هيئة تحرير دنا بريس
هل يمكن أن تهتز صورة إسرائيل من الداخل قبل الخارج؟ وهل تتحول قضية الأسرى إلى امتحان أخلاقي يضع حكومة نتنياهو في مواجهة مباشرة مع مواطنيها؟ هذه الأسئلة فرضت نفسها بقوة اليوم (الثلاثاء) بعدما اجتاحت موجة احتجاجات الشوارع الرئيسية في إسرائيل، في يوم نضال وطني رفع شعارًا صريحًا: “إسرائيل تقف من أجل المخطوفين”.
منذ الساعات الأول لهذا الصباح، توزعت الفعاليات بين وقفات ومسيرات في مختلف المدن، لكن المشهد الأبرز كان في تل أبيب، حيث نُصبت أعلام ضخمة مقابل السفارة الأمريكية في رسالة واضحة تطالب بضغط خارجي لإتمام صفقة الأسرى. وفي قلب المدينة، سارت الأمهات بعربات أطفالهن في صورة مؤثرة، سرعان ما تحولت إلى مسيرة حاشدة هزّت الشارع بشعاراتها الداعية لإعادة الأسرى، واضعة الحكومة أمام مسؤولية لم تعد قابلة للتأجيل.
العائلات الغاضبة صعّدت لهجتها بشكل غير مسبوق ضد نتنياهو، متهمة إياه بالخوف من الضغط الشعبي ومحاولة التغطية على الإهمال الحكومي المتواصل. بعضهم ذهب أبعد من ذلك، متحدثًا عن تسريب وثائق سرية، والإضرار بأمن الدولة، ومحاولات لإسكات الناجين من الأسر بدلًا من الإصغاء لشهاداتهم. وهو ما عكس اتساع الهوة بين الشارع والسلطة، حيث لم يعد الاحتجاج مجرد صرخة إنسانية بل اتهام مباشر بالخيانة السياسية.
ولم يتردد الإعلام العبري في التقاط حرارة اللحظة، إذ نشرت وسائل إعلام مقاطع توثق إهمالًا من الجيش والحكومة، مشيرة إلى أن استمرار تجاهل نتنياهو للمطالب الشعبية بات يولّد موجة غضب قد تتحول إلى حركة عصيان مدني غير مسبوقة.
وسط هذه الأجواء، برزت كلمات إيتسيك هورن، والد الأسير إيتان هورن، الذي قال: “نحن في خضم عملية إفشال إضافية ومتعمدة لاتفاق إعادة المختطفين. حكومة تترك مواطنيها بلا اكتراث وتدمر الأساس القيمي لقدسية الحياة والتضامن المتبادل. التقدم في خطة احتلال غزة بينما هناك اتفاق موضوع على الطاولة لتوقيع رئيس الحكومة، هو طعنة في قلب العائلات والأمة بأسرها”. هذه التصريحات لم تكن مجرد صرخة أب، بل بيانًا سياسيًا يختزل حجم الهوة وانعدام الثقة بين الحكومة والعائلات.
وبهذا، باتت المفارقة صارخة: إسرائيل التي ترفع شعار حماية مواطنيها تجد نفسها اليوم متهمة من داخلها بالتخلي عنهم. ومع استمرار الاحتجاجات، تبدو حكومة نتنياهو أمام خيارين أحلاهما مر: إما الرضوخ لمطلب صفقة الأسرى وإظهار ضعف سياسي أمام الشارع والفصائل الفلسطينية، أو المضي في عنادها بما يهدد بانفجار داخلي قد يضعف موقعها خارجيًا.
وعلاقة بالموضوع، فإن هذه التطورات تأتي في لحظة إقليمية معقدة، حيث ترتبط قضية الأسرى بمفاوضات غير معلنة حول غزة، وبصورة إسرائيل أمام حلفائها الدوليين. وهو ما يجعل الاحتجاجات الحالية أكبر من مجرد حركة داخلية، بل ورقة ضغط إضافية على طاولة الصراع الإقليمي، وقد تحدد مستقبل الحكومة الإسرائيلية في الداخل والخارج على حد سواء.