هل محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط تساهم في إشعاع القضاء الإداري كدعامة لإصلاح العدالة والعدالة الإدارية؟!
الأستـاذ البرهومي عمر
محام بهيئة المحامين بسطات
مقبول للترافع أمام محكمة النقض
أتناول الجواب و بموضوعية تامة و بوقائع واقعية و بقرارات أنوب فيها صادرة عن المحكمة الاستئنافية الإدارية بالرباط و بمقارنتها مع الأحكام الابتدائية الصادرة عن جميع المحاكم الإدارية و خاصة منها إدارية الدار البيضاء التي تعتبر اكبر محكمة إدارية من حيث نوعية القضايا وأهميتها وشساعة دائرة نفوذها ، وكذا القرارات الإدارية الاستئنافية الصادرة عن باقي محاكم الاستئناف الإدارية بالمغرب و ذلك في شكل بحث و دراسة مختصرة تحت عنوان عريض “التخليق كدعامة لإصلاح منظومة العدالة عامة و العدالة الإدارية خاصة باعتبارها قنطرة فعالـة لتشجيع و تحفيز الاستثمار بالمغرب سواء من المستثمرين الأجانب أو المغاربة، و تثبيت ثقة المتقاضين عادين و مستثمرين في القضاء الإداري المغربي.
و على ضوء ذلك يبقى التقييم و الحكم للقارئ الكريم المهتم أولا و للسلطة القضائية المسؤولية ثانيا و قبل بسط هذه الدراسة و تفصيلها لابد من التأكيد و بكل فخر و اعتزاز أن المشرع المغربي و بأوامر سامية من جلالة الملك المرحوم الحسن الثاني و التي سار عليها جلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده، أن المشرع أحسن صنعا و عدالـة بإحداثه للمحاكم الإدارية الإبتدائيـــــــــة في بداية الأمر تم إحداث المحاكم الإدارية الاستئنافية بعد ذلك مع إبقاء محكمة النقض كأعلى محكمة هي المختصة للبث في جميع الطعون الإداريـــــــــة.
ولابد كذلك من الإعتراف و التقدير بأن هذا القضاء الإداري المحدث حد من قوة و نفوذ و انحراف السلطة أو تجاوزها من طرف بعض الإدارات بجميع أنواعها و بعض الجماعات الترابية و بعض المرافق العمومية و ذلك من خلال ما كانت تصدره من قرارات إدارية تنظيمية أو تنفيذية ضد المتقاضي العادي أو المستثمر أجنبيا كان أم مغربيا ذاتيا أو معنويا و دون محاسب و لا مراقبة قضائيـة إدارية الأمر الذي كان يرهق كاهل هذه الفئة من المتقاضين حيث كانوا دائما في موقف ضعيـف أمام الموقف القوي للإدارة المذكورة و بسبب ذلك انعدمت ثقة المواطنيـن في الإدارة أو في البعض منها و كانت حقوقهم عرضة للضياع والغضب و لم تكن لهم لا حول و لا قوة.
إلا أنه و الحمد لله تغيرت الأوضاع منذ إحداث المحاكم الإدارية و التي أصبح لها الحق في المراقبـة القضائية لتلك القرارات الإدارية المشوبة بالانحراف في السلطة أو تجاوزها أو لعيب سببها أو لعدم مشروعيتها أصلا.
بل لا بد من الاعتراف و من خلال رصد أحكامها و قراراتها بأن هذه المحاكم أصدرت عدد كبير من الأحكام و القرارات الإدارية التي أرجعت الحقوق لأصحابها من الفئة الضعيفة المذكورة و ساهمت و بنسبة كبيرة في إرجاع ثقة المواطنين و المستثمريـن في القضاء المغربي الإداري و في تحفيز و تشجيع الاستثمار بالمغرب و الذي يعتبر أساسا للتنمية الاقتصادية و الكل بفضل و مجهود جبار من قضاة إداريين مختصين مجربين ومتمرسين يتوفرون على حنكة قضائية إدارية و هي المميزات و الضوابط اللازمة التي يجب إن يتوفر عليها جميع السادة القضاة الإداريين و جميع المسؤولين عن المحاكم الإدارية و إلا لفقد القضاء الإداري نجاعته و إشعاعه أو تدهورت إن لم نقل اضمحلت فضلا على وجوب تكريس و تثبيت مبدأ التخليق كدعامة أساسية لإصلاح منظومة العدالـة عامة و العدالـة الإدارية خاصة لمميزاتها المذكورة أعلاه و هذا ما سيكون موضوع هذه الدراسة المتواضعـة و انطلاقا من الممارسة المهنية و تتبع الأحكام الابتدائية و القرارات الإدارية الاستئنافية المؤيدة أو الملغية لها والتي أنوب فيها و الكل على التفصيل التالي:
لاشك أن التخليق و محاربة الفساد بجميع أنواعه ، والتقصير وعدم الكفاءة القضائية هو نوع من هذا الفساد في منظومة العدالـة هو ورش كبير و مهم، ذلك أن الأخلاق و الكفاءة و الحياد هم :” أساس من أسس الدولة تقوم بقيامها و تنهار بانهيارها “، كما جاء في الرسالـة الملكية الموجهـة إلى المشاركيـن في الندوة الوطنية ” حول دعم الأخلاقيات بالمرفق العام في 29 و 30 أكتوبر 1999 و لم تتحقق العدالة و خاصة الإدارية و ترسو دولة الحق و القانون و تثبت مبادئ الديمقراطية و حقوق الإنسان و لو كانت الترسانة التشريعية صلبة و دقيقـة في كل جزئياتها ما لم تكن مصحوبة بالتزام أخلاقي رصين و ضمير مهني حي و حياد تام ممن يعملون في جهاز العدالة على اختلاف درجاتهم و تخصصاتهم.
و يمكن القول بأن تخليق منظومة العدالة يدخل في إطار خطة وطنية شاملة للتخليف و تعزيز قيم النزاهـة و الشفافيـة على اعتبار أن ثمة علاقة بين العدالـة و الديمقراطية، فلا يمكن الحديث عن عدالـة قوية و نزيهـة في غياب مجتمع ديمقراطي مثلما لا يمكن الحديث عن انتقال ديمقراطي هادئ و هادف في غياب عدالة فعالـة و فاعلـة مع تركيزي على العدالة الإدارية و خاصة وحصرا على صعيد محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط كما يتم تفصيله و إثباته أسفله و لهذا فإن الثقة و المصالحة بين المواطن و جهاز العدالة الإدارية التي تفصل بين المتقاضين العاديين كمدعين و بين الإدارات العمومية بمختلف أنواعها و الجماعات الترابية و غيرها من المرافق العمومية كمدعى عليهم، يكون المتقاضي العادي هو الطرف الضعيف و الإدارة المدعى عليها ذات موقف قوي و قد تستعمل قوتها للتدخل و الضغط على المسؤوليـن عن المحاكم الإدارية و خاصة منهم من يفتقر للشخصية أو يسعى إلى الحفاظ على منصبه و كرسيه الوثير أو يحسن التزلف كوسيلة لذلك ، فيرجح كفة القوي على كفة الضعيف بقرارات جائرة.
انه و لهذا فإن هذه الثقة و المصالحة بين المواطن و بين جهات العدالة الإدارية خاصة سوف تحقق الثقـة و الطمأنينة و الأمن القانوني و القضائي و التي لا تتوفر إلا بالعلم و الحنكة القضائية و الفهم للنازلة و قابلية التوقع للقاعدة القانونية ، و توجهات العمل القضائي إلا حينما يكسب ثقة الملك نصره الله و لا يمكن للقضاء إن يحقق المكانة الجديرة به إلا حينما يكتسب كذلك ثقة المتقاضين التي لا تتحقق إلا من خلال ما يتحلى به القضاة من نزاهة و تجرد و استقامة و استقلال عن أي تأثير أو تدخل و هو ما أكده بالضبط الأستاذ عبد المجيد غميجة في عرضه المقدم في إطار الندوة التي نظمت من طرف الودادية الحسنية للقضاة بمناسبة المؤتمر الثالث عشر للمجموعة الإفريقية للاتحاد العالمي للقضاة بالدار البيضاء يوم 28 مارس 2008 تحت عنوان :”مبدأ الأمن القانوني و ضرورة الأمن القضائي” فالمواطن المتقاضي يجد الفساد بجميع أنواعه و التدخلات مستشريا في كل مجالات الحياة و قد طال حتى منظومة العدالـة و خاصة على صعيد محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط كما سيقع بيانه و باختصار من عدم تحرير القرارات و تجميدها لمدة طويلة قد تفوق 6 أشهر و عدم إرسال الملفات إلى محكمة النقض إلا بعد مرور وقت طويل على الطعن بالنقض أمامها حتى و لو كانت تكتسي صبغة استعجالية إدارية قصوى و لغايات مقصودة و بدون مزايدات و لاستعادة ثقة هؤلاء المتقاضين إما كمستأنفين أو كمستأنف عليهم يقتضي الأمر وضع أشياء ملموسة للمراقبة و التفتيش و ليس مجرد نداءات أو شعارات ترجع في كل وقت وحين و عبر التحقيق في الشكايات العديدة التظلمية التي تم وضعها فعلا و رسميا أمام السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية و أمام السيد رئيس النيابة العامة و أمام السيد المفتش العام لوزارة العدل و هي الشكايات الحديثة و المرفقة بالوثائق الحاسمة على ثبوت هذا و ذاك و هو ما قام به فعلا كاتب هدا الموضوع باعتباره محاميا مارس المهنة لمدة تفوق 41 سنة و غيرة منه على القضاء الإداري خاصة و على مهنة المحاماة التي تعتبر مساهمة و فعالـة و التى لا يجب تهميشها أو اعتبارها مجرد ديكور، و هي الشكايات التي ظلت بدون جواب أو بجواب غير مقنع ومن غير إجراء بحث لتنجلي الحقيقة .
فقد تقدمت شخصيا بعدة شكايات سابقة تظلمية إزاء السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط باعتباره المسؤول الأول و كان من الواجب دستوريا و تقديسا لحق التشكي المشروع و المبرر و الثابت و لتحقيق العدالـة أن يكون لكل شخص ذاتي أو معنوي مستثمر أجنبي أم مغربي المعنيين بالشكايات المذكورة ضد الجهة القضائية المذكورة الحق من محاكمة عادلة و ذلك عن طريق النص القانوني الذي يؤسس لها و عن طريق التفسير الصحيح لذلك النص طبقا لمبادئة و عبر ثقافة حقوقية و إنسانية سعيا إلى تحقيق الأمن القضائي و استقراره بعيدا عن المحاباة أو التدخل المباشر و الغير المباشر و عن طريق تحرير القرارات و خاصة التي لها صبغة استعجالية في الأجل المعقول و تجهيزها و إرسالها إلى محكمة النقض التي هي الملاذ الأخير بدلا من تجسيدها على التفصيل أعلاه و كان من الواجب إن تكون حقوق الدفاع مضمونة وان تكون القرارات تأييدا او إلغاءا معللة بتعليلات قانونية عادلة من شأنها إن تهدم تعليلات الحكم المستأنف تأييدا له أو إلغاءا له و تصديا برفض الطلب ، لذلك فإن تخليق السلطة القضائية مثلا يقوم على مجموعة من المقومات و أهمها إن تحتل فكرة و عملية التفتيش نوعا من المركزية في المقاربة التخليقية للسلطة القضائية ذلك أن السبب في هيمنة هذه الفكرة يرجع إلى التاريخ القضائي المغربي منذ تأسيسه إذ إن اعتبار القاضي شخصا موكولا له مهمة تطبيق القانون وفق النظرة التي تراها الدولة من خلال مؤسساتها جعل الجهات القائمة و الوصية على قطاع العدل تلزم القاضي بضرورة التقيد بمجموعة من الضوابط التي يتعين عليه أن لا يحيد عنها، و بالتالي فإن كل إخلال منه للمنطلقات المحددة سلفا يجب إن يكون محل إن لم يكن زجريا فعلى الأقل عن طريق التفتيش الرسمي للتحقق من الإخلالات إذ لا يتأتى ذلك إلا من خلال آلية التفتيش باعتبارها مؤسسة منظمة لهذا الغرض بقوة النظرة الدستورية الجديدة التي أتى بها دستور 2011 بشأن التفتيش القضائي التي تضمنت هذا الاتجاه الذي يجب أ يسير فيه التفتيش القضائي لهذا فجهاز التفتيش يجب أن يكون مستقلا استقلالا تاما من حيث آدائه لمهام حتى يكون عمله المذكور ممهدا لاتخاذ القرارات المناسبة من اجل المساهمة في تخليق و تصويب السلوكات المنحرفة كيف ما كانت و هذا المعيار يعني أن يكون للتفتيش القدرة على التنسيق في آداء مهامها و هو ما يفترض وجود تنوع في المؤهلات و الكفاءات التي يتعين أ تتوفر عليها المفتشية من اجل رصد مختلف مظاهر آفة بالانحراف سواء من حيث التسيير أو من حيث تحرير القرارات في وقتها الافتراضي الواجب وجودتها و إصدارها بحياد تام أو إساءة استعمال ما يسمى بالسلطة التقديرية و التي هي ليست مطلقة بل نسبية و مشروطة بالتعليل إذ و في هذه الحالة بالذات أي حالة تطبيق هذا التنوع من الكفاءات و تغطيتها لمختلف جوانب عمل السلطة القضائية يمكن القول بإمكانية تحقق النجاعة المطلوبة من جهاز التفتيش ذاته على اعتبار أن توفير الإطار البشري الكافي و الكفء من شأنه جعل عمل المفتشية يرتقى إلى مستوى المعايير المطلوبة.
و لا يخفى على احد الدور المحوري الذي تلعبه السلطة القضائية في ضمان شفافية آداء باقي الوظائف داخل الدولة و كذا حماية الامن القضائي بجميع تجلياته ، وذلك بفضل حنكة وتجربة وحزم السيد الرئيس المنتدب لها.
كما أن ضمان عدالة إدارية نزيهة و محايدة يعد الصورة الحقيقية التي تجسد مساواة المواطنين المتقاضين ضد الإدارة و تدعيم ثقتهم فيه لأنه باحترام السادة القضاة لأخلاقيات مهنتهم السامية و الحياد التام و عدم الانحياز لهذا الطرف أو لذلك و بذلك تعم الثقة و الطمأنينة و يترسخ الأمن القضائي المنشود لأن القضاء و خاصة الإداري أكثر ارتباطا من غيره لصلته بالعدالة كمفهوم فلسفي مثالي و قيمة اجتماعية فضلى، و لأن العدل يعد فكرة ذات معيار أخلاقي تتضمن مبادئ و شروط مركبة و متداخلة فيما بينها و هو التجسيد الأمثل لجميع القيم الأخرى.
و لا جدال في أن عقيدة القاضي تتكون شيئا فشيئا على الحنكة و التجربة القضائية الإدارية و أن أخلاق القاضي و عدم تقييده بما تم تفصيله أعلاه إذا كانت معيبة تصيب جهاز العدالة في مقتل إذ أن الأخلاق أو حتى التظاهر بها دون التوفر عليها ليست قطعة غيار قابلة للتغيير في كل حين بل هي نتيجة مقومات اجتماعية و ثقافية إن صلحت صلح الجسم القضائي برمته و إن فسدت فسد كلـــــــــــــــــه. و هو ما أكده و عن حق ذ/يوسف طائف في موضوعه تحت عنوان ” وضعية القضاء بين تكريس مبادئ التخليق و التحفيز ” المنشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية الرائدة في عددها 93 يوليوز، غشت 2010.
الأمر الذي يفرض على القاضي الإداري لنوعية تخصصه و أهمية القضايا الإدارية التي يحكم فيها أن تظهر مستويات عالية لمعايير السلوك القضائي من اجل تعزيز ثقة المواطن المتقاضي العادي أو المستثمر الأجنبي أو المغربي في النظام القضائي و التي تعتبر أساسية لصيانة استقلال القضاء على اعتبار أن أولى ضمانات استقلال القاضي هو ضمير القاضي نفسه الذي عليه بأن يؤمن بأن القضاء ليس وظيفـة و إنما رسالة عظيمة عنوانها الحق و العدل بين الناس ذ/يونس العياشي: ” الأمن القانوني و القضائي و أثرهما عن التنمية الاقتصادية و الاجتماعية”. و ينبني تخليق منظومة العدالـة على معالجة متكاملة تجمع بين المقاربة القانونية الرامية إلى تحصين هده المنظومة الإدارية و خاصة على صعيد محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط من مختلف أسباب الفساد بأنواعه المذكورة كالعدالة البطيئة ، بل يدخل في الفساد كذلك الانحراف في استعمال السلطة و الانحياز للطرف القوي على حساب المواطن الضعيف لما لذلك من آثار على تعزيز ثقة المواطنين العاديين و المستثمرين خارجيا و داخليا في القضاء الإداري و تكريس دوره في تخليق العدالة ودعم و إشاعة قيم و مبادئ المسؤولية و المحاسبة و الحكامة الجيدة.
غير أن ما يؤخذ على هذه أللآليات التي تبناها الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة أنها و سيرا على فلسفة المشرع المغربي تبنت بالدرجة الأولى مقاربة زجرية و كان الأفضل أن تعتمد على مقاربة قائمة على ترسيخ قيم و مبادئ المواطنة و إشاعة روح المسؤولية بالإضافة إلى المراقبة بدور التقويم و الإصلاح و جعل المسؤول القضائي المناسب و المستحق و القادر و المجرب في المكان المناسب خاصة إذا تعلق الأمر بذات المحكمة على الصعيد الوطني على اعتبار إن ثقة المتقاضين بالقضاء الإداري الحساس لا يمكن أن تتحقق الأمن خلال برهنة القضاة أنفسهم على تجردهم و نزاهتهم و حيادهم و جودة قراراتهم ومن خلال استحضار القاضي لرسالة القضاء النبيلـة و لمكانته الرفيعـة في الدين الإسلامي الحنيف و بالتالي اعتبارا لدور القضاء الإداري خاصة كمرفق عمومي مميز و خاص يتولى المنطق السليم و العدل للقانون و إصدار القرارات داخل أجل معقول و إسهاما في سيادة دولة الحق و القانون التي تعد من الاختيارات الدستورية الثابتة للمملكة المغربيـــــــــــــة و عليه فإن ثقة المواطنين المتقاضين و خاصة أمام القضاء الإداري و ضد الإدارة لا يمكن أن تتحقق إلا باستحضار و تفعيل هذه المبادئ و غيرها من الضوابط التي تمثل مناطا للثقة في هذا القضاء و مبعثا على الاطمئنان إلى قراراته، و لهذا نجد جلالة الملك يحمل المسؤولية في استرجاع ثقة المواطنين في منظومة العدالة عامة و العدالة الإدارية خاصة إلى الجهاز القضائي نفسه من خلال خطابه بمناسبة افتتاح دورة المجلس الأعلى القضاء (سابقا) لفاتح مارس 2002 :” إذ يفقد المواطن ثقته في العدالة التي تتعرض الدولة بكل أجهزتها لمختلف التحديات و الأخطار نفور المستثمرين بالمغرب” ، و نزوحهم إلى دول عربية أخرى كتونس مثلا .
كما أكد جلالة الملك في خطابه السامـي بمناسبة الذكرى 56 لثورة الملك و الشعب قائلا : ” إن قوة شرعية الدولة نفسها و حرمة مؤسساتها من قوة العدل الذي هو أساس الملك” ، إذ أن متطلبات التنمية الاقتصادية بدورها ترتبط بتوفير الأمن القضائي و الاستقرار و بقضاء إداري مستقل ونزيه يحمي المستثمرين بمناسبة معاملاتهم الاقتصادية سواء فيما بينهم أو في تعاملهم مع الدولة مما يشجع الطمأنينة في نفوسهم و تحفيزهم على القيام بالمزيد من الأنشطة الاستثمارية و ذلك بأمن قضائي يعم نفعه كافة من يتضيأ ظلال الوطن من مواطنيـن و أجانب أفرادا و مؤسسات و في رحاب دولة متحضرة حظيت بوضع متقدم من لدن المجموعـة الأوربية تتوق دوما إلى البرهنة على أنها في مستوى ذلك الوضع فعلا.
و بالرجوع إلى الفصل 117 من الدستور المغربي لسنة 2011 نجد أنه حمل القاضي بصفة عامة حماية حريات الأشخاص و الجمعيات و أمنهم القضاتي و تطبيق القانون على اعتبار إن تحقق الأمن القضائي يتطلب تطبيق القانون و على هذا الأساس فحماية المتقاضين و المستثمرين سوف يتعزز من حماية حقوقهم كما ستمكن من إعادة الثقـة في مؤسسة العدالة خصوصا إذا علمنا أن المغرب يعيش أزمة ثقة بين المواطنيـن و مؤسسة القضاء و ذلك من خلال الرفع من جودة الأحكام و القرارات التي تطمئن لها قلوب المتقاضين سواء كانت إيجابية أو سلبية ، مع تسريع وثيرة معالجة الملفات و ذلك استجابة للمهام الجديدة لعدالـة المعاصرة و تلبية لتطلعات المواطنين المتقاضين إلى عدالة إدارية حديثة متكيفة مع الواقع الاجتماعي و الاقتصادي للمجتمع المعاصر، وهو ما أكده كذلك الأستاذ عبد المجيد غميجة ” تحديث الإدارة القضائية و جودة خدمات العدالة” مجلة القضاء و القانون العدد 147 ص 17.
لذلك وجب إقامة إدارة قضائية إدارية بالخصوص احترافية و مؤهلة و كذا تحديد اختصاصات المفتشية العامة في مهام التقييم و التفتيش و التحري .
و بالتالي فإن الرفع من النجاعة القضائية الإدارية للتصدي لما يعانيه المتقاضين من تعقيد وبطء وثيرة جهاز العدالـة و تسريح معالجة و تصريف القضايا و الرفع من جودة القرارات و حسن تدبير اللامركزية، تتطلب من المسؤول القضائي مهنية عالية و مؤهلات فكرية و قانونية متميزة و معمقة في الممارسة القضائية مع التفاني في خدمة المواطن عن طريق إيصال الحق المشروع الذي يطالب به .
و لم يعد الآن في وسع احد إن ينكر أن ثمة أنماط سلوكية مشينة و تجليات أفعال لا قانونية حتى لا أقول منحرفة في جهاز العدالـة الإدارية على صعيـد محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط التي تسيء إلى سمعة القضاء الإداري ككل و برمته و تتطلب ضرورة المعالجة الفورية بل و التصدي الصارم حتى يصبح حقا التخليق أمرا واقعيا و على الأرض و ملموسا و ليس مجرد حلم أو شعار يوظف للاستهلاك و تأتيت منظومة الإصلاح المنشود و هذا بالضبط ما يجب تفعيله على أرض الواقع بخصوص محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط.
و لنا جميعا الأمل بل الثقـة الكاملة في السيد الرئيــــــــــــــس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية المعروف بنزاهة و حزمه و للسيد رئيس النيابـة العامة كل في نطاق صلاحياته لإيقاف هذا النزيف و بحزم و صرامة تنفيذا لتعليمات وتوجيهات جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.