هل ستنهار العولمة بعد جائحة كورونا؟!
الدكتور خالد الشرقاوي السموني
مدير مركز الرباط للدراسات السياسية و الاستراتيجية
أمام مواجهة تحديات العولمة ، المتجلية في الأزمات الاقتصادية والمالية ؛ الأزمات الاجتماعية ؛ الإرهاب ؛ الهجرة ؛ تنضاف جائحة فيروس كورونا المستجد (Covid-19) الذي أحدث أزمة صحية و “بشرية” جديدة في مواجهة تحديات العولمة.
في الواقع ، في الأشهر الأخيرة ، تعرضت العولمة لانتقادات حادة للغاية ، لأن فيروس كورونا المستجد عرض الاقتصاد العالمي للخطر ، سواء تجاريًا أو ماليًا أو حتى في مجال السياحة: أغلقت الحدود ؛ و فرض الحجر الصحي على الأفراد و الجماعات ، ونفذت حالة الطوارئ في كثير من الدول . إنه أسوأ جائحة عرفها العالم منذ الإنفلونزا الإسبانية عام 1918-1920، سببت في ركود اقتصادي غير مسبوق.
و نشير في هذا الصدد ، إلى أنه في عام 2008 ، تضافرت جهود العالم كله ضد خطر انهيار النظام المالي ، ولكن في عام 2020 ، وباء كورونا هدد العالم ، هذا الأخير فشل في وضع استراتيجية موحدة ، بسبب الارتباك الذي حصل.
وبينما تنغمس البشرية في أزمة صحية ، فإن السؤال عن أساليب حوكمة العولمة أصبح يطرح نفسه بجدية. هل يمكن أن تكون جائحة كوفيد- 19 رمزا لعولمة فاشلة؟ وهل سيعيش العالم بعد الجائحة عولمة “متضامنة” أمام انهيار العولمة الاقتصادية ؟.
يقول الاقتصادي الفرنسي “توماس بيكيتي” ، أنه “يجب أن تقودنا الأزمة الصحية المرتبطة بوباء Covid-19 إلى تحديد معايير جديدة لصنع القرار من حيث حوكمة الاقتصاد العالمي” . ويفيد هذا الكلام أنه يجب حوكمة العولمة مرة أخرى. حقيقة ، فالعولمة حاليا في أزمة ، و بالتالي وجب على دول العالم إعادة تشكيل مضامينها و أهدافها ، على أساس التضامن الاجتماعي والانساني ؛ الذي لا يسعى إلى إشباع المصالح الاقتصادية لدول الشمال المتقدمة على حساب دول الجنوب.
و الغريب في الأمر ، حتى بلدان الشمال ، كما هو الحال بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي ، بدت مفككة في مواجهة الوباء ، في غياب التنسيق الفعال والتضامن الصحي. على سبيل المثال ، إيطاليا هي الأكثر تأثراً بالفيروس ، أهملها جيرانها. في فرنسا ، خاطب الرئيس إيمانويل ماكرون قادة الاتحاد الأوروبي في 9 مارس، بخصوص مواجهة جائحة كورونا ، حيث دعاهم إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لتنسيق التدابير الصحية. ثم أن ألمانيا رفضت توفير الإمدادات الطبية لبعض دول الاتحاد الأوروبي كاليونان ، في الوقت التي عرضت كوبا المساعدة على أوروبا في محنتها لمواجهة فيروس كورونا ، رغم أن هذه الدولة تعاني من العقوبات و الحصار الاقتصادي، مما يثير الاستغراب ، و أبان على أن الاتحاد الأوروبي ليس مثالاً للتضامن أو التعاون. فالسياسة الأوروبية في مواجهة الأزمة الصحية الحالية لم تكن سياسة موحدة و فعالة .
لذلك ، فالعالم يواجه عولمة “غير متضامنة” بين دول الشمال ودول الجنوب ، بل الأكثر خطورة بين بلدان الشمال نفسها ، دون أن ننسى العولمة الاقتصادية “الوحشية” التي اتسمت بها الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين ، كل طرف يسعى إلى إقامة نظام دولي جديد. لكن هاتين القوتين العظميتين ، أثبتتا عدم قدرتهما على التنسيق الفعال على نطاق دولي واسع بسبب الأزمة الصحية.
بالإضافة إلى ذلك ، فإن جائحة الفيروس التاجي سيقود العالم بالتأكيد نحو بنية جديدة للعولمة. لأنه ، في غياب التنسيق الدولي الفعال والتضامن الصحي الدولي ، لم تستطع حنى الدول المتقدمة صناعيا في مجال البيولوجيا الطبية القضاء على فيروس مجهري مثل كورونا المستجد.
في البداية حاولت كل من الولايات المتحدة و أروبا مواجهة الوباء دول الالتزام بإجراءات الحجز الصحي وتعطيل الحياة العامة و إغلاق المؤسسات و الشركات ، خصوصا شركات الأدوية التي تجني أموالا خيالية، و ذلك لاعتبارات اقتصادية تمليها “النيوليبرالية المتوحشة” التي تحكم العالم ، خشية الخسائر التي قد يتسبب فيها ذلك. لكن هذه الدول ، أمام تزياد عدد المصابين و الوفيات من جراء الوباء ، اتخذت إجراءات استثنائية ، إسوة بالصين ، من إغلاق للحدود الداخلية والخارجية، وحظر التجوال في بعضها، واستخدام الجيش في تطبيق إجراءات العزل، و خاضت معركتها الخاصة في مواجهة الجائحة ، حتى ولو أن ذلك قد يسبب في تدهور الديمقراطية و حقوق الانسان والنزوع إلى استبداد السلطة و انهيار الأسواق والنظام الاقتصادي العالمي و التخلي عن بعض مبادئ الفكر الليبرالي الذي ترتكز عليه نظام العولمة الاقتصادية.
لقد أثبت الأزمة الصحية التي يعيشها العالم على غياب التضامن الدولي ، و لوحظ انغلاق الدول على نفسها ، أو كما أسماه عالم الاجتماع الفرنسي ” إدغار مورين ” ب ” الانغلاق الأناني” .
إنه تحد وطني يطرح من جديد علاقة السيادة بالعولمة . فالدول تخلت عن جزء من سيادتها لصالح العولمة دون أن يترجم هذا التخلي إلى تضامن اقتصادي و اجتماعي. و في هذا الصدد ، نخشى بشدة انتشار الوباء بشكل واسع في دول العالم الثالث ، خصوصا في أفريقيا.
و على هذا الأساس ، فإن العولمة ستعيش أزمة بعد جائحة كورونا. وكما قال أستاذ العلوم السياسية الأمريكي “روبير كابلان” ، “أن العولمة ستتشكل في مرحلتها الثانية من خلال فصل العالم إلى كتل قوى عظمى مع جيوش قوية وسلاسل توريد منفصلة، وكذلك ستشهد صعود الأنظمة الاستبدادية، وتسود فيها الانقسامات الاجتماعية والطبقية التي ولّدت الشعبوية المعاصرة .
كما نتوقع ، أن كورونا ستكون الحدث السياسي والاقتصادي الأهم الذي سيدشن معظم الاضطرابات الجيوسياسية المحتملة في العقد المقبل. و لذلك، نأمل أن تكون للعالم فرصة لوضع نموذج جديد للعولمة و إقامة نظام دولي بديل يدفع اقتصاديات الدول نحو عولمة متضامنة ومنصفة من أجل رفاهية البشرية ، و أيضا إصلاح ما أفسدته النيوليبرالية و التي أظهرت فشلها في إنقاذ العالم من الوباء، واعتماد قواعد التنمية المستدامة في مواجهة مختلف الأخطار البيئية و الوبائية التي قد يواجهها العالم في المستقبل ، و حماية مكتسبات الديمقراطية التي أصبحت في خطر بسبب حالات الطوارئ و الاستثناء إذا ما تكررت.