شركاء الظل.. الوجه الخفي ل”جزيرة إبستين”
بقلم آية محمود رزق
جزيرة إبستين.. ليست مجرد بقعة جغرافية نائية في الكاريبي، ولا مجرد تفصيلة على الهامش في فضيحة أخلاقية عابرة كما يحاول البعض تصويرها، بل تمثل اختبارًا فاضحًا لفكرة العدالة نفسها، ولقدرة العالم على إخفاء الحقيقة حين يكون المتهم ثريًا نافذًا ومحاطًا بدوائر القرار تحترف الإفلات من المساءلة. فهذه الجزيرة الصغيرة كشفت شبكة من التواطؤ الدولي، حيث يتحول الصمت إلى تكتيك والتأجيل إلى استراتيجية محكمة، وتتحول الضحية إلى رقم مؤجل في أرشيف القضايا المنسية. لم يكن جيفري إبستين ذئبًا منفردًا، بل كان جزءًا من منظومة تعرف جيدًا كيف تحمي نفسها، وتقدم الأضعف في الحلقة كبش فداء.
القضية برمتها لا تسائل ما وقع في الجزيرة، بل تسائل التكرار والعود، كيف يتحول الاستغلال الجنسي للقاصرات إلى نشاط شبه منظم، يمر عبر مطارات خاصة وطائرات بلا سجلات واضحة، واتفاقيات قانونية صيغت بعناية لشل يد العدالة؟ وكيف يمكن لرجل واحد أن يحصل على صفقة قضائية مخففة سنة 2008 رغم وجود عشرات الشهادات الموثقة؟ إن الأمر لا يبدو مجرد خلل إجرائي، بل خلل أخلاقي وقبمي عميق يضرب في صميم النظام القضائي نفسه، ويطرح سؤالًا لا يرغب أحد في مواجهته: هل العدالة من حق الجميع، أم أنها تسخر لخدمة النافذين؟
كانت هذه الجزيرة النائية المكان المثالي للجريمة، لأنها محصنة بالمال والجاه والنفوذ. هناك تذوب الحدود بين متلازمة الجريمة والترف، الاستجمام والاستغلال الجنسي، والجاني المضيف وضيوفه والضحية فتيات قاصرات تم تسليعهن واستدراجهن بوعود عمل مزيفة أو تقديم خدمات كمرافقات او مدلكات، ليجدن أنفسهن داخل شبكة مغلقة، ليصبح الصمت والإذعان الخيار الأقل تكلفة. هذا وعند محاولة فهم آليات عمل هذه الشبكات، يتضح أن الاستغلال لا يبدأ بالفعل الجنسي، بل يسبقه بمراحل؛ يبدأ حين تُقنع الضحية بأن ما يحدث طبيعي، وحين تُربط المساعدة بالطاعة، وحين يتحول الخوف إلى جزء من الروتين اليومي.
السؤال الأخطر هنا؛ لا يتعلق فقط بالمتورطين بل بشركاء الظل الذين عاينوا وشاهدوا وفضلوا الصمت. فالسجلات تشير إلى زيارات متكررة لشخصيات نافذة من رجال أعمال وسياسيين ومشاهير ومسؤولين كبار.
لذلك لا يمكن القفز على الحقيقة، كما لا يمكن الاكتفاء بعبارة “لم تثبت الإدانة”، فإذا سلمنا بأن الصحافة ليست محكمة، لكنها مسؤولة عن فضح هذا الصمت. وقد تموت القضية بإغلاق الملف بوفاة إبستين داخل زنزانته، لكنها ستبقى حيّة أخلاقيًا، لأن الشبكات لا تموت بموت شخص واحد، ولأن العدالة لا تتحقق بإغلاق ملف، بل بفتح كل الأسئلة المؤجلة.
هل تمت محاسبة السيستم الذي سمح لإبستين بالاستمرار سنوات بعد أول اتهام حقيقي؟ الإجابة الصادقة: لا. وهل تم إنصاف الضحايا؟ الإجابة المؤلمة أيضًا: لا. فالتعويضات المالية لا تعيد الطفولة، ولا تمحو الصدمة، ولا تصلح ما أفسدته جرايم إيبستين ومن معه. وهل تغيّر شيء بعد الفضيحة؟ ربما تغيّر الخطاب، وربما أُدخلت بعض التعديلات التشريعية، لكن جوهر المشكلة ما زال قائمًا، ويتمثل في اختلال ميزان القوة حين تكون أطراف قادرة على شراء الوقت والصمت، وخلق التسويات.
تكتسب قضية جزيرة إبستين أهميتها اليوم لأنها تضعنا أمام مرآة قاسية؛ مرآة عالم يدين الجريمة نظريًا ويتسامح معها عمليًا إذا كان مرتكبها قويًا. وهي أيضًا مرآة لإعلام يكتفي أحيانًا بمتابعة الفضيحة دون تفكيك البنية التي صنعتها، ومرآة لمجتمعات تنشغل بالتفاصيل المثيرة أكثر من انشغالها بجذور الجريمة. هذه ليست قصة أمريكية معزولة، بل نموذج عالمي يتكرر بأشكال مختلفة كلما اجتمع المال والجاه وغابت الرقابة وتخلفت العدالة عن أداء أدوارها المنوطة بها.
إن الكتابة عن إبستين ليست نبشًا في ملف مستهلك، بل محاولة لفهم الحاضر ومنع تكراره في المستقبل. فأخطر ما في هذه القضية ليس ما كُشف، بل ما لم يُكشف بعد، والأخطر هو التطبيع مع الفساد والتسليم بأن من القضايا خارج العدالة ومن الأشخاص فوق المساءلة.
وهنا يصبح دور الصحافة حاسمًا: إما أن تكون شاهد زور، أو أن تتحول إلى خط الدفاع الأخير.
لن تظل جزيرة إبستين رمزًا للعار وحده، بقدر ما هي عار على المجتمع الدولي وعلى الضمائر الحية وعلى السلكة الرابعة كذلك التي يجب ان تمتلك الشجاعة لمواجهة منظومة تحمي الفساد، أم سيكتفي العالم بإدانة إبستين ومحمية إبستين لازالت هناك تتربص الفرص لأن توقد شموع العار والذل والخيبة في دهاليز الجزيرة، قد لا تكون جزيرة إبستين بعينها، تختلف الأماكن والشخوص والضحايا، إلا أن الجريمة هي ذاتها؟ إن الإجابة لا تُكتب في بيانات رسمية، بل تُكتب في تحقيقات جريئة، وفي أسئلة لا تخاف من النفوذ، وفي صحافة تدرك أن دورها ليس إرضاء السلطة، بل إزعاجها باسم الحقيقة والكرامة الإنسانية.