حزب العدالةوالتنمية بين المراجعة والمصالحة.. “الخاتمة هي البداية”
ذ. عبد المولى المروري
على غير العادة، ونظرا لاقتراب موعد المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، ارتأيت أن أبدأ هذه السلسلة بإثارة موضوع الحركة التصحيحية الداخلية الذي وضعته في خاتمتها، على أمل أن يجد له موطأ قدم في نقاشات المجلس الوطني والخروج بأفكار ومقترحات تكون في صالح هذه الفكرة، وفي صالح الحزب حاضرا ومستقبلا.
وأمام حالة الاحتقان الداخلي الآخذ في التفاقم والتوسع والتعقد، الذي بدأ لحظة عزل الأستاذ عبد الإلاه ابن كيران وتعيين الدكتور سعد الدين العثماني، ومرورا بالعديد من القرارات والقوانين، وكذا الوضع الحقوقي والأمني والسياسي التي كانت موضوع خلافات داخلية عميقة، فكريا وسياسيا، وانتهاء بواقعة توقيع الأمين العام لحزب العدالة والتنمية على اتفاقية التطبيع مع الكيان اليهودي الصهيوني الذي شكل صدمة قوية أوشكت على إحداث تصدع داخلي، فأمام كل هذا، تصبح مسألة إثارة موضوع الحركة التصحيحية من أوكد الأعمال التي يجب أن يعكف عليها مناضلو ومناضلات الحزب لانتشاله من هذه الأزمة الخطيرة، ووضعه من جديد على أرضية صلبة فكريا وسياسيا وتنظيميا.
نحو حركة تصحيحية جادة وحقيقية
مفهوم الحركة التصحيحية:
المقصود بالحركة التصحيحية هو ذلك العمل المنظم والواضح والمعلن عنه داخل الحزب، يقوده وينظمه ويباشره ويتدخل فيه مناضلوه ومناضلاته، يكون موضوعه تشخيص واقع الحزب، والبحث عن الاختلالات التنظيمية والسياسية والفكرية والعلائقية داخله، وعن أسبابها وأعراضها ونتائجها، ووضع منهج علمي صارم من أجل معالجتها وإيجاد حلول لإشكالاتها، بعيد عن داء التقاطب التنظيني ومرض التعصب للأشخاص والأفكار..
أهداف الحركة التصحيحية:
وعليه فعلى الحركة التصحيحية أن تركز على:
- رأب التصدعات والاختلافات الداخلية التي إن استمرت ستؤدي حتما إلى إضعاف الحزب وتقلص تأثيره، ولا قدر الله، إلى انقسامه وتمزقه.
- تقليص مساحات الاختلافات السياسية التي امتدت إلى مواقف نفسية وأزمات علائقية.
- إيجاد آلية تنظيمية مجردة وصارمة لتدبير الخلافات الداخلية.
- الضغط من أجل وضع برنامج تكويني في مجالات السياسة والتاريخ والفكر… إلى جانب برنامج تربوي/نضالي.. لفائدة كل الأعضاء، ذلك أن الملاحظ أن بضاعة غالبية أعضاء الحزب، خاصة شبيبته، ضعيفة إلى منعدمة في هذه المجالات، مما يجعل قدرتهم على التحليل واستيعاب القضايا وفهمها وإصدار مواقف عقلانية ومتزنة والدفاع عنها دون المستوى المطلوب.
- إعادة ربط الحزب بورقته المذهبية ومواقفه المبدئية ونشأته التنظيمية، وتفعيل ورقة النضال الديمقراطي تجنبا لموت ذاكرته وجمود حركته النضالية، واستئصاله عن منبته ومنشئه.
مجالات وقضايا الحركة التصحيحية:
- مرجعيات ومنطلقات الحزب التي يجزم العديد من الأعضاء أن بعض قيادات الحزب أصبحت تتخلى عنها وتتنكر لها وتتحرج منها، وهناك من دعى إلى ضرورة القيام بمراجعات على ضوء الواقع وإكراهاته وتحدياته.
- المشاكل التنظيمية التي تزداد تفاقما وتعقدا كلما تعلق الأمر بتداخل الاختصاصات وتركز المهام التنظيمية والتمثيلية في عدد محدود ومتكرر من الأعضاء، وأثر ذلك على السير العادي للحزب وهيآته المجالية والتمثيلية.
- المشاكل العلائقية والشخصية التي تطفو على السطح مع كل استحقاق انتخابي، سواء تعلق الأمر بالمؤتمرات الداخلية أو بالانتخابات التمثيلية، وما يصاحب ذلك من مسؤوليات وامتيازات.
- إعادة قراءة مواقف الحزب في العديد من القضايا السياسية المحلية على ضوء مرجعيته ومبادئه وأهدافه التي كانت سبب وجوده ومشاركته في الحياة السياسية.
أعضاء الحركة التصحيحية:
من الناحية المنطقية أن الذين سيقودون هذه العملية النبيلة هم – حصرا – مناضلون ومناضلات متطوعون من الحزب، لهم غيرة عليه، وإخلاص له، ومستعدون للتضحية من أجل قيمه ومبادئه وأهدافه. فما هي المعايير والشروط الموضوعية التي يجب أن يتصف بها هؤلاء؟ وهل من ضرورة فعلية لهذه المعايير والشروط؟
الأصل أن عملا مثل هذا يجب أن يكون مفتوحا على كل المناضلين الغيورين على الحزب ولحمته وقوته ومستقبله، ومفتوحا على كل الآراء والأفكار والمقترحات التي تخدم فكرة الحركة التصحيحية وأهدافها النبيلة، ولا يجب ان يمارس نوع من الإقصاء أو الانتقائية على ذوي النوايا الصادقة للمساهمة في هذا المشروع.. ولكن في الوقت نفسه لا يجب أن يفتح الباب على مصراعيه بلا ضوابط ومعايير موضوعية ومضبوطة، فيصعب ضبط عمل وإيقاع عملها، أو التحكم في مسارها، أو التنسيق والتعاون بين أصحابها، فتخرج عن مبتغاها وأهدافها، ويصعب أو يستحيل معه نجاح هذه الحركة التصحيحية، علما أن هناك الكثير من المتربصين والحاقدين على الحزب، الذين لا يريدون له لا نجاحا ولا مصالحة ولا تقدما…
لذلك، فإني أقترح أن تتوفر في أعضاء الحركة التصحيحية الشروط التالية:
— أعضاء مؤسسون لهم السبق في الانتماء ورصيد تنظيمي معتبر، اعتبارا لما اكتسبوه من خبرة وتجربة وتراكم في العمل التنظيمي وضوابطه ومشاكله، والعمل السياسي وتحدياته وصراعاته.. فللخبرة والتجربة دور وازن ومهم في مثل هذه المرحلة، لأنها تمنح أصحابها رصيدا وافرا من الحكمة والتعقل والنظر السديد.
— التنوع على مستوى الاختصاصات العلمية، فعمل مثل هذا يستدعي تخصصات ذات طابع سياسي وإداري وتنظيمي وقانوني واجتماعي وتربوي وغيرها من المجالات التي لها علاقة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية والقانونية.. وارتباطها بمجالات العمل الحزبي بصفة عامة، وعمل وأزمة حزب العدالة والتنمية بصفة خاصة.
— التنوع على مستوى الجنس والسن، فلا يجب أن تكون الحركة الإصلاحية حكرا على شيوخ وقدامى الحزب، ولا على رجاله دون نساءه، بل إن للشباب والنساء دور محوري في هذا العمل لما يتمتعون به من حماسة وقوة ومعايشة ومعاصرة للحاضر وتطوراته، وقدرة على تتبع الجديد والمتجدد في مختلف مناحي ومجالات الحياة.
— التنوع على مستوى المسؤوليات التنظيمية المركزية والمجالية والتمثيلية، فهذه المجالات هي أهم البؤر التي تعرف أكبر الأزمات والمشاكل والخلافات الداخلية، ولأن من ضمن المحاور التي ستشتغل عليها الحركة التصحيحية هي هذه المجالات، فحضور بعض أعضاءها سيكون ضروريا، ولكن ليس لنقل هذه الأزمات إلى الحركة التصحيحية لتشكل استمرارا وامتدادا للأزمة، بل لتكون موضوع عمل واشتغال عليها وإيجاد الحلول لها بكل نزاهة وموضوعية.
— عملية اختيار الأعضاء أو ترشحهم للعمل ضمن هذه الحركة لابد أن يستحضر الكفاءة العلمية والتنظيمية، والتجربة والخبرة التاريخية، والنزاهة والمصداقية، والقدرة على استيعاب وفهم وتحليل المشاكل، مع القدرة على ابتكار حلول إبداعية تخرج الحزب من أزمته ومشاكله، ضمن رؤية وأهداف واضحة، مع استحضار منطلقاته ومبادئة ووثائقه التأسيسية..
والعملية قد تكون باستعمال آلية الانتخاب على مستوى الهيآت المجالية بكل مستوياتها، والهيآت التمثيلية (برلمانية وجماعية) والمجلس الوطني والامانة العامة… وقد تكون بطرق أخرى كمبادرات فردية أو جماعية بالاتفاق والتوافق والتراضي… المهم أن تخدم هذه الطرق متفرقة أو مجتمعة الهدف الإصلاحي النبيل للحركة التصحيحية، على أن يقع #اختيارأوانتخابلجنةتحضيرية تعمل على تجميع القضايا المقترحة للنقاش، وتنظيمها وجدولتها وترتيب لقاءات الحركة التصحيحية.
وسائل الحركة التصحيحية:
على الحركة التصحيحية أن تعتمد وسائل تحقق الهدف المطلوب والتأثير اللازم، والنجاعة في العمل، والمردودية في النتائج.. مع الأخذ بعين الاعتبار التجربة الفاشلة لورش الحوار الداخلي الذي عجزت مخرجاته عن حل الأزمة أو ترميم الصف الداخلي أو وضع الحزب على سكته الطبيعية، فكان مجهودا بلا نتائج، وعملا بلا أفق، ورغبة بلا إرادة.
وأمام صعوبة تحديد وحصر الوسائل الكفيلة بتحقيق كل ذلك، فإني أقترح بعضا مما استطعت استحضاره، على أمل أن يقترح العضو المهتم ما يراه مناسبا ونافعا في هذا المقام.
- هيكلة الحركة التصحيحية كي يتأتى لها تنظيم لقاءاتها وتحركاتها العمودية والأفقية، على ألا تخرج عن مهمتها التصحيحية، ولا تنقلب تنظيما داخل التنظيم أو حزبا داخل الحزب، أو مشروع تفتيت أو تقسيم للحزب، فلن تصبح بذلك حركة تصحيحية، بل حركة تدميرية وحركة قاتلة.
- عقد لقاءات داخلية، تختلف من حيث الشكل والمضمون عن تلك التي كانت خلال الحوار الداخلي، فلا يجب أن تكون على شكل محاضرات تؤطرها بعض قيادات الحزب، ولا يجب أن تكون مواضيعها عبارة عن كلام نظري مجرد عن واقع الأزمة ومشاكل الحزب الداخلية والخارجية.. بل ستكون اجتماعات من نوع جديد، كل أعضاءها هم على قدم المساوات، وكل اجتماع هو سيد نفسه، ينتخب مسيره ومقرره ومدة اشتغاله…
- القوة والنفوذ هما عنصران ضروريان لنجاح هذه الحركة، فلابد أن تكون قوية بأفكارها وتحركاتها وتأثيرها وأهدافها ونتائجها، كي تستطيع إحداث الإصلاح اللازم وإرجاع الحزب إلى سابق عهده؛ قوة وإشعاعا وزخما وشعبية. ولابد أن يكون للحركة نفوذ داخل الحزب، وكلمة مسموعة بين قادته وأعضاءه، وقدرة على الإقناع وإيصال أفكارها وأهدافها إلى قادة الحزب ومسؤوليه هيئاته التقريرية كي تأخذ بوصفتها ومقترحاتها للحل. فبدون القوة والنفوذ ستكون هذه الحركة عبارة عن عمل تثقيفي توعوي سطحي، لا أثر له ولا تأثير، وسينسى خلال أيام…
سبل إنجاح الحركة التصحيحية:
- التجرد والموضوعية كي يكون لهذا العمل مصداقية ومقبولية لدى الحزب، أعضاء ومسؤولين، هيئات ومؤسسات، فالحركة مطلوبة وضرورية للحزب من أجل إنقاذه، وليست وسيلة لتصفية حسابات تنظيمية أو شخصية، وهي ردٌ لاعتبارِ قيم ومبادئ الحزب، وليس لرد اعتبارٍ لشخصٍ أو عضو، وهي من أجل بعث روحٍ جديدة في الحزب، وليس إيقاظ فتن ونعرات قديمة.
- الشجاعة مع الأدب في إبداء الرأي، فالحق يعلو ولا يعلى عليه، ولا يجب أن يخشى فيه لومة لائم، ولا تُسْتحضر فيه علاقة شخصية أو صحبة تاريخية، ولا وحدة تنظيمية أو اعتبار لحالة نفسية.. فالحركة حركة تصحيح ومصارحة ومصالحة.. وليست حركة ترقيع ومجاملة وترضية.. ولكن لا يعني أن يتسم العمل بالوقاحة وسوء الأدب والجرأة المقيتة مع قادة الحزب وأعضاءه، ولا يجب أن تكون مناسبة لنشر الغسيل وجلد الذات وإنكار فضائل من سبق للحزب وضحى من أجل أهدافه ومبادئه وقيمه فالخروج عن القيم الأخلاقية هو تسفيه لهذا العمل وإيذان له بالفشل السريع والذريع.
- وضع آلية ومنهجية علمية وصارمة، لها قدرة تدبير الملفات الشائكة وحل مشاكلها، ذلك أن المشاكل على انواع، فمنها البسيطة والمعقدة والمركبة التي جمعت مشاكل عديدة، والمتراكمة التي تراكمت مع الزمن والفوضىوية المفاجئة وغير المتوقعة، ولكل مشكلة من هذه المشاكل منهج وطريقة لحلها.
- وضع أهداف واضحة وواقعية، وخطوات مدروسة من أجل الوصول إليها، على أن تأخذ بعين الاعتبار واقع الحزب التنظيمي والتحديات السياسية، والمتدخلين والمؤثرين في المشهد السياسي، فهي حركة تصحيحية إصلاحية من الداخل، وليست حركة ثورية أو طائفية أو سياسية بديلة عن الحزب، فإصلاحها للواقع ومعالجتها للأزمة تهم الداخل التنظيمي من توحيد الصف الداخلي، واسترجاع شعبيته وإشعاعه، وإرجاعه إلى منطلقاته ومبادئه التي انطلق وبدأ منها، وبها تعاقد مع الأعضاء والمواطنين.
معيقات الحركة التصحيحية:
- تغليب الذات على الموضوع: وهو من أخطر الأدواء التنظيمية والأمراض الاجتماعية الماحقة للعلاقات الإنسانية، وهو سبب كل خصومة تافهة أو خلافات هامشية، وكل فرقة كارثية، تحيد بأصحابها عن الحق، وتخرج بهم عن الصواب، فيفشلوا وتذهب ريحهم، ويصبحوا لقمة سائغة في أفواه أعدائهم وخصومهم.
- الولاءات على حساب الكفاءات: أعتقد أن هذا الداء من الامور التي تضيع على الحزب فرصة اختيار أجود من عنده من الأطر والرجال والنساء لإدارة الحزب وتنظيمه والنضال من أجل أهدافه ومبادئه في مختلف المؤسسات والمجالات، فتقديم الولاءات يقوم على أساس العلاقات الشخصية والمحاباة، وأحيانا في إطار تبادل المصالح كأسوء شكل من أشكال الاختيار، أما اختيار الكفاءات فلا يعير أدنى اهتمام لا للعلاقات الشخصية ولا للصداقة ولا تملقا من التسلق، فشتان بين هذا وذاك، فالاختيار على أساس الولاء هو الداء، والاختيار على أساس الكفاءة هو الدواء…لذلك فاختيار أعضاء الحركة التصحيحية يجب أن يكون من أجل الدواء وليس من أجل الداء.
- الانتصار للأشخاص بدل الأفكار: على الحركة التصحيحية أن تتفادى، أثناء معالجة الملفات المختلف فيها والأزمات المرتبطة بها، الوقوع في فخ الدفاع عن شخص ما ومحاكمة وإدانة شخص آخر، فأزمة الحزب الحالية أكبر من الدكتور سعد الدين والأستاذ عبد الإلاه ابن كيران، وأي اختزال للأزمة في خلافهما هو اختزال للحزب ومشروعه وأهدافه ومستقبله في شخصهما، وفي هذا تنكر للحزب ومبادئه وقيمه التي تسمو على الأشخاص والأعضاء مهما كان موقعهم ومركزهم ومنزلتهم وماضيهم… فتوزيع الاتهامات وكيل الإدانات من هنا وهناك، وصناعة التقاطبات والاصطفافات حسب الأشخاص لن تساعد قطعا على إيجاد الحلول وتصحيح الوضع وإصلاح ذات البين، بل ذلك تعميق للأزمة وإعادة إنتاج المشاكل بصيغة أخرى أكثر تعقيدا وأطول أمدا.
يتبع.. جميعا من أجل الإصلاح والمصالحة