الرائدة في صحافة الموبايل

قراءة في كتاب Alfred bel: “الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من الفتح العربي حتى الآن”، الفصل الثاني من الكتاب الأول، “الفتح العربي وقيام الإسلام السني في شمال أفريقية”(ج1)

الدكتور محمد حماس

  • يمكن اعتبار كتابات ألفرد بل غير موضوعية، لأنها تجانب الصواب في كثير من الأحيان وتقدم المغالطات بخلفية تكن للأمازيغ والمسلمين بغضاء مضمرة. فكان هذا سببا لتقديم قراءة في الكتاب الذي بين أيدينا، ثم لأن هذه الكتابات، أي كتابات المستشرقين غزيرة ومادتها العلمية وفيرة، لكنها تبقى محط تشكيك لأنها تجانب المضوعية في الكثير من الأحيان، خاصة إذا تعلق الأمر بالشأن التاريخي والعقيدة. وهذا لا يرفع عنها صفة العلمية والأكاديمية، خاصة في مجال العلوم الأخرى، إذ كبير الفضل يعود للمفكرين والأدباء الغربيين كل في مجال تخصصه. وقد ترجم هذا الكتاب الكاتب عبد الرحمن بدوي المتميز بغزارة إنتاجه، خاصة في مجال الترجمة، وهو أستاذ الفلسفة الميال للوجودية كما جاء بها مارتن هايدجر، حسب رأي العديد من المتتبعين لكتاباته.

ثم إن كتابات المستشرقين لا تلقى كبير متابعة لأجل التمحيص والتدقيق والتصحيح، كي لا تعتمد بما تحتويه من مغالطات، علما أنها واسعة الانتشار ومتوفرة بربوع البلدان الإسلامية.

  • هذا الكتاب ..

صدر الكتاب في طبعته الأولى سنة 1961، ثم طبعة ثانية سنة 1981، وطبعة ثالثة سنة 1987. ترجمه عن الفرنسية إلى العربية عبد الرحمن بدوي، ويقع الكتاب في 462 صفحة من الحجم الكبير. موزع بين ثلاثة كتب. يضم الكتاب الأول خمسة فصول، والكتابان الثاني والثالث فيضمان ثلاثة فصول لكل منهما، إضافة إلى خاتمة وقائمة بأسماء المصادر والمراجع، أسماها إشارات إلى المراجع العامة، وقد استهل بها الكتاب على غير عادة الكتاب عند تذييل المؤلف بلائحة المصادر والمراجع. فعمد إلى وضع مقدمة توجيهية قصيرة لكل مكون من هذه البيبليوغرافيا، وهو أمر موفق في نظرنا، لأنه ينير سبيل القارئ نحو التلقي السليم.

هكذا جاءت الكتب الثلاثة معنونة على التوالي: 1- البربر قبل الإسلام والبربر بعد الإسلام حتى القرن الحادي عشر. 2- المغرب والإسلام منتصف القرن الحادي عشر الميلادي إلى منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. 3- المغرب والإسلام من القرن الثالث عشر الميلادي إلى السادس عشر …

ويعتبر ألفرد بل من الباحثين المستشرقين الذين عكفوا على دراسة انتشار العقيدة الإسلامية بالشمال الإفريقي، أي ببلاد الأمازيغ، تغيب عن الموضوعية في كثير من المواضع، سواء تعلق الأمر بالحديث عن سكان شمال إفريقيا أو عن المسلمين. 

ولد ألفرد بل سنة 1873. اهتم بالأدب ثم تحول إلى التاريخ، خاصة التاريخ الإسلامي. عاش في مدينة فاس عام 1912، ثم مراكش سنة 1914. 

ويعتبر مؤلف “الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي …” مرجعا ذا أهمية بالغة، بفضل ما يحويه من معطيات ومعلومات قيمة، حيث تتجلى وفر المادة العلمية واعتماد الوثائق والمصادر، إذ يتجلى ذلك من خلال وقوفه عند الوضع العام الذي آلت إليه النزاعات والصراعات وتعدد الاتجاهات خلال القرون الستة الأولى التي تلت الهجرة النبوية. إذ يقف الكاتب عند تفشي مذهب الخوارج ببلاد الأمازيغ لأن المناخ العام آنذاك كان مناسبة لإنشاء عدد من الدول لم تعمر طويلا. ثم مذهب الشيعة الذي أفضى لتأسيس الدولة الفاطمية لتستمر زهاء ثلاثة قرون. ثم المذهب الإباضي … 

 ترجم الكتاب وحققه وقدمه، أحد الكتاب المصريين المرموقين، عبد الرحمن بدوي(1917-2002).

  • الكتاب الأول، الفصل الثاني: الفتح العربي وقيام الإسلام السني في شمال إفريقية 

        يعرض ألفرد بل في هذا الفصل كيف أن النبي محمد عليه السلام (المتوفى بالمدينة سنة 632 هـ)، جاء بدين جديد هو الإسلام الذي جمع بين أحضانه أمة من بدو وحضر شبه الجزيرة العربية. فالدين الإسلامي عقيدة تستوجب التزامات دينية ومدنية واحدة. هكذا تولى النبي تدبير أمور المسلمين الدينية والدنيوية.  وبعد وفاته تولى خلفاؤه رعاية الدولة الإسلامية الفتية، وضم شعوب أخرى وتوسيع رقعة الدولة. فتم فتح البلاد المجاورة للجزيرة العربية في زمن قياسي، مرورا بمصر وطرابلس وبرقة وصولا إلى المغرب. ساعد في ذلك الجماعات العربية البدوية الفقيرة التي تم تنظيمها في صفوف جيوش المسلمين، ثم الضعف السياسي والحربي والاجتماعي لدول الجوار (الإمبراطوريتان، البيزنطية والفارسية المتناحرتان بينهما إلى حدود ق 7م) …. الأسباب ذاتها أدت إلى انتصار المسلمين بالشمال الأفريقي الخاضع للحكم البيزنطي.

         يؤكد GSELL  جزل، أنه بعد المملكة الجرمانية التي تواجدت عن طريق الصدفة في إسبانيا ثم استقرت قرنين بأفريقية، حل سلطان إمبراطور القسطنطينية (وريث القياصرة الرومان)، فقضى البيزنطيون على الوندال دون الاستيلاء على الموريتانيتين وسكانها الأصليين. فقامت إمارات تستعمل اللاتينية، اتسمت بالهمجية والبداوة. (وهنا يجب توخي الحذر لأن كلا من ألفرد بل وجزيل لا يتوخيان الموضوعية التي يقتضيها البحث العلمي، لأن النظرة الدونية للشعوب الأخرى قائمة عند جل المستشرقين، إن لم نقل كلهم، من خلال كتاباتهم، رغم ما لهذه الكتابات من أهمية).

        شيد اليونان حصونا وقلاعا ـ ليس لحماية أهل الريف ـ بولاية قسنطينة، بسرعة تدل على خطورة الأعداء وعدم ثقة بيزنطة بقوة هجوم جيوشها. فأقاموا المخابئ وأحاطوا المدن بالأسوار، دون أن يستتب الاستقرار بسبب الجنود وإتاوات الموظفين.         

      كان شمال أفريقيا، الموسوم بالمزارع الخضراء وأشجار الفاكهة والزيتون، مصدر إغراء للبيزنطيين والعرب … وبعد موت هرقل أعلن جيرجوار GERGOIRE نفسه إمبراطورا، وقد كان واليا بيزنطيا على إفريقية، فاتخذ سبيطلة SEFETULA  عاصمة لملكه (جنوب غرب القيروان). فقامت القسطنطينية بتنصيب والي آخر لها بقرطاجة. فانقسم البيزنطيون الأمازيغ، بين مناصرين لقرطاجة(الأقلية)، ومناصرين لسبيطلة (الأغلبية)، الأمر الذي سهل للعرب أيضا، فتح البلاد. 

         لا يمنك مقارنة الشمال الإفريقي بالمشرق (فلسطين وسوريا)، لأن الأمازيغ احتفظوا بأراضيهم واستقلالهم، رغم حالة الانقسام والعجز التي عاشوها. كلها ظروف ملائمة للعرب الغزاة في ق 7 م. وهنا أيضا لابد من تفنيد رأي ألفرد بل، لأن أراضي الأمازيغ سلبت منهم كما سلبت نساؤهم …

        جاءت هجرة العرب ضمن حلقات الهجرات الكبيرة للشعوب منذ فجر التاريخ من صحراء الجزيرة العربية نحو البلدان المجاورة، فكان أن جلبت أمواجا من الشعوب السامية (الفينيقيون – العبرانيون – الكلدانيون – البابليون – الآراميون)، ثم أخيرا العرب الذين استطاعوا تخطي الرومان والبزنطيين والفرس، الذين بدا عليهم الضعف مع بداية ق 7م ، وهي اللحظة التي ظهر فيها الإسلام الذي وحد وجمع العرب المتطلعين لحياة أفضل من حياتهم بالصحراء. عرب القبائل البدوية هم الذين شكلوا جيش الفتوحات الإسلامية، بحيث لم تكن لهم كبير غيرة على الدين [الأعراب أشد كفرا ونفاقا] (السورة 9 الآية 98). وفي آية تخص الكفار من العرب [ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون] (السورة 43 الآية 29). من هنا فالفتور الديني عند العرب سيتكرر خلال الغزو الثاني للشمال الإفريقي بعد أربعة قرون من طرف الهلالين في ق 11م، حيث نشروا الدمار والخراب بالمغرب (يتناول كتاب العبر لبعد الرحمن بن خلدون تفاصيل ذلك). المستشرق الفرنسي William Ambroise Marçais وليام مرسيه (1872-1956م) كذلك يرى أن صورة المسلمين الفاتحين، وهم يحملون القرآن بيد والسيف باليد الأخرى، هي صورة من نسج خيال شاعر. لأن البدو يتسمون بقلة التقوى، وهم غير مستعدين للشهادة، يسعون للسلب والنهب. هذا مع وجود قلة من المسلمين الصادقين، أمثال عقبة بن نافع الفهري المكي مؤسس القيروان. أما الكثرة من الجنود العرب فكان همهم جمع الثروات والغنائم بعد الحرب. وقد سرد المستشرق  Y.Goldziher أغناطيوس جولد تسيهر(1850-1921)، العديد من أسماء هذا النوع من الجنود الذين جمعوا الثروات الطائلة بعد الحرب، مثل الزبير بن العوام و طلحة بن عبيد الله و هما من المبشرين بالجنة. هذه الثروة شجعت الكثيرين من البدو والجياع على اعتناق الإسلام. تلك هي الأسباب التي جعلت قبائل العرب ينقضون على العالم القديم، الرومي أو الفارسي، في منتصف ق 7م، وقد وصف ذلك الشنفري في لامية العرب. فقتال هؤلاء الجنود كان على طمع الدنيا وهم يتقاضون رواتب مضمونة من بيت مال المسلمين(1) … ثم إن هؤلاء الجنود يرون في الحرب خلاصا لهم بالثراء في حال النصر، والخلاص من الحرمان في حال الموت، أما الشهادة فكانت عند المخلصين. كان العرب البدو في بداية الفتح أميل للتشكيك والواقعية منه إلى نشر الإسلام. فأحد الأسباب الرئيسية وراء الانتصارات العربية هو توحيدهم والخروج للبحث عن حياة أفضل من تلك التي في بواديهم. و في بلاد المغرب أيضا جلبته خضرة المنطقة وثرواتها الزراعية. و على مستوى آخر فهناك تشابه بين العرب و البربر من حيث انقسامهم و حضارتهم ( أنظر مقدمة ابن خلدون ) ، فما إن انتهى الفتح حتى امتزج العنصر العربي بالأمازيغي . و معلوم أن البربر قاوموا الفتح الإسلامي بسبب نزوعهم نحو الانفصال و الاستقلال و تعلقهم بالأرض و روحهم الدينية . لهذا نجد عددا من البربر قد ارتدوا ( مقدمة ابن خلدون ). وهنا أيضا تبدو المغالاة والتحامل على المسلمين والأمازيغ على حد سواء، دون سرد الوقائع والشواهد.

بعد أن استولى العرب على بلاد الشام (639 م) ومصر( 631 م ) وبرقة وطرابلس (643 م)، اتجهوا نحو الغرب فهزموا GREGOIRE وفر معه جنوده، من أمازيغ وبيزنطيين، وانقسموا (المؤرخون يسمونهم الأفارق)، وتوجهوا نحو قرطاجة ولم يلحقهم العرب إلا بعد نصف قرن ليستولوا على قرطاجة. فأسس عقبة القيروان(675 م)، وفتح تاهرت وسبته (سلمها له الكونت جوليان)، وطنجة ووليلي(Volubilis)، ونفيس بمصمودة، وتارودانت بسوس، حتى بلغ المحيط الأطلسي …. و قتل عقبة بن نافع الفهري سنة 683م في تهودة جنوب قسنطينة. فكاد الأمازيغ أن ينتصروا على العرب بعد تخلصهم من الروم  وأصبحوا سادة البلاد لفترة من الزمن بقيادة كسيلة وبعده الكاهنة ذات الشخصية الأسطورية (حنوب تونس وجبال الأوراس).

 هذا الوضع دعا الخلفاء في دمشق للسيطرة على إفريقية وإخضاع الأمازيغ لحكم العرب والإسلام وانتزاع قرطاجة من آخر البيزنطيين. فأضحى المغرب ولاية على رأسها موسى بن نصير سنة 705م، مستقلة عن والي مصر، عاصمتها القيروان.(يتبع)

الهوامش

*ألفرد بل، الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من الفتح العربي حتى اليوم، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى 1969

  1. (أنظر كتاب أغناطيوس جولد تسيهر  “العقيدة و الشريعة في الإسلام” ترجمة فرنسية ص 112 – 113 و في كواضع متفرقة )، وهو يهودي يعتبره العديد من الباحثين المسلمين مشككا في الأحاديث النبوية وفي دور المسلمين الفاتحين والصحابة والفرق الإسلامية.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد