وقفات مع مدرسة رمضان
الشيخ الصادق العثماني
مدرسة رمضان هي مدرسة القرآن بامتياز؛ ففيها نزل على قلب نبينا العدنان وهو يتعبد الله في غار حراء، قال تعالى: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان” فشهر رمضان في الحقيقة قد أصبح في عالمنا الإسلامي موسما وعيدا لقراءة القرآن وتلاوته وحفظه، لكن هناك مفارقات عجيبة وتناقضات غريبة تقلقني وتحرجني مع نفسي، ومع بعض الغربيين من أصدقائي، إذا كان هذا الحضور القوي والوازن للقرآن الكريم في هذا الشهر العظيم، فأين ثمار تعاليمه وقيمه كالعدل والرحمة والمحبة والشورى والمساواة والحرية والكرامة ومساعدة الفقراء والضعفاء من مخلوقات الله تعالى..؟ فبجولة بسيطة في دول المسلمين فلن تجد لهذه القيم القرآنية أي أثر يذكر! وهذا الانحراف عن قيم القرآن ونهجه وتعاليمه وقيمه قد حصل مبكرا؛ وبدايته كانت في فترة خلافة عثمان رضي الله عنه، -حسب رأيي الشخصي- وخصوصا بعد مقتله رضي الله عنه، ومن ثم انطلقت شرارة الفتنة رويدا رويدا بين المسلمين وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن معركة صفين بين الإمام علي رضي الله عنه، ومعاوية رضي الله عنه، إلا إحدى نتائجها السلبية التي انقسم المسلمون من خلالها إلى فرقتين كبيرتين؛ فرقة تملك الحق والمشروعية بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي فرقة الإمام علي رضي الله عنه، وفرقة لا شرعية لها تريد السلطة والحكم بأي طريقة كانت وبأي وسيلة حتى ولو كانت على رؤوس وجماجم ودماء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكن الأخطر في هذا كله هو استعمال هذا القرآن العظيم كأيديولوجية وكخدعة للوصول إلى سدة الحكم؛ ففرقة معاوية رضي الله عنه حين شعرت بقرب هزيمتها التجأت إلى فكرة الاحتكام للقرآن الكريم لتخلص نفسها من الهزيمة، الإمام علي رضي الله عنه وهو العالم بأسرار القرآن الكريم انتبه للخطة والحيلة وقال قولته الشهيرة: ” القرآن محصور ما بين دفتي المصحف، وهو لا ينطق بلسان وإنما لا بد له من ترجمان” هنا كانت الطامة الكبرى والتي لم تظل محصورة في اغتيال الشورى وتحويل الحكم الإسلامي من حكم شوري ديمقراطي بلغة العصر، إلى حكم جبري ديكتاتوري؛ بل الأمر تعدى إلى أخطر من هذا كله وهو اغتيال عقل المسلم وروح القرآن من جهة، وتحويل علاقة المسلم بالنص القرآني وربطه بالسيف والمصالح الشخصية والقبلية من جهة أخرى، هذا الانحراف عن سبيل القرآن الكريم ومقاصده النبيلة وقيمه العظمى أسس لنمطية خطيرة في مجتمعاتنا المسلمة تجلت في تقديس هيكل القرآن الكريم، وقتل جوهره وروحه ومعانيه وفعاليته في ضمائرنا وفي حياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية؛ ولهذا نرى ازدواجية وتناقضات عجيبة وخطيرة في واقع المسلمين اليوم، تجدنا في المساجد نقرأ القرآن كملائكة الرحمن، وفي أسواقنا وشوارعها ومدارسنا وتجارتنا ومؤسساتنا نقوم ببعض الأفعال يخجل منها الشطان، وتعاكس تماما ما تلوناه وجودناه في صفحات هذا القرآن نفسه، وبدون أن نشعر بأي حرج أو خجل !!. مع العلم ان أهمية القرآن الكريم لا تكمن في ترتيله وتجويده وحفظه وإجراء مسابقات دولية فيه أو افتتاح القنوات التلفزية وبعض المحاضرات الإسلامية بآياته وسوره فقط؛ بل الأهمية الكبرى للقرآن تكمن فيما اشتمل عليه من هداية وتزكية وأخلاق كريمة، وتشريعات عادلة وقيم إنسانية كونية، وما اشتمل عليه كذلك من تعاليم وتوجيهات حكيمة لبناء الأسرة والمجتمع الفاضل، وتنظيم الدولة القوية الآمنة، يسودها العدل والشورى والديمقراطية والرحمة والمساواة والكرامة وحرية الرأي والعقيدة..(يتبع)