الدخول المدرسي.. البلاغ الإخباري الأخير امتداد لمنشور 6 غشت من حيث الضبابية
أحمد رباص، أستاذ الفلسفة وكاتب صحفي
لعله من حقي، في مستهل هذا المقال، أن أدلي بملاحظة أساسية وهي أن البلاغ الإخباري الذي أصدرته وزارة سعيد أمزازي يوم السبت 22 غشت الجاري يشكل امتدادا للبيان الصادر عن نفس الوزارة في اليوم السادس من نفس الشهر. قد يخال البعض أن أمر الامتداد طبيعي ما دام كلا المنشورين يشتركان في نفس سبب النزول، والمقصود به الدخول المدرسي في زمن عنوانه الأبرز مرحلة تخفيف الحجر الصحي وسمته الكبرى تنامي عدد الإصابات بعدوى كورونا في كل يوم مع ما ينتج عنه من حالات حرجة ووفيات.
ليس قصدي هذا المعنى من الامتداد وإن كان صائبا، إنما أعني به أن المنشور الثاني حافظ على نفس الضبابية التي اكتنفت المنشور الأول الذي لم تحسم فيه وزارة التربية الوطنية قرارها بشأن النموذج التربوي الذي سيتم اعتماده في العام الدراسي المقبل، بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، الأمر الذي أثار حيرة وجدلا في صفوف الأسر التي لديها أبناء في سن التمدرس.
هل استطاع البلاغ الإخباري ليوم أمس الحسم بين النموذجين التعليميين؟! عوض ذلك، اتخذت الوزارة قرارا رماديا زاد من حيرة كل من له علاقة قريبة او بعيدة بشؤون المدرسة المغربية. لم تختر نموذجا على حساب الآخر بل جمعت بينهما في “خالوطة جالوطة” حسب تعبير أحد الظرفاء من سكان الفيسبوك. غاب إذا الحسم وحضر التردد في قرار وزاري متدبدب يوصي باعتماد التعليم عن بعد وفي نفس الوقت الاستجابة للأسر الراغبة في أن يتلقى أبناؤها تعليما حضوريا شريطة التقدم بطلب موقع، وربما مصحح (légalisé) إلى إدارة المؤسسة التعليمية.
من الطبيعي، في ظل هذا التردد الدال على الارتباك، أن يزدهر سوق التأويلات والإشاعات وتنهض أمامها التقويمات والتكذيبات، وان ترتفع أصوات متوجسة من مصير فلذات أكبادها.
في هذا السياق، أذكر من التأويلات ما ذهب إلى أن ترك اختيار التعليم عن بعد للأسر؛ يراد منه تحميلها مسؤولية تعرض صحة وسلامة أبنائها المتمدرسين للخطر. وذهب تأويل آخر إلى أن الاعتماد الرسمي على التعليم عن بعد في دخول مدرسي استثنائي بكل المقاييس؛ الغاية منه إرضاء لوبي التعليم الخاص وكسب وده، ولربما تفادي بأسه.
فضلا عن ذلك، يشكو نص البلاغ الوزاري الإخباري من فراغات ناجمة عن الهوة التي تفصله عن الواقع. هكذا نجده خاليا من أي إشارة إلى الإجراءات العملية والاحتياجات اللوجستية والبرامج التكوينية التي تضمن نجاح التعليم عن بعد.
لم يكن لأحد الحق في لوم الوزارة عندما قررت بشكل فجائي تبني هذا النموذج التعليمي انسجاما مع الحجر الصحي وما ارتبط به من تدابير احترازية ووقائية فرضها قانون حالة الطوارئ الصحية.
أما اليوم، فنحن نفترض أن المسؤولين عن التعليم أخذوا العبرة من التجربة السابقة في مجال التعليم عن بعد ووقفوا على سلبياتها أكثر من إيجابياتها، فكيف لا يعملون على الإكثار من الثانية والتقليل من الأولى باتخاذ إجراءات ملموسة ومدروسة من أجل ضمان تكافؤ الفرص؟
وإذا أجرينا مقارنة بين المنشورين الوزاريين المتعلقين بالدخول المدرسي الجديد على مستوى حجم وقوة الجدل الذي أثاراه نجد أن المنشور الثاني نال في مواقع فيسبوك جرعة كبيرة من التداول في السوشل ميديا، جرعة غنية بزخم من التعليقات الجادة والساخرة والمنددة والساخطة والمشككة.
وحتى أضع القارئ امام غيض من فيض، أحيله إلى ما تموج به صفحات الفيسبوك من تعليقات أجمعت على أن بلاغ الوزارة إياه بلاغ ملغوم يفتعل الخلاف داخل نفس الأسرة، بين من يفضل التعليم الحضوري ومن يختار التعليم عن بعد، على اعتبار أن الأصل في تدبير السياسات العمومية هو الوصول إلى “القرارات العمومية التي يجب أن تكون عامة ومجردة مراعاة للمساواة أمام القانون منسجمة مع مبدأ تكافؤ الفرص”.
تساءل أحد الرواد: “أشنو زعما، اللي بغا يقرا عن بعد نقريوه عن بعد.. واللي بغا يقرا عن قرب نقريوه عن قرب؟؟ وعلى هاد الحساب، علاش سديتو الشواطئ؟ خليوها مفتوحة واللي بغى يعوم يمشي يعوم على خاطرو، واللي ما بغاش شغلو هاداك..
كتب رائد آخر أن وزارة التربية الوطنية تخيّر التلاميذ بين التعليم الحضوري والتعليم عن بعد، وتؤجل الجهوي، تم تساءل: كيف لرجال ونساء التعليم أن يوفقوا بين من يطالب بالتعليم الحضوري ومن يطالب بالتعليم عن بعد؟”
من رواد فيسبوك من نادى بتطبيق آلية “ربط المسؤولية بالمحاسبة، و مساءلة من كان السبب في اتخاذ قرارات ذات الصلة بارتفاع منسوب الإصابات وحالات الوفيات وانتشار الجائحة”.
جاءت أغلب التدوينات وكأنها تصب في اتجاه رفع اليد عن مصير الشعب في مواجهة الوباء، ولسان حاله “فليفتحوا الشواطئ و المسابح والأسواق والمراقص.. و ليتركوا للناس حرية الاختيار في ولوجها أو هجرها…إنه نفس المنطق الذي انبنى عليه قرار وزارة التربية الوطنية.. بخصوص إلقاء المسؤولية على الآباء في اختيار التعليم عن بعد أو التعليم الحضوري لأبنائهم…إنه العبث”.
وثمنت العديد من التعاليق تدوينة سياسية تساءلت عن تعطيل أجرأة دستور المملكة على مستوى ما يسمى بالجهوية المتقدمة “ما معنى الحديث لعقود عن الجهوية المتقدمة إن لم تضعها الدولة رهن التطبيق لضمان دخول مدرسي محترم ؟ لكل جهة وضعها البيئي، أغلبية تنظم دخولها بطريقة عادية وبعضها عن بعد…اختيار سيمنح للمسؤولين فرصة تدبير الأمور برزانة وتحكم….علاش التخرميز علاش؟”