيات، وإنتاج تراث مادي ولا مادي يسم الثقافه المغربية المتسامحه ويميزها عن غيرها من الثقافات.
تضيف ذ. لبنى المجيدي اليوسي على أن:
“هذا التنوع في اللغة والمعتقد والتقاليد والأساطير والتراث الفني، سمح بتعدد التعبيرات الثقافية والفنية وإفراز عدد من المعاني الرمزية، ما أتاح إمكانية الانفتاح الإيجابي للمملكة المغربية الشريفة على الأنماط الفكرية والفنية السائدة في العالم.”
كما ساهم في غنى الدولة المغربية العلوية الشريفة وساهم في علو شأنها بين مثيلاتها من الشعوب والدول إن داخل القطر العربي والإسلامي أو داخل المنظومة العالمية ككل وبصم وجهها بالتسامح فكان قبلة الاديان وملتقى الحضارات.
وحيث أن اللقاء بمناسبة اليوم العالمي للشعر أبت ذ. رفقة أومزدي إلا أن تجعل من باحة المؤسسة مسرحا لقراءات شعرية، ومناسبة تعرف من خلالها بمكانة الكلمة وسمو الشعر كرسالة إنسانية نبيلة يتم عبرها ومن خلالها تمرير رسائل مشفرة بلغة راقية ومشاعر متدفقة بعيدا عن كل ابتذال.
كما كان اللقاء فرصة ليطلع الشباب وتلامذة ثانوية عبد السلام عامر التأهيلية على هذا التراث الإنساني اللامادي، فتناوب على المنصة ثلة من الشعراء ضيوف اللقاء، كما كان لتلامذة المؤسسة النصيب الأوفر؛ ومنهم من جادت عنده قرائح الشعر فنظم وألقى ومنهم من اكتفى باختيار قصائد شعرية منتقاة وتلاها بين الحضور على تراتيل العود وأنغام الموسيقى.