رمضان في المغرب بين الديني والتقليدي
عبد الله علي شبلي
مما لاشك فيه أن لرمضان خصوصية تُفرده عن غيره في الدول العربية والاسلامية قاطبة، غير أنه لكل قطر ما يميزه عن غيره، ويجعل لهذا الشهر الفضيل تميزاً عن سائر الشهور لما خصه الله به من بركات ومكرمات.
في المغرب، يعد شهر رمضان الأبرك فرصة كبيرة لجمع الأهل والأحبة، فأغلب الأسر تحب قضاء الشهر في جو احتفالي واجتماعي مبهج، إذ تجتمع فيه الأصول مع الفروع، ويحل المسافرون من بعيد، من داخل المغرب وخارجه لقضاء الشهر الفضيل رفقة عائلاتهم ، إن لم تفرض عليهم ظروف العمل عكس ذلك . فمغاربة الخارج خاصة يفتقدون هذه الأجواء الدينية والاجتماعية في بلاد المهجر، وهو ما حدا بالعديد منهم مؤخراً إلى تغيير عاداتهم، فباتوا يفضلون القدوم في رمضان، وفي عيد الأضحى، عوض قضاء عطلة الصيف مع أهاليهم. ويعود الامر رأساً إلى أن رمضان الأبرك يحيي فيهم هذه الهمم الدينية، ويقوي الأرواح، كما يزرع فيها حب القرآن وعمارة المسجد، ويُربي الصغار على فعل الخير، والتعود على الطقوس الاجتماعية والايمانية، وهذه المرامي لا يمكن الوصول إليها في بلاد المهجر مطلقاً.
ولعل في قدوم رمضان فرصة سانحة ، لا تحل في شهر آخر غيره، ففيه يكثر الاقبال على اعمال الخير، حيث نجد التسابق محموما بين الناس خاصهم وعامهم إلى مد يد العون، وتقديم المساعدة للفقراء والمساكين، فالزوايا تفتح أبوابها لتقديم الافطار مجانا للطلبة المنقطعين للعلم، وكذلك للعمال الذين يقضون يومهم في العمل، فلا يجدون وقتا كافياً ولا مالاً شافيا لإعداد فطورهم . وهذا ما نلحظه في معظم المدن التي تتواجد بها فروع الزوايا المختلفة، فتعطي الافطار لكل من يقصدها دون تمييز أو تفضيل، فلا يُسأل مريد ولا تبيع، ولا يفضل قاصٍ عن دانٍ ،انما الغاية تقديم البِرّ على غيره، والتسوية بين الناس، فكل طارق باب الزاوية يُفطر هناك، وكل من يطلب حمل افطاره إلى اهله وأصحابه يُتاح له ذلك.
كما يعرف هذا الشهر المقدس، كسائر الدول الاسلامية، إقبالاً كبيراً وملحوظاً على بيوت الله، فيعكف الناس وسدنة المساجد وخُدامها وأهل الاحسان والمنتمون الى الجمعيات المسيرة، على تنظيف المساجد وترتيب فُرُشها وتبخيرها وتطييبها، وذلك حتى تكون في أبهى الحُلل استعداداً للمصلين والعُمّار. ولا فرق في ذلك بين البوادي والحواضر فكل المساجد ملأى بالمصلين صغاراً وكباراً ، ولتلبية هذا الطلب تَفتح وزارة الأوقاف المغربية المجال لقُراء القرآن في المدارس القرآنية والكتاتيب والجامعات ذوي الأصوات الجميلة والحاملين لكتاب الله على طريق ورش عن نافع ، بالالتحاق بالمساجد والجوامع لآداء صلاة التراويح، تلك التي يحرص أغلب الصائمين المغاربة على ادائها رجالاً ونساءً، فيلبس الرجال الجلباب المغربي الأصيل مع البلغة التقليدية، اما النساء فيلزمن جلابيبهن التقليدية المغربية مع البلغة النسوية المسماة ب ” الشربيل ” .غير أن لباس الصحراء المغربية له خصوصيته وتفرده، فالرجال يرتدون ما يعرف باللغة الحسانية “الفوقية او الدراعة ” بينما تلبس النساء الزي التقليدي الذي يعرف ب ” الملحفة ” ويشترك فيه المغاربة مع الموريتانيين ثقافة وتقليداً منذ زمن بعيد لتداخل أهل الصحراء تصاهرا وتعاملاً تجارياً وثقافة، منذ القديم قبل عهد الاستعمار الاسباني والفرنسي للمملكة المغربية.
ولأهل الصحراء في المغرب طقوس خاصة لا يشتركون فيها مع غيرهم من السكان، حيث يقبل الشبان والشابات على جلسات الشاي الصحراوي الذي لا يشرب إلا على الفحم، كما يُصب في كؤوس خاصة يُعَمّمها الزبد، بعد تقليب الشاي فيها ممزوجا بمادة ” العلك ” المعروفة بالصمغ العربي، وله فوائد صحية متعددة.
هذه الجلسات تكون ممتدة ليلاً حتى الفجر مع مسامرات شعرية عائلية، ترافقها مقاطع موسيقية حسانية تعرف محلياً باسم ” الهَول ” .ولا تكون الجلسات تامة إلا بمرادفة التمر والحلويات واللبن. كما يرتبط هذا السمر الليلي عند البعض، سواء في البيوت أو المقاهي، بلعب ما يعرف محلياً ب ” السيك ” او ” الدومينو ” .
وهذا لا يعني، بأي حالٍ من الأحوال، اغفال الجانب الديني، فلأهل الصحراء تاريخ ممتد في العناية بالقرآن وحفظه، والتنافس فيه خاصة في شهر رمضان الأبرك، فتنظم المسابقات وتخصص الجوائز لحُفاظه وقُرائه سواء على الطريقة المغربية أو غيرها، إلا أن المذهب المتبع في ذلك لا يخرج عن طريقة ورش عن نافع، التي تميز المملكة المغربية.
وإذا كانت ليلة السابع والعشرين من رمضان تعد مناسبة روحية بامتياز ، حيث يسهر الناس في المساجد للصلاة والتعبد، فهي أيضاً فرصة للتزاور بين العائلات، واعداد الكسكس المغربي طعاماً مفضلاً للعشاء. كما أن العديد من العائلات تفضل حمل قصعتها للمسجد لتغني المصلين عن الانتقال إلى البيت، طمعاً في الأجر والثواب، ومساعدة للمصلين على التعبد في المسجد ولزومه دون الاضطرار إلى المغادرة والعودة. وللأطفال طقوس خاصة في هذه الليلة المقدسة .حيث يحتفلون فيها بلبس الملابس التقليدية ، أما الصغيرات فينقشن الحناء ويتزينّ بالقفاطين التقليدية المغربية.