الديمقراطية التشاركية في المغرب.. اختيار مجتمعي أم مجرد ترف دستوري؟!
ذ. عبدالعالي الطاهري
إذا كانت الديمقراطية التشاركية ،في بعدها المفاهيمي الكوني،تُعبر عن شكل من أشكال التدبير المشترك للشأن العام،هذا التدبير الذي يتأسس على مرجعية تقوية مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار السياسي والانخراط العملي في حركية السياسات العمومية،فإننا نكون دائما أمام تساؤل مفصلي وهو التالي: هل استطاع المغرب حقيقةً،وخاصة بعد دسترة آلية الديمقراطية التشاركية من خلال الوثيقة الدستورية لسنة 2011،أن يُفَعِّل أجرأةً هذا المبدأ المجتمعي الدستوري..؟ أم أن المشرع الدستوري وضعه من باب جبر الخواطر وتلميع صورة البلد أمام المنتظم الدولي،مع ما يعني ذلك من إضفاء نوع من الهالة المزيفة على شرعية “سلطة المواطن”،وهنا سوف نكون أمام ترفٍ دستوري،لا يليق بنا ولا نليق به،أكثر منه حاجة مجتمعية مُعبرة عن احترام وتقدير واجب لهيبة المواطن،نعم هيبة المواطن،التي هي أساس كل نسق أو نظام سياسي ديمقراطي،على عاتقه تقع مسؤولية عظمى عنوانها العريض: حسن تدبير شؤون الدولة خدمةً للأمة.
وبالنسبة للحالة المغربية،فأي التعريفات لآلية “الديمقراطية التشاركية”،سوف تجد إسقاطها المضاميني على واقعنا،هل هو تعريف موسوعة ويكيبيديا،القائل بأن “مفهوم الديمقراطية التشاركية هو شكل جديد لتقاسم ممارسة السلطة المرتكز على تقوية مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار السياسي”،أم هو تعريف الفيلسوف البراغماتي جون ديوي John Dewy الذي أكد على أن ” الديمقراطية التشاركية هي مواطَنَةٌ نشِطَة ومُطلِعة وعارفة،تعمل على تموين وتأطير مواطنين Public نشطين قادرين على تصريف قدراتهم في التنقيب والبحث بأنفسهم عن حلول ملائمة لقضاياهم”.
تعريف الفيلسوف جون ديوي يجد ترجمته مغربياً،وفي الظرفية الحالية، من خلال العريضة المطالبة بإحداث صندوق لمحاربة السرطان،التي أصبحت نقاشاً عمومياً وطنياً على مرجعية حقوقية إنسانية لا مجال فيها لإسقاطات أو مزايدات سياسية أو ضبط أولويات مرتبطة بأجندات انتخابية. مبادرة جاءت كتنزيل واقعي لمضامين الديمقراطية التشاركية بشكل واعٍ ومسؤول،بعدما تخلت الحكومة ومعها البرلمان،الذي لم يعد مجرد مؤسسة للتشريع بل أصبح بقوة الوارد في الباب الرابع من دستور 2011 سلطة تشريعية، عن دورهما الدستوري وقبله المواطناتي المجتمعي في مجال ذو حساسية كبرى بل وأولوية قصوى،يتعلق الأمر بصحة المواطن،الذي هو أسمى حق كوني ودستوري لكل إنسان.
هذا التخلي الحكومي والبرلماني،المتدحرج بين التقصير والتهاون،وفي أحسن الأحوال غياب رؤية حكومية عملية وعلمية واضحة ارتباطا بحاجيات المواطن في القطاع الصحي،وقس على ذلك باقي القطاعات الحكومية الملامسة للمعيش اليومي،خاصة مع التوسع المهول والمرعب لقاعدة المصابين بمرض السرطان في المغرب،زيادة على معاناتهم المزمنة مع المرض أولاً وبدرجة أكبر مع ارتفاع تكاليف العلاج،وصولاً إلى الكارثة الأكبر والمتمثلة في ضعف بنية الاستقبال الصحية.
لذلك فالحكومة المغربية وجدت نفسها أمام أول تمرين بل اختبار لمدى احترامها للمقتضيات الدستورية،نتحدث هنا عن الديمقراطية التشاركية التي لم تكن يوماً ترفاً دستورياً،على خلفية تصدير صورة لا تجسد واقع الحال أمام منتظم دولي،تفاديا لتقارير دولية صادمة أو لتصنيفات تضعنا كبلد في قاع ترتيب مؤشرات التنمية.
لذلك وجب التأكيد على أن بروز الديمقراطية التشاركية كونيا ودسترتها مغربيا،لا تُحيل قطعاً على السعي إلى إلغاء الديمقراطية التمثيلية كلياً،ولكن فقط لتجاوز قصورها التدبيري وعجزها الصارخ على التفاعل والتجاوب مع متغيرات ومعطيات اجتماعية واقتصادية مستجدة ( حركات نسائية وحقوقية واجتماعية وبيئية وثقافية وتنموية…)،وهي الإطارات المجتمعية التي لا تجد في صيغة الديمقراطية التمثيلية،كآلية دستورية،قناةً للتعبير عن حاجاتها ومطالبها،خاصة أن أهم ما يميز الديمقراطية التشاركية هو كونها آلية فاعلة على مستوى حل المشاكل عن قرب،وضمان انخراط جميع أو على الأقل أغلب المكونات والبنيات المجتمعية،في أفق تطوير مردودية تدبير الشأن العام،محلياً ووطنياً،عن طريق خلق وتبني صيغة تكاملية بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية.
فبعد توصل رئيس الحكومة سعد الدين العثماني بعريضة المطالبة بإحداث صندوق لمحاربة السرطان،ينتظر الرأي العام الوطني ومرضى السرطان بشكل خاص،رداً يؤكد بل ويجسد مدى التزام الحكومة بتعهداتها فيما يخص القطاع الصحي(البرنامج الحكومي). وهي العريضة التي احترمت جميع المعايير والشروط الدستورية،حتى القاهرة والتعجيزية منها،من قبيل إلزامية التسجيل في اللوائح الانتخابية،وهو الشرط الدستوري الذي “أقصى” كتلة مجتمعية وازنة داخل أرض الوطن وكذا بين مغاربة العالم من المساهمة في هذا الدرس الوطني،الذي سوف يحسم في جدية تعاطي السلطة التنفيذية مع المقتضيات الدستورية من عدمها،ومن ثمَّة تأكيد وجود إصلاح دستوري جذري يتأكد بالتنزيل الإجرائي.. من عدمه !!
وكل “ديمقراطية تشاركية” والمغرب والمغاربة بألف خير.