الرائدة في صحافة الموبايل

ختان الإناث “الجرحٌ الممتد”.. من موروثات الماضي إلى انتهاكٍ صارخٍ لحقوق الإنسان

في وقتٍ يتزايد فيه الوعي العالمي بحقوق الإنسان، وتتصاعد فيه الجهود الدولية لحماية الطفولة، لا تزال بعض الممارسات القديمة تفرض حضورها، متجاوزةً حدود العلم والمنطق. وفي مقدمة هذه الممارسات يأتي ختان الإناث، الذي لم يعد يُنظر إليه كعادة اجتماعية، بل كقضية إنسانية وصحية مُلحّة.
جذور ضاربة في التاريخ… واستمرار يثير التساؤلات
يُعزى انتشار ختان الإناث إلى عصور قديمة، حيث ارتبط في بعض المجتمعات بطقوس الانتقال من الطفولة إلى الأنوثة، أو باعتباره وسيلة لضبط سلوك الفتيات والحفاظ على ما يُعرف بـ«العفة»، وفق معتقدات اجتماعية متوارثة.
ورغم ترسّخ هذه الأفكار، أكدت المؤسسات الدينية مرارًا أن هذه الممارسة لا تستند إلى نص ديني صحيح، ولا تُعد فريضة بأي حال. وتشير تقارير دولية إلى أن ختان الإناث لا يحقق أي فائدة طبية، بل قد يسبب أضرارًا جسيمة قد تصل إلى الوفاة، ما يضعه في صدارة الممارسات التي تتطلب مواجهة حاسمة.
لا تعكس الظاهرة مجرد حالات فردية، بل واقعًا عالميًا واسع النطاق. إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 200 مليون فتاة وامرأة حول العالم تعرضن لختان الإناث، فيما تواجه نحو 4 ملايين فتاة سنويًا خطر التعرض له.
وفي مصر، ورغم التراجع النسبي في معدلات هذه الممارسة خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال قائمة بنِسب مقلقة، ما يعكس عمق ارتباطها بالبنية الثقافية والاجتماعية في بعض البيئات، حتى في ظل تجريمها قانونيًا.

الأثر الطبي: مضاعفات لا تتوقف عند اللحظة
يحذر الأطباء من اختزال ختان الإناث في كونه إجراءً بسيطًا، مؤكدين أنه ينطوي على مخاطر صحية جسيمة.
فعلى المدى القصير، قد يؤدي إلى نزيف حاد، والتهابات خطيرة، وآلام مبرحة، وقد تصل المضاعفات إلى صدمة تهدد الحياة.
أما على المدى الطويل، فتشمل المضاعفات التهابات مزمنة، وصعوبات في التبول، وآلامًا مستمرة، ومشكلات في العلاقة الزوجية، فضلًا عن مضاعفات خطيرة أثناء الحمل والولادة، مثل تعسّر الولادة وزيادة احتمالات النزيف.
جرح نفسي لا يُرى
لا تتوقف تداعيات ختان الإناث عند حدود الجسد، بل تمتد إلى أعماق النفس. إذ تعاني بعض الفتيات من اضطرابات ما بعد الصدمة، والقلق، والاكتئاب، إلى جانب الكوابيس والشعور المستمر بالخوف.
كما تؤثر هذه التجربة القاسية على تقدير الذات، وقد تترك آثارًا طويلة المدى على العلاقات الاجتماعية والزوجية، خاصة في حال غياب الدعم النفسي المناسب.
مشهد يتكرر خلف الأبواب المغلقة
داخل غرفة ضيقة، تجلس طفلة صغيرة تراقب ما يدور حولها في صمت. لا تفهم ما يحدث، لكنها تشعر بالخوف يتسلل إلى قلبها. لحظات قليلة كفيلة بأن تغيّر إحساسها بالأمان إلى الأبد.
هذا المشهد ليس خيالًا، بل واقع يتكرر في حياة آلاف الفتيات، حيث تتحول لحظة عابرة إلى تجربة قاسية تترك أثرًا لا يُمحى.
بين القانون والوعي… معركة لم تُحسم بعد
رغم الجهود الحكومية والدولية، لا تزال هذه الممارسة قائمة، ما يشير إلى أن المواجهة لا تقتصر على القوانين وحدها، بل تتطلب تغييرًا عميقًا في الوعي المجتمعي.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التوعية بحقوق الفتيات، إلى جانب دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في تفكيك المعتقدات الخاطئة. كما يمثل الدعم النفسي — وخاصة من خلال العلاج المعرفي السلوكي — أداة فعّالة لمساعدة المتضررات على تجاوز آثار التجربة.
في المحصلة؛ لم يعد ختان الإناث مجرد عادة موروثة، بل جريمة إنسانية تتطلب موقفًا حاسمًا. فحماية الفتيات ليست خيارًا، بل مسؤولية جماعية تفرضها القيم الإنسانية، وتدعمها القوانين، ويعززها الوعي.
إن القضاء على هذه الممارسة لم يعد هدفًا بعيد المنال، بل ضرورة مُلحّة لضمان حق كل فتاة في حياة آمنة، خالية من الألم والخوف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد