الرائدة في صحافة الموبايل

نحو تصور للنهوض بالشأن الثقافي

الدكتور عبد الحكيم قرمان

المبادئ والمنطلقات:

لإرساء رؤية تنموية تروم دمقرطة الفعل الثقافي وتعميم الاستفادة من المنتوج الإبداعي في كل تجلياته، تحصين الهوية الوطنية المتنوعة الروافد والمكونات في انفتاحها على العالم، ولتحفيز الإبداع الثقافي والفني في إطار الحرية والمسؤولية والمواطنة المسؤولة، يتطلب ذلك وضع تصور جديد للتعاطي مع الشأن الثقافي العام ببلادنا، يكون مدخله الأساس، الاعتناء باللغات الوطنية الرسمية؛ العربية والأمازيغية، ثقافة وتعبيرات لسنية، بالإضافة للعمل على ترقية مختلف التعبيرات الثقافية المغربية الأخرى. ولمأسسة هذا المشروع وضمان استدامته ونجاعته، لا بد من اعتماد مقاربة تشاركية مع مجموعة من القطاعات الحكومية والجماعات المحلية، وتفعيل دور المجتمع المدني وإشراكه في وضع البرامج وإنجازها وتتبعها وتقويمها، والاهم من ذلك كله تكريس نهج الحكامة الجيدة في تدبير الشأن الثقافي.

الإطار المرجعي:

ولكي يتأسس المشروع جديا على قواعد وطنية ومؤسسية قوية صلبة، ينبغي تنزيل وتفعيل المقتضيات الدستورية المتصلة بالحقوق الثقافية واللغوية وتعزيز الهوية الوطنية، مع بلورة مشروع برنامج حكومي يروم النهضة الثقافية بالبلد، قوامه العمل المندمج والمقاربة التشاركية بين كل القطاعات الحكومية ومكونات المجتمع المدني ومجمل فعاليات الحقل العلمي والابداعي في المجال الثقافي. والمقصود هنا، وضع تصور جديد ومتكامل، في صيغة نموذج تنموي للنهوض بالشأن الثقافي الوطني بكل تجلياته.

الأهداف المرسومة:

ولكي، ينخرط الجميع في مثل هذا المشروع النهضوي الكبير، ينبغي أن يتأسس على أهداف قصيرة، متوسطة وبعيدة المدى، نذكر منها أساسا: إرساء سياسة ثقافية تهدف إلى تعبئة الطاقات وتقوي اللحمة والانتماء للوطن، خلق شروط اقتصاد التنمية الثقافية وإرساء دعائم للصناعات الثقافية الخلاقة، الاستثمار في مجالات إنتاج المعرفة لتوفير فرص للشغل في مهن الثقافة الجديدة. إن مشروعا مجتمعيا بهذه الحمولة والرؤية والأبعاد، يتطلب كذلك بلورة رؤية استشرافية تشاركية ودامجة لكل مكونات وطاقات ومؤهلات الوطن، يمكن أن نعنونها مثلا ب “مغرب النهضة والتقدم”، يشمل انخراط كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية ؛ الاسرة والمدرسة والجامعة ومختلف البنيات ذات الطابع التكويني والتأطيري للناشئة أيضا، وبشراكة مع كل الفعاليات الثقافية الوطنية والانفتاح على ثقافات العالم. من هذا المنطلق، يمكن كذلك إطلاق دينامية جديدة لتنشيط الحركة الثقافية الوطنية ضمن رؤية مجالية متجددة من خلال إبراز وتثمين البعد الثقافي للجهوية المتقدمة بالشكل الذي يجعلها تستجيب لتطلعات المواطنين. وعلى ذلك، تصبح الثقافة الية ناجعة ضمن المشروع التنموي الاقتصادي والاجتماعي والمجالي للوطن، بحيث تصبح الثقافة شانا متداولا في الحياة العامة ومسؤولية مجتمعية مشتركة،

الأولويات الراهنة:

وكمداخل مستعجلة لتحقيق الأهداف المسطرة للمشروع، لا بد من العمل على تطوير ملائمة مضامين النصوص القانونية المؤطرة للقطاع الثقافي وفقا لمقتضيات الدستور الجديد من جهة، ورفع ميزانية الدولة المخصصة للشؤون الثقافية مع ضرورة العناية والاهتمام بالأوضاع الاجتماعية والمهنية للمثقفين والمبدعين من نساء ورجال الثقافة والفنون. كل ذلك، يتطلب أيضا بلورة استراتيجية تواصلية تجعل الشأن الثقافي في صلب التنمية المجتمعية، توسيع فضاءات القراءة والأنشطة الثقافية وتقريبها من القرى والمناطق النائية، إشراك الكفاءات بالوزارة في التدبير وربط المسؤولية بالمحاسبة، توسيع إشراك ودعم القطاع الخصوصي للشأن الثقافي، وتعبئة الإمكانيات المادية المطلوبة لتدبير وتوفير وتأهيل الموارد البشرية.

محاور السياسة العمومية في المجال الثقافي:

إن أي حكومة تروم إحداث النقلة المجتمعية المنشودة في سياق بلورة وتكريس مشروع النموذج التنموي للمغرب، من الواجب عليها نهج سياسة القرب في المجال الثقافي، تقوم على مفهوم واسع للقرب المجالي والاجتماعي والثقافي يستدمج كل مكونات الهوية الثقافية للمملكة، دعم ومواكبة الإبداع والمبدعين والعناية بأوضاعهم المادية والاعتبارية، صيانة وحماية وتثمين التراث الثقافي المادي واللامادي ودمجه في منظومة النشاط الاقتصادي والسياحي والتربوي والابداعي. وتأسيسا عليه، لا بد لحكومة من هذا النوع، أن تبلور رؤية جديدة لتنشيط الدبلوماسية الثقافية والتعاون الدولي في المجال الثقافي، وإرساء منظومة الاخلاقيات المعززة للترسانة القانونية الرامية لتكريس الممارسات الجيدة، احترام التعددية الفكرية وحماية حرية الفكر والابداع، باعتماد الحكامة الجيدة في تدبير الشأن الثقافي.

مقال بجريدة المنعطف رقم 5558

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد