الرائدة في صحافة الموبايل

العرش العلوي الشريف.. استمرارية مجد وهوية وطن

تاريخ المغرب ليس مجرد صفحات متفرقة من الماضي، بل هو ملحمة حضارية تمتد لما يقارب ألف وخمسمائة سنة منذ الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا. عبر هذا الامتداد الزمني الطويل، تميزت الأمة المغربية بخصوصيتها الفريدة؛ فهي أمة متجذرة في التاريخ، متصلة بالشرق العربي عبر الروابط الدينية والثقافية، ومنفتحة على الغرب الإسلامي من الأندلس إلى أعماق إفريقيا.

لقد تعاقبت على المغرب دول وسلالات متعددة، تركت بصماتها في السياسة والعمران والعلم والجهاد، غير أن القاسم المشترك بينها جميعًا كان الحرص على الوحدة وحماية الهوية المغربية. ومن بين هذه السلالات، يبرز العرش العلوي الشريف باعتباره حلقة ذهبية ممتدة منذ القرن السابع عشر إلى اليوم، حافظ فيها على روح الأمة، وأرسى أسس الدولة الحديثة المتصالحة مع ماضيها وتراثها، والمنفتحة على حاضرها ومستقبلها.


من إدريس الأول إلى العلويين الفيلاليين: وحدة النسب وتمايز الحكم

حين وفد إدريس بن عبد الله (إدريس الأول) إلى المغرب الأقصى في أواخر القرن الثامن الميلادي بعد معركة “فخ”، احتضنته القبائل الأمازيغية، وبايعته على تأسيس دولة جديدة. بذلك قامت الدولة الإدريسية سنة 172 هـ/788م، التي تعتبر أول كيان سياسي موحد بالمغرب الإسلامي، ورسّخت تقاليد الاستقلال عن المشرق، وربطت الحكم بالشرعية النسبية للدوحة النبوية الشريفة.

غير أن مسار التاريخ حمل في طياته تقلبات كثيرة، إذ تتابعت على المغرب بعد الأدارسة دول قوية مثل المرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين، كل منها ساهم في رسم معالم الهوية المغربية وصيانة وحدتها.

ومع ذلك، فإن العرش العلوي الفيلالي الذي تأسس في القرن السابع عشر يُعد الوريث الشرعي والأطول عمرًا في تاريخ المغرب. تعود أصول العلويين إلى منطقة الحجاز، وتحديدًا إلى مدينة ينبع، حيث ينتسبون إلى القاسم بن محمد النفس الزكية بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنّى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما. هاجر أجدادهم إلى سجلماسة في واحة تافيلالت بالرشيدية الحالية، حيث استقروا ونشروا العلم والدين، حتى برزت زعامتهم الروحية والسياسية، فتهيأت الأرضية لقيام الدولة العلوية سنة 1666م بقيادة مولاي رشيد بن الشريف.

هنا يتضح الفرق: فإدريس الأول يمثل البداية التاريخية لربط المغرب بالبيت النبوي الشريف، بينما يمثل العلويون الفيلاليون الاستمرارية الراسخة لهذا النسب في إطار دولة حديثة استمرت حتى يومنا هذا.


مولاي رشيد: المؤسس وباني الوحدة

يُعد السلطان مولاي رشيد (1631–1672م) المؤسس الفعلي للدولة العلوية. انطلق من تافيلالت لتوحيد المغرب تحت راية واحدة بعد سنوات من الاضطراب والتجزئة. بفضل حنكته العسكرية والسياسية، قضى على الفتن الداخلية كحركة الدلائيين، ووحّد مختلف الأقاليم، مثبتًا أسس الحكم العلوي.

انتهج السلطان سياسة متقدمة لبناء الدولة:

المجال العسكري: أعاد تنظيم الجيش، معتمدًا على قبائل عربية وأمازيغية كبرى مثل بني معقل وبني يزناسن، إلى جانب فرقة “الكيش”، فضلًا عن الحراطين الذين شكلوا الحرس الخاص للسلاطين.

العمران والبنية التحتية: شيد معالم بارزة منها جسر وادي سبو بفاس، الذي ظل شاهدًا على عبقريته في الهندسة، وأعاد بناء جسر الرصيف، كما شيد قصبة الشراقة (الشراردة لاحقًا) وحصّن أسوار فاس.

المجال العلمي والديني: دعم العلماء وشجع حلقات الدرس في القرويين، بل كان يحضر بعضها بنفسه مثل دروس الشيخ الحسن اليوسي. كما أسس المدرسة الشراطينية وخزانة علمية بفاس، وأطلق مشاريع دينية وثقافية رائدة.

لم يغفل مولاي رشيد أيضًا عن تعزيز التعايش الديني، فسمح بإعادة بناء كنيس ابن دنان سنة 1666م، مساهمًا في استقرار الطائفة اليهودية وإنعاش الحركة الاقتصادية.

لقد ترك السلطان المؤسس إرثًا عميقًا من الوحدة والاستقرار والنهضة، وكان نبراسًا لمن جاء بعده من سلاطين وملوك علويين.


الاستمرارية عبر القرون: من محمد الخامس إلى محمد السادس

ما يميز العرش العلوي عن غيره من السلالات في المنطقة، هو هذه القدرة على التكيف والاستمرارية عبر ثلاثة قرون ونصف، في وجه التحديات الداخلية والتهديدات الخارجية. فقد واجه المغرب محاولات الاحتلال البرتغالي والإسباني، وضغط الدولة العثمانية، والتدخل الأوروبي لاحقًا، لكنه خرج دائمًا متمسكًا باستقلاليته وهويته.

في القرن العشرين، برز المغفور له محمد الخامس كرمز للتحرر الوطني، متحديًا الاستعمار الفرنسي، ومجسدًا التلاحم بين العرش والشعب، وهو التلاحم الذي تُوّج باستقلال المغرب سنة 1956. ثم واصل المغفور له الحسن الثاني بناء الدولة الحديثة بمؤسساتها، ورسم سياسة دبلوماسية متوازنة جعلت المغرب لاعبًا إقليميًا مهمًا.

واليوم، في عهد الملك محمد السادس، يستمر هذا الإرث في صيغة إصلاحية عصرية، تجمع بين تعزيز الوحدة الترابية (خاصة في قضية الصحراء المغربية)، وتكريس التنمية الاقتصادية، وإعلاء قيم التعايش والانفتاح، مع حفاظ راسخ على التقاليد الدينية والوطنية.


العرش والشعب: معادلة استثنائية

يظل العرش العلوي الشريف رمزًا لاستمرار الدولة المغربية وضمان وحدتها. فالعلاقة بين الملك وشعبه ليست مجرد علاقة سياسية، بل هي رابطة وجدانية وحضارية تستمد قوتها من الشرعية التاريخية والدينية، ومن عمق البيعة التي ظلت قائمة عبر العصور.

هذه الخصوصية المغربية جعلت تجربة العرش العلوي فريدة في العالم الإسلامي، حيث تماهت السلطة مع خدمة الدين والأمة، وتعانقت القيادة مع الإرادة الشعبية في معركة بناء الوطن وصيانة هويته.


خاتمة

إن العرش العلوي الشريف ليس مجرد مؤسسة سياسية، بل هو امتداد لسلسلة تاريخية مجيدة تجمع بين عمق النسب النبوي الشريف، وحكمة القيادة، وتضحيات الشعب. من إدريس الأول الذي أرسى أول لبنة للاستقلال السياسي، إلى مولاي رشيد الذي وحّد المغرب تحت راية العلويين، إلى ملوك العصر الحديث الذين حملوا مشعل الاستقلال والتنمية، يظل العرش رمزًا للثبات والتجدد في آن واحد.

وبهذا، يشكل العرش العلوي الشريف اليوم ليس فقط امتدادًا لمئات السنين من التاريخ، بل أيضًا ضمانة للمستقبل، حيث يواصل المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس مسيرة البناء والتقدم، راسخًا في هويته، منفتحًا على العالم، وفي تلاحم دائم بين العرش والشعب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد