السياسة والمال..
من ظن أن السياسة يمكن أن تقوم لها قائمة بدون مال فهو واهم. ومن ظن أن المال يمكن استثماره وحمايته بدون سياسة فهو واهم.
أقف أحيانا عند مقولات بعضهم في كون المزاوجة بين السياسة والمال مفسدة مطلقة. وهو رأي منتشر بقوة في الطبقات السياسية الفقيرة. والحق أن هذه الطبقات معذورة فيما تراه. فهي لا تملك السير على نفس الطريق وبنفس السرعة لذا ليس في مقدورها غير الانتقاد والتنديد… وسيصل ذوو الأموال إلى كرسي القرار بيقين ليبقى السياسي الفقير مهما كان مبلغه من العلم والتفكير… سيبقى على الهامش، يحلل ويناقش، ويقلّبُ كفّيْهِ على قِصَر اليد الذي لم يمكنه من المنافسة الفعالة حتى وهو يملك من النظريات والطروحات والمشاريع ما يملك.
من هنا ندرك أن وجود المال في العمل السياسي وتأثيرَه البالغَ في إبطال تكافؤِ الفرص، وإقصاء المعوزين، والاستئثار بالسير السياسي مرفوع الهامة… وجود عُضوي وعصبُ حياة لأي عمل سياسي على مستوى العالم كله. ثم تنحصر المنافسة السياسية الحقيقية بين الأغنياء… والأغنياء يستقطبون الأقلام والكفاءات الفكرية ويشترون المنابر الإعلامية… ويؤسسون لبرامج اقتصادية وتنموية وغير ذلك… ويربطون العلاقات في الداخل والخارج ويستقوي بعضهم على بعض بقدر أرصدتهم وشطارتها…
تأسيس حزب سياسي يحتاج إلى المال.
تنظيم لقاءات دورية أو تشاورية ومؤتمرات جهوية أو وطنية وتوفير دعايات… كل ذلك يحتاج إلى المال.
خوض غمار الترشيحات والانتخابات والنزول إلى الشارع يحتاج إلى المال.
تمكين الحزب من المقرات والأدوات وتفرّغ البعض للقيام بما يلزم لبناء الحزب يحتاج إلى المال…
وبعد وقوف الحزب على قدميه يبدأ النضال وتبدأ التعبئة للبقاء أولاً وللمنافسة ثانياً ومحاولة التوسع والمزيد من التغلغل بين الناس والتركيز على الاستقطاب واستمالة النخب … كل ذلك يحتاج إلى المال…
لا تحدثني عن سياسة بدون مال، لأن حديثك حينها سيكون بلا معنى. بالمال تقوم السياسة. بل بالمال يقوم كل شيء. حتى أسرتك الصغيرة التي بين جنبيك. وما الحزب سوى أسرة في حاجة إلى المال على قدر أفرادها وأعضائها وأنشطتها وطموحاتها…
(وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) النساء: 5
وفي قراءة صحيحة أخرى (قِيَماً) والمعنى أنه بالمال بعد الله تعالى تقوم لك قائمة.
هذا والمال مالان: عامٌّ وخاصّ. سُحْتٌ وحلالٌ. وهو ما سأكتب فيه لاحقاً إن شاء الله.
كتبه محمد الفزازي رئيس الجمعية المغرببة للسلام والبلاغ.