جدتي رْقِيَّة بنت خرباش وفريدريك نيتشه… أو حين ابتدع زراديشت الأخلاق، والصراع بين الخير والشر…
الدكتور محمد حماس

كانت تنتاب نيتشه لحظات جنون وهو يكتب عن الإنسان، وعن اغتراب هذا الإنسان، وعن حقه في المستقبل .. أما جدتي رقية فلم توصي بشيء وهي تودع هذه الحياة سوى نظرة الاستغراب والحيرة لما ستؤول إليه حياتنا مستقبلا… رحم الله جدتي رْقِيَّة بنت خرباش، الحاجية العثمانية، سليلة بني مرين من زناتة، وأسكنها فسيح جناته .. ذكراها حية ما دامت الحياة تدب في هذا الكون .. لا أكاد أنسى تحليلها للواقع الملموس بكل ما أوتيت من فطرة وتجربة في الحياة الطويلة التي عاشت من خلالها العدد الهائل من الأحداث والوقائع، لا يمكن اختزالها في صفحات قليلة .. امرأة حكيمة سلكت دروب الحياة رفقة جدي لفقير ميمون صاحب عصا الخيزران التي كلما ضرب بها الأرض اهتز أديمها .. رجل لم ينكسر إلى أن لقي ربه .. هؤلاء وامثالهم علمونا معنى الورع والعفة والشجاعة والكرم والانحياز للحق، والدفاع عن المظلومين، وحب الأرض التي شهدت صرختنا الأولى .. فشربنا من ينبوع القيم .. ذلك الينبوع الذي جف، وكأن الزمن يرتد بنا لعهد نيتشه الفيلسوف والشاعر حيث أحرج، او بالأحرى، حاصر معاصريه بسؤال القيم والأخلاق والدين والصراع الأبدي بين قوى الخير والشر وهيمنة تجار الدين، والزيف الذي تعاني منه الحقيقة … كذلك جدتي رْقِيَّة، التي ظلت طوال حياتها تحدثنا عن الإنسان الذي تجرد من كل إحساس بالعهد والأمانة وقول الحق .. إنسان تجرد من إنسانيته، وابتغى من الحياة الدنيا زينتها، فصار ينهش العرض والمال .. لم تكن تعرف جدتي أحزابا ولا حكومة، ولا برلمان .. لم تتعلم بمدارس غير مدرسة الحياة .. عاشت وماتت على الفطرة .. لم يكن أي طان ليأخذ منها حقها، لأنها كانت على يقين أن الحق يؤخذ ولا يعطى .. تأخذ موقعها وسط الحشد البشري لتنطلق في تلقينهم معنى الخير وقيمة الأخلاق، وأن الناس إن ضاعت أخلاقهم ضعفوا وضاعوا .. لم يكن تناولها للأشياء بسيطا وسطحيا .. هكذا، كلما ذكرت نيتشه ذكرتها وهي وسط فناء الدار تفترش زربية الصوف وتهدهد شكوة اللبن .. كنا أطفالا نتحلق من حولها، يحل كل منا كسرة خبز شعير، ننتظر بشغف رشفة لبن نتبين فتات الزبدة المتبقية فيه ..
هكذا تحدث نيتشه عن الصدق والقيم الكامنة في بساطة الإنسان .. “هذا هو الإنسان” ..
أعتقد أن كلا من جدي وفريدريك نيتشه، ظلا يتحدثان عن المستقبل، عن الحياة القادمة .. ظلا يحاولان الإمساك بتلابيب الحقيقة .. تحدث نيتشه عن الحروب والمجاعات، وتحدثت رْقِيَّة بنت خرباش عن الإنسان الذي لا يشبع ولا يستحي ولا يشتغل، على الأقل في بلدها، كانت تسميه “جيل بوضريس”، وأن الرزق والحرث إنما هو من من الله على الأطفال والبهائم، لأنه لو يواخذنا الله بأفعالنا لما نبت في الأرض زرع .. لم تكن جدتي رْقِيَّة بنت خرباش تعلم شيئا عن الأمم المتقدمة في الركب الحضاري .. تحدث نيتشه عن صراع المتناقضات، وعن إرادة القوة لا إرادة الحياة .. هذا السبيل هو الذي يستنزف الإنسان ويجعله يسعى للتفوق والبحث عن المجهول وحب التملك، فيقع في الدنس والتفكك والانحراف والاستسلام للنزوات والشهوات …
ظل فريدريك نيتشه يعيش الوحدة بعيدا عن مجتمعه، لأنه كان على قناعة أن قلة قلية هم من يفهمون أقواله، وكان على وعي تام أن إسمه سوف يظل خالدا لأنه نسج فلسفة مخالفة لما ظلت تدعيه فلسفات البؤس والتجني على التاريخ وإضفاء الشرعية على العبث بالإنسان كقيم .. عاش زراديشت العزلة والوحدة، وكان يحب الناس .. يتحدث نيتشه وكأنه نبي يحمل أو يحلم بالحقيقة .. فنذر فلسفته لخدمة الإنسانية والكثير من تطلعات وأحوال البشر ..
لهذا كان حديث جدتي رقية بنت خرباش موجها لبشر المتجبر، من حكام ومسؤولين، أولئك الذين لا يخشون من سوء أعمالهم لومة لائم .. فأن أرها الآن، رغم مرور عقود على رحيلها، تحضر بيننا، تتأمل واقع الحال، وما آل أليه العباد والبلاد .. نظرت لتجار الدين الذين لم من وجوههم ال لحى ولا حياء، كل الأمر انكشف .. أسفي على القطيع الذي اندفع خلفهم نحو الخراب ظنا منهم أنه الربى .. حدثتنا عنهم، وعن مكرهم كما فعل نيتشه عند معاداته للكهنة ورجال الدين المتاجرين في حرية البشر وأرواحهم، وجعلهم رهائن يعبدونهم من دون الله، يرجون المغفرة والوساطة لحياة أفضل وعيش رغيد .. هكذا التبس الأمر على زرادشت، إذ يرى أن المتفائل والمتوسم للخير لا يهتم بالحقيقة …
غضبت جدتي للفراغ المدمر الذي يشكله غياب منظومة تعليمية، وأن الأجيال المتعاقبة تصير نحو الجهل والجهالة، وليس الأمية وحدها، فكانت النتيجة التطبيع مع الفساد. تتوزع الحياة اليومية بين فاسد ومفسد – حديثها عن المجتمع المغربي – الأمر متفاقم والجرح غائر يتسع كل لحظة، لا أمل، لا ملاذ … جربنا كل من جاؤوا ومن ذهبوا .. جميعهم نهبوا .. لم يتبق لنا سوى بعض من الزبد سوف يذهب جفاء، فكانت النتيجة أن تم فقدان الثقة أمام الغياب التام للخدمات الاجتماعية وإفراز عينة من المسؤولين عثوا في المرافق العمومية فسادا .. لا أحد يمكنه إنكار حالة اللبس الذي يعيش بلد مثل المغرب، إذ تتعاقب الحكومات والحال من سيئ إلى أسوأ.
يقينا يبقى قطاع التعليم هو المقياس للوضع المتردي الذي نعيشه، حيث انسداد الأفق، إذ لا أحد ينكر أيضا الوضع النفسي الذي آل إليه المغاربة بسبب الإكراهات اليومية للحياة أمام الزيادات المهولة وجشع المضاربين في كل شيء، فالمواطن المستهلك وحده الضحية .. لكل هذا لا أكاد أخوض في حديث عن واقع البلد إلا وذكرت حدتي رقية بنت خرباش والفيلسوف والشاعر نيتشه في حديثهما عن الإنسان الذي أضحى يشكل مع بيني جلدته قطيعا، بالمنظور الذي شكله تروتر ولوبون وفرويد وغيرهم. فعقلية القطيع تمنع الفرد من التفكير الإيجابي، لأنه يبحث عن السيد أو القائد المفترض أو العلني الذي يتبعه ويفكر لأجله، لهذا لن يتغير حاله، فيومن بحتمية القدر في يلحق به من مآسي. فكثل هذا الوضع يقصي المعرفة والحرية ويدخل المجتمع في حالة الاحتضار، فتلحظ غياب المثقف الذي يفترض به التلاحم مع قضايا المجتمع، فينتقد ويوجه من خلال الكتابة والتحليل والموسيقى والفن عامة، أو بعبارات جدتي، لم يعد الجار للجار سندا، وقد غاب تلاحم أفراد المجتمع وازداد الجليد بينهم صلابة، وتضخمت الأنا وتفشت العلل وتبدت العاهات بسبب الفقر المعرفي والفكري، وغابت الأيديولوجيا، وتم إحباط الشباب، فنمت للغول رؤوس … طبيعة البشر أن يتحملوا المصائب التي تأتيهم من الخارج وتتوالى عليهم، على حد تعبير أرسطو، فلم يعد الأنسان يحلم أو يعيش القلق بقدر ما أضحى كل شيء يمر دون اعتبار لوجوده، قد لا يعي ذاته المبدعة .. غابت القيم وحل محلها العنف وإلغاء الآخر، إذا ترى الناس في الشارع العام يعيشون حالة التوتر والنفور من الآخر والاستعداد لسلوك العنف، وقد نسي الفرد العديد من حقوقه المدنية، مثل تلوث البيئة التي أضحى له السبق لتدميرها، ناهيك عن الجهات الأخطبوطية التي أجهزت على كل ما يمت للجنال ولحياة الفرد بصلة، وامتدت أيديها لتدمير كل ما هو تراث وحضارة وثقافة إنسانية.
كانت تنتاب نيتشه لحظات جنون وهو يكتب عن الإنسان، وعن اغتراب هذا الإنسان، وعن حقه في المستقبل .. أما جدتي رقية فلم توصي بشيء وهي تودع هذه الحياة سوى نظرة الاستغراب والحيرة لما ستؤول إليه حياتنا مستقبلا …